mercredi 1 avril 2026
94b236ee-55fe-48e2-a6da-927a71b2e866.jpg
منبر أنفاس

محمد اصريدي: نهائيات الكؤوس في إفريقيا تحتاج أشواطًا إضافية

محمد اصريدي: نهائيات الكؤوس في إفريقيا تحتاج أشواطًا إضافية محمد اصريدي

لم تعد المباريات النهائية لكرة القدم في القارة الإفريقية مجرد مواجهات كروية تُحسم داخل المستطيل الأخضر، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى قضايا قانونية معقدة تتشابك فيها اللوائح مع الواقع الميداني، وتُحسم فصولها في مكاتب الهيئات الكروية والمحاكم الدولية.


وبالعودة إلى حادثة رادس الشهيرة المتعلقة بنهائي دوري أبطال إفريقيا الذي جمع آنذاك بين فريقي الوداد الرياضي والترجي التونسي، وما تلاها من سيناريوهات معقدة ، تتأكد حقيقة واحدة : وهي أن كرة القدم الإفريقية تعيش على وقع أزمات تتجاوز حدود اللعبة نفسها ما يجعلها تحتاج إلى شوطين من التباري : أحدهما داخل المستطيل الأخضر الذي عادة ما يذهب إلى آخر دقائق المقابلة وينتهي بأحداث غريبة   والآخر بدوره يجري على شوطين : أحدهما بالاتحاد الإفريقي الذي عادة ما تكون قراراته ارتجالية لغاية في نفس يعقوب،  والثاني بالمحكمة الرياضية الطاس بلوزان السويسرية، وهناك تحسم الأمور بلا ارتجالية بعيدا عن لغة العصافير والصقور. والسبب أن الأفارقة وإن نالوا استقلالهم من الاستعمار الأجنبي فهم لازالوا في حاجة إلى وصاية وتحكيم دولي من هذا الأجنبي...


هذا النهائي أي نهائي دوري أبطال إفريقيا 2019، الذي جمع بين الوداد الرياضي والترجي الرياضي التونسي، والذي دخل التاريخ من باب الجدل الواسع الذي ترتب عنه، وذلك بعد إلغاء هدف التعادل للوداد الرياضي بداعي التسلل، حيث طالب الفريق المغربي باللجوء إلى تقنية الفيديو (VAR)، قبل أن تتفجر المفاجأة الصادمة: التقنية لم تكن تعمل دون أن يكون فريق الوداد على علم بذلك. في تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد قرار تحكيمي، بل تحول إلى أزمة تنظيمية حقيقية كشفت المستور، ما جعل لاعبي فريق الوداد الرياضي يرفضون استئناف اللعب دون مراجعة اللقطة عبر تقنية VAR، وهو ما وضع الحكم أمام معضلة قانونية حاسمة، فبحسب اللوائح التأديبية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، فإن رفض استئناف اللعب أو تعطيل المباراة يُعدّ بمثابة انسحاب، حتى وإن لم يغادر الفريق أرضية الميدان، وعلى هذا الأساس، تم إعلان نهاية المباراة وتتويج الترجي التونسي بطلا لنسخة 2019، قبل أن تتحول القضية إلى نزاع قانوني طويل انتهى بتثبيت النتيجة لصالح الترجي الرياضي التونسي.


وتندرج هذه الواقعة ضمن الإطار القانوني الذي تنظمه بنود الانضباط، حيث يُفهم من روح القوانين—ومنها ما يقابل البنود 82 و84 في حالات مشابهة—أن الامتناع عن اللعب يترتب عنه عقوبات مباشرة، قد تصل إلى الخسارة الإدارية وفقدان اللقب بقوة القانون. وهنا يظهر بوضوح كيف أن هذا الأخير لا يكتفي بالنوايا، بل يحتكم إلى الأفعال الملموسة داخل الملعب وتقارير الحكام والساهرين على تنفيذ القوانين المنظمة والمؤطرة للعبة .


غير أن حادثة رادس لم تكن سوى بداية لسلسلة من النقاشات القانونية التي امتدت إلى قضايا أخرى أكثر تعقيدًا. وفي هذا السياق ، يُستحضر نهائي كأس أمم إفريقيا الذي جمع بين المنتخب المغربي ومنتخب السنغال،  والذي أُقيم بالمغرب ، حيث دخلت المباراة منعطفًا حادًا بعد احتجاج المنتخب السنغالي على احتساب الحكم لضربة جزاء واضحة ما دفع لاعبيه إلى الانسحاب من أرضية الميدان لمدة تجاوزت العشرة دقائق، قبل أن تُستأنف المباراة بعد هذا التوقف الطويل في  مخالفة لقوانين اللعبة وما صاحب ذلك من توتر لاعبي المنتخب المغربي وانعكاسات هذا التوتر على منفد ركلة جزاء اللاعب إبراهيم دياز، في مشهد يعكس حالة التوتر القصوى التي قد تصل إليها المباريات النهائية نتيجة سلوكيات شاذة بعيدة كل البعد عن روح الرياضة والقوانين التي تؤطرها وتحميها : ما جعل هذا النهائي يأخذ مأخذه صوب الهيئات الكروية الرياضية على خطى نهائي رادس الشهير .


فقد لجأ الملف إلى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، حيث نظرت اللجنة التأديبية في القضية، وأصدرت قرارًا أوليًا أيد أحقية المنتخب السنغالي في اللقب بالرغم من وجود أدلة مصورة دامغة تؤكد بلا أدنى شك انسحاب هذا المنتخب من أرضية الميدان، استنادًا إلى البنود القانونية المنظمة للانسحاب وسير المباراة، خاصة ما يرتبط بالبندين 82 و84. الشيء الذي جعل الجامعة الملكية لكرة القدم تبادر إلى الطعن فيه عبر مساطر الاستئناف من باب المادتين السالفتين الذكر .


وفي المرحلة اللاحقة التي تغيّر معها الاتجاه القانوني، حيث رجحت هيئة الاستئناف بالاتحاد الإفريقي كفة المنتخب المغربي،  وأقرت بمنحه الأحقية في اللقب، ما فتح الباب أمام تصعيد جديد بين الاتحاد السنغالي لكرة القدم من جهة والاتحاد الإفريقي من جهة  ثانية  ومعه الجامعة الملكية لكرة القدم بشكل غير مباشر حيث  انتقل النزاع إلى مستوى أعلى عبر اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي في سويسرا، التي تُعد المرجع الأعلى في فض النزاعات الرياضية الدولية.


غير أن المثير في هذه القضية لم يكن فقط تضارب الأحكام، بل أيضًا المواقف الميدانية والإعلامية المصاحبة لها. فقد تمسك المنتخب السنغالي باللقب ورفض إعادته، في خطوة اعتُبرت تحديًا لقرارات الهيئات الإفريقية، بل وسعى إلى تكريس هذا الموقف عبر الاحتفال بالكأس الإفريقية في الديار الفرنسية عقب مباراته الودية مع منتخب البيرو، في محاولة واضحة لتدويل النزاع وكسب التأييد الدولي الجماهيري الخارجي، في تحد سافر لقرارات الهيئة الاستئنافية للاتحاد الإفريقي ما يفسر ما ذهبنا إليه كون النهائيات الإفريقية تلعب على شوطين وتحتاج إلى وصاية دولية...


وزاد من حدة التوتر خروج بعض التصريحات الإعلامية القوية، خاصة من الطاقم الفني للمنتخب السنغالي، والتي تضمنت اتهامات بالتأثير على قرارات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وهو ما نقل القضية من بعدها القانوني إلى مستوى أكثر حساسية يمس صورة المؤسسات الكروية في القارة الإفريقية.


إن الربط بين حادثة رادس وهذه القضية المركبة يكشف عن نمط متكرر، حيث الأزمات في اللحظات الحاسمة تتحول سريعًا إلى نزاعات قانونية مفتوحة، تتداخل فيها القوانين مع الضغوط الإعلامية والسياسية. كما يطرح هذا الواقع تساؤلات عميقة حول مدى جاهزية المنظومة الكروية الإفريقية لتدبير مثل هذه الأزمات، وضمان احترام قراراتها.


في النهاية، تبقى حادثة رادس ومعها نهائي كأس الأمم الإفريقية مرجعًا قانونيًا وإعلاميًا بارزًا، ليس فقط لأنها كشفت خللًا تقنيًا ، بل لأنها أرست سابقة في كيفية التعامل مع نقيضين مؤطرين بنفس القوانين التنظيمية : فريق  امتنع عن مواصلة المباراة حتى يتم الرجوع إلى تقنية  VAR فاعتبر منسحبا،  وفريق انسحب فعليا من الميدان لمدة طويلة ليعود بعدها ويعتبر فائزا...وهو ما  يؤكد أن مستقبل مباريات الكرة الإفريقية لن يُحسم فقط فوق العشب ، بل أيضًا داخل قاعات المحاكم ، حيث تُكتب النتائج بلغة القانون لا بلغة الأهداف التي من شأنها أن تجمع الشعوب تحت المتعة وتقاسم رغبات التعارف ونبل الأهداف...


فالكرة الإفريقية مع كل أسف تلعب على شوطين، أحدهما برقعة الميدان وثانيهما بالمحكمة الرياضية لوزان..فيالها من متعة على كفتي الميزان ، حيث التشويق قلب الوصاية بلا محاباة ولا خدلان...!