الهَيمنةُ إذا انفلتَت من عِقالها، أحرقَت الأخضرَ واليابس، وتركَت خلفها ظِلًّا من الخراب.
ومنذ سنوات قليلة، ينهض فاعلٌ خاصٌّ فوق خريطة الصحة في المغرب صعودًا لا يشبه صعود الآخرين،
حتى غدا ككائنٍ عملاقٍ يمدّ أذرعه في كل اتجاه، يثير القلق، ويهزّ سكون المهنة وطمأنينة أهلها.
يمتلك المغرب منظومة صحية هشّة لكنها حيّة، شبكة من المصحات الصغيرة، وعيادات الحيّ، ومختبرات التحاليل، ومراكز الأشعة، والعلاج الفيزيائي، وتقويم النطق، وغيرها من المهن الطبية التي تُطعم آلاف الأسر.
هذا النسيج المتعدد يقوم على التنوع، وعلى استقلالية الممارسة، وعلى ذلك الخيط الإنساني الرفيع الذي يصل بين المريض وطبيبه.
واليوم، يبدو هذا الخيط مهددًا بالانقطاع.
واليوم، يبدو هذا الخيط مهددًا بالانقطاع.
تطوير العرض الصحي أمر محمود،
لكنّ القلق يبدأ حين يتحوّل التطوير إلى ابتلاع، وحين يسعى فاعل واحد إلى إنشاء منظومته الكاملة من البيولوجيا الطبية والأشعة،
لينتقل من منافسٍ إلى مُهيمِنٍ على كل مسار العلاج من أوله إلى آخره.
لكنّ القلق يبدأ حين يتحوّل التطوير إلى ابتلاع، وحين يسعى فاعل واحد إلى إنشاء منظومته الكاملة من البيولوجيا الطبية والأشعة،
لينتقل من منافسٍ إلى مُهيمِنٍ على كل مسار العلاج من أوله إلى آخره.
هذا النموذج العمودي، الذي يضع الاستشارة والفحص المخبري والصورة الطبية والسرير الجراحي تحت سقف واحد، قد يخنق المهن الصحية المستقلة ورئتها الاقتصادية.
ومع الزمن، قد يغلق مئات العيادات والمراكز أبوابها، وتفقد آلاف الأسر مورد رزقها، ويفرغ الحيّ من طبيبه، والمدينة من عياداتها.
ومع الزمن، قد يغلق مئات العيادات والمراكز أبوابها، وتفقد آلاف الأسر مورد رزقها، ويفرغ الحيّ من طبيبه، والمدينة من عياداتها.
الخطر الحقيقي ليس في قوة مؤسسة، بل في تغوّلها.
فالاحتكار، أو شبه الاحتكار، لا يجلب إلا ارتفاع التكاليف، وانهيار التنافسية، وتوحيد الخدمة بطريقة تُفقِدها روحها، ويحوّل المريض من صاحب اختيار إلى تابعٍ لا خيارات له.
أما منظومة التعويض عن المرض، المثقلة أصلًا، فقد لا تحتمل صدمة هذا التوسع.والتغلغل والهيمنة.
فإذا فرض فاعل واحد أسعاره، وسياساته، وحجم أعماله،
فقد يتصدّع التوازن المالي للضمان الصحي، وتترنح صناديق AMO وCNSS وCNOPS على حافة العجز.
فقد يتصدّع التوازن المالي للضمان الصحي، وتترنح صناديق AMO وCNSS وCNOPS على حافة العجز.
ثمة خطر آخر، أعمق وأخطر،
خطرٌ يمسّ روح الطب.
خطرٌ يمسّ روح الطب.
فعندما تتحكم سلسلة واحدة بالوصفة والتحليل والصورة والعملية، يصبح تضارب المصالح أمرًا بنيويًا لا استثناءً، وتتراجع استقلالية التشخيص وحرية المريض في اختيار طريق علاجه،
وهما ركيزتان مقدّستان من ركائز أخلاق الطب.
وهما ركيزتان مقدّستان من ركائز أخلاق الطب.
ويبقى السؤال الوطني الذي لا يجوز الهروب منه:
ماذا يقول مجلس المنافسة؟
وماذا تفعل الهيئات المهنية والمؤسسات الدستورية المكلفة بحماية نزاهة الممارسة الطبية وتوازن سوق العلاج؟
وماذا تفعل الهيئات المهنية والمؤسسات الدستورية المكلفة بحماية نزاهة الممارسة الطبية وتوازن سوق العلاج؟
فهذه الجهات ليست زينة، بل درعٌ لحماية شرف المهنة وتعددية العرض الصحي.
المغرب بحاجة إلى قطاع صحي خاص قوي وحديث، لكنّه ليس بحاجة إلى قطاع واحد يبتلع الجميع.
بحاجة إلى الابتكار، لكن ليس إلى التماثل الذي يقتل الطب القريب من المواطن.
فالمنظومة الصحية لا تنهض إلا بالتعدد، وبالتكامل، وباستقلال الفاعلين.
وأمام التمدّد السريع لأكديطال،
لم تعد اليقظة خيارًا، بل واجبًا.
قد يكون مستقبل التعددية الطبية في المغرب على المحك،
وقد تُحسَم المعركة اليوم… قبل أن يصبح الأخطبوط أكبر من أن يُوقَف.
لم تعد اليقظة خيارًا، بل واجبًا.
قد يكون مستقبل التعددية الطبية في المغرب على المحك،
وقد تُحسَم المعركة اليوم… قبل أن يصبح الأخطبوط أكبر من أن يُوقَف.
الدكتور أنور الشرقاوي، خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي


