الأحد 11 يناير 2026
منبر أنفاس

سناء المستغفر: هل السياسة نفاق أم مواجهة؟

سناء المستغفر:  هل السياسة نفاق أم مواجهة؟ سناء المستغفر

كلما اقتربنا من هموم الناس الحقيقية، كلما اكتشفنا أن السؤال الأخلاقي هو جوهر العمل السياسي: هل نمارس السياسة لنحافظ على المواقع، أم لنحمي المعنى الذي من أجله وُجدت؟ بين من يبرر الصمت بالواقعية، ومن يختزل الجرأة في الصدام، تضيع أحيانًا بوصلة السياسة كما يعيشها المواطن البسيط في الشارع، لا كما تُقدَّم في الخطب والبيانات.

 

يكثر القول إن السياسة لا تُبنى إلا على النفاق والتغاضي، حتى أصبح هذا الحكم أشبه بحقيقة مُسلَّم بها في الوعي العام. لكن هذا التعميم، رغم وجاهته في توصيف ممارسات شائعة، يظلم السياسة في جوهرها، ويبرئ الفاعلين الذين حوّلوها من خدمة للصالح العام إلى أداة للمناورة والتمويه.

 

في أصلها، السياسة ليست نفاقًا ولا صدامًا دائمًا، بل هي تدبير عقلاني وأخلاقي للشأن العام. هي بحث عن حلول ممكنة لمشاكل معقدة، ضمن موازين قوى وضغوط اجتماعية واقتصادية متشابكة. غير أن الخلل يبدأ حين تنفصل السياسة عن القيم، وتتحول من وسيلة إلى غاية، ومن خدمة إلى امتياز.

 

بين الحكمة والنفاق

 

يخلط كثيرون بين الحكمة السياسية والنفاق. فالحكمة تقتضي أحيانًا اختيار التوقيت المناسب، أو اعتماد لغة هادئة، أو بناء التوافقات مرحليًا دون التخلي عن المبدأ. أما النفاق، فهو قول ما لا يُؤمن به، أو الدفاع عن الباطل مع العلم بفساده، أو الصمت حين يصبح الصمت تواطؤًا.

 

ليس كل صمت حكمة، وليس كل مواجهة تهورًا. الفرق الجوهري يكمن في النية والغاية: هل الهدف هو حماية المصلحة العامة أم الحفاظ على الموقع والنفوذ؟

 

المواجهة: متى تكون واجبًا؟

 

المواجهة في العمل السياسي ليست خيارًا عاطفيًا، بل مسؤولية أخلاقية عندما:

يُنتهك حق واضح للناس.

يُهدر المال العام دون مساءلة.

يُستغل النفوذ على حساب الفئات الهشة.

في هذه الحالات، يصبح التغاضي خيانة للأمانة، وتتحول “البراغماتية” إلى غطاء للفساد. غير أن المواجهة إن لم تكن مدروسة، ولم تستند إلى معطيات وحجج وقنوات قانونية، قد تفقد تأثيرها وتتحول إلى صراخ بلا نتائج.

 

السياسة الممكنة: مبدأ ثابت وأسلوب مرن

 

السياسة النزيهة لا تعيش في المثاليات، لكنها أيضًا لا تبرر الانحراف. هي:

 

ثبات في القيم: لا مساومة على الحق والكرامة والشفافية.

 

مرونة في الأسلوب: تفاوض، ترافع، ضغط، وانتظار عند الضرورة.

 

 

السياسي الحقيقي لا ينافق ليبقى، ولا يواجه ليشتهر، بل يوازن ليُصلح. يقاوم حين يجب، ويتحاور حين يفيد الحوار، ويصمت فقط حين يكون الصمت خطوة في طريق أوضح.

 

من التجربة إلى الموقف: حين تختبر السياسة ميدانيًا

من يشتغل في الميدان، وسط شكاوى الساكنة وضغط الملفات اليومية، يدرك سريعًا أن السياسة ليست تنظيرًا ولا خطبًا موسمية. في الواقع المحلي، حيث تتقاطع مصالح المؤسسات مع انتظارات المواطنين، يصبح السؤال الأخلاقي حاضرًا بقوة: هل نختار الصمت حفاظًا على "العلاقات"، أم المواجهة دفاعًا عن الأمانة التي وُضعت على عاتقنا؟

 

التجربة الميدانية تُعلِّم أن أكثر ما يُرهق السياسي النزيه ليس نقص الإمكانيات، بل ثقافة التغاضي. حين تُطبع المخالفات باسم الواقعية، وحين يُطلب من المنتخب أن "يمشي جنب الحيط" بدل أن يمشي إلى جانب الحق، تتحول السياسة إلى اختبار للضمير قبل أن تكون اختبارًا للقدرة.

 

في قضايا الخدمات العمومية، والبيئة، والكرامة الحضرية، يتأكد أن الصمت لا يحل المشكل، وأن المواجهة المسؤولة ـ القائمة على المعطيات، والمراسلات، والاحتكام للقانون ـ ليست تهورًا، بل هي الشكل الوحيد لاحترام ثقة المواطنين. فالميدان لا يكافئ المتردد، ولا يحترم من يساوم على الوضوح.

 

هنا تتضح معادلة العمل السياسي الشريف: جرأة بلا شعبوية، ومواجهة بلا انفعال، وحكمة بلا تنازل. فالمنتخب الذي يواجه وهو مسنود بالملفات والحجج لا يخسر، حتى إن خسر موقعًا مؤقتًا؛ لأنه يكسب احترام الناس، وهو رأس المال الوحيد الذي لا يسقط بالتقادم.

خاتمة

ليست السياسة نفاقًا بطبيعتها، بل تُفسد حين يفسد أهلها. وليست مواجهة دائمة، بل تتحول إلى عبث حين تنفصل عن الحكمة. بين النفاق والمواجهة، توجد مساحة شريفة اسمها المسؤولية السياسية: أن تقول الحقيقة من موقع الفعل لا التنظير، وأن تدافع عنها بأدوات القانون لا بالصراخ، وأن تظل منحازًا للناس حتى حين يكون الثمن شخصيًا.

حين تُختبر السياسة في الميدان، لا يبقى السؤال: كيف نبقى في المواقع؟ بل: كيف نستحقها؟