إشكالية التقاعد في بلادنا أصبحت معقدة وقضية حارقة يشعر بأثرها المادي المحالون على التقاعد، ويتخوف من تبعات المنظومة القانونية الحالية كل الأشخاص النشيطون في مختلف المجالات.
وقد تعقدت الإشكالية في السنوات الأخيرة بالنظر إلى ارتفاع عدد المتقاعدين في مقابل عدد الموظفين الجدد، إلى جانب عدم بلورة حل شمولي طويل الأمد، والاكتفاء بالحلول الحكومية المرحلية أو الترقيعية، حيث يتم تهريب مسألة الإصلاح الجذري من حكومة إلى أخرى، فأصبح الإفلاس يلوح في الأفق من حين إلى آخر و يتعقد أمر المعالجة البنيوية للملف سنة بعد أخرى.
ومن الحلول غير المعقولة ما سمي “بالثالوث المحرم“، عبر الرفع من سن التقاعد و الزيادة في نسبة قيمة الاشتراكات مع تقليص القيمة المالية للمعاشات، حيث دائماً يتم اللجوء إلى الضغط على المشتغلين وحرمان المتقاعدين من الزيادة في معاشاتهم، حتى أنه عندما تريد الحكومة الزيادة في الأجور فإنها تلجأ لرفع قيمة التعويضات دون الرفع من قيمة الراتب الأساس، حتى لا يستفيد المتقاعدون من تلك الزيادة، في تحايل على القانون واعتماد عملية حسابية لن تنفع المستفيدين من الزيادة في الأجر من الزيادة في قيمة المعاش بناء قيمة الأجر الأساسي بعد خصم التعويضات.
وإن الاكتفاء بالرفع من سن التقاعد وتقليص قيمة المعاش والزيادة في الاشتراكات مسألة غير مقبولة وأضحت مرفوضة اليوم بشكل تام من طرف كل الجسم النقابي رغم اعتماد هذا الحل سابقا، علما أن الأمر يتحمل فيه الفرقاء الاجتماعيون جزءا من المسؤولية من خلال مخرجات الحوار الاجتماعي مع الحكومة، وعند التصويت على مشاريع القوانين بهذا الصدد، لأن القضية تتطلب الكثير من الدراسة والتدقيق واستحضار الرعاية الاجتماعية بفئة المتقاعدين وتكريس العناية اللازمة في إطار المنظومة الشاملة للحماية الاجتماعية للمتقاعدين وأسرهم وأبنائهم، علماً أن العديد منهم يتقاضون معاشات هزيلة، والكثير منهم أحيلوا على التقاعد بأمراض مزمنة تتطلب تكلفة باهظة للعلاج في ظل تأمين هش على المرض، ومنهم ما يزال يعيل أبناء في طور الدراسة أو يرعى شبابا يعانون البطالة .
وهناك إشكالية أخرى تتعلق بذوي الحقوق: الأرامل والأيتام، حيث من غير المعقول أنه حينما يتوفى صاحب المعاش الرئيسي تعيش هذه الفئة وضعية صعبة بخصم النصف من قيمة المعاش بعد الوفاة، كما أن تعدد الزوجات يتم فيه اقتسام المعاش بين الزوجات، وهذا ظلم اجتماعي كبير .
والأكيد أن الحكومة الحالية هي الأخرى غير جادة في معالجة هذه القضية بشكل دقيق وشامل رغم الحديث عن وجود دراسات واجتماعات والتحضير لمشروع إصلاح يلوح في الأفق، أظنه لن يحدث في ظل هذه السنة الأخيرة من عمر الحكومة و في سنة انتخابية الكل يتخوف من التكلفة السياسية لذلك.
والواقع يبن أنه منذ إحداث الصندوق المغربي للتقاعد في تسعينيات القرن الماضي كانت هناك إشكالية حول أداء مساهمات الدولة أو المشغل، حيث كانت الدولة تقدم ثلثي المساهمات والمشغل يقدم الثلث، وفي مرحلة لاحقة أصبحت الدولة تؤدي النصف والمشغل النصف، لكن دون الالتزام بذلك، حيث إن السنوات قبل إحداث صناديق التقاعد بشكل نظامي وقانوني كانت هناك تأخيرات كثيرة للدولة، إضافة إلى أن استثمارات أموال المتقاعدين ومساهماتهم لم تكن جيدة بل فاشلة أحيانا، ومثيرة للتساؤل حول مدى جدية الحكومات والحكومة الحالية في درّ أموال تصب في مصلحة المتقاعدين.
إن المطلب الأساسي هو أن تراجع الدولة منظومة التقاعد بشكل منطقي يضمن العدالة. كما أن رفع سن التقاعد هو ظلم في بعض القطاعات كالصحة والتعليم وفي عدة مجالات حيوية، لا يمكن للمشتغل أو العامل أو الموظف أن يتحمل عبء العمل وهو في سن كبير، خاصة أن الكثير من الأشخاص في هذا العمر سيكونون عرضة للأمراض. ولا بد أن يكون تمديد السن اختيارياً على أساس امتيازات تفضيلية لمن يرغب في ذلك.
كما أن الاشتراكات يجب مراجعتها وفرض اشتراكات كبرى على كبار الأجور وتخفيضها بالنسبة لصغار الموظفين، وأن يكون ذلك بشكل تضامني حتى يكون هناك حد أدنى للمعاشات كما هو عليه الحال بالنسبة للحد الأدنى للأجر. كما أن سياسة التعاضد يجب أن تكون أمرا أساسيا ومواكبا، واختيارات التقاعد التكميلي يجب أن تكون مؤثرة بالشكل الذي يخدم مختلف الفئات الاجتماعية، وأن نسعى إلى بلورة آليات قانونية تجعل في نهاية المطاف المتقاعد يعيش في ظروف ملائمة وتحترم كرامته، والحال هو ضرورة الاستجابة للكثير من مطالب المتقاعدين المحتجين اليوم، المنضوون في إطار جمعيات وفدراليات، حيث لابد من الاستماع إلى مطالبهم المشروعة وبلورتها في إطار حلول قانونية. ولابد أن تناضل الهيئات النقابية من أجل ذلك، لا سيما أن ما تنوي الحكومة القيام به لن يخرج من خانة الحلول السهلة، هو أمر أسوأ وغير سليم ولن يعالج الوضع في شموليته، لأن تكلفة الإصلاح باهظة جدا وتتطلب انخراطا جماعيا وضرورة تحمل الدولة لمسؤوليتها الكبيرة في ذلك.
