الاثنين 15 يوليو 2024
كتاب الرأي

بيشرادن: احتجاجات طلبة كليات الطب بين الربح والخسارة

بيشرادن: احتجاجات طلبة كليات الطب بين الربح والخسارة حسناء بيشرادن
لماذا يتظاهر طلبة كلية الطب والصيدلة واطب الأسنان؟ ولماذا أعدت وزارة التعليم العالي والابتكار إصلاحات في التكوين البيداغوجي لطلبة كلية الطب؟ سؤالين مهمين لتقديم تحليل أكاديمي لموضوع المقاطعة التي خاضها طلبة كلية الطب بالمغرب والتي استمرت لأكثر من 6 أشهر مما يلوح إلى سنة بيضاء في كليات الطب بالمغرب. 

بداية إن تناول هذا الموضوع ومعالجته لا يمكن فصله عن السياق العام والذي أثار قضية الصحة بالمغرب سواء فيما يتعلق بالموارد البشرية أو البنيات التحتية وجودة الخدمات التي يقدمها هذا المرفق، كما هو معلوم لقد أظهرت فترة جائحة كوفيد 19 بالمغرب مجموعة من الاختلالات التي يعاني منها القطاع الصحي بالمغربي على مستويات مختلفة، مما يستدعي الحزم واتخاذ مجموعة من الإجراءات لمواجهة هذه التحديات، ولقد تزامن هذا الأمر بارتفاع منسوب هجرة الأطباء والممرضين إلى الدول الأوروبية وكندا، وهو الذي شكل أحد العوامل التي ساهمت في تفاقم الوضع الصحي بالمغرب، والتي تطرح أكثر من علامة الاستفهام أمام الوزارة الوصية بالقطاع. لتحديد أسباب تدفق الهجرة الجماعية في صفوف الأطباء، وتعالت الأصوات بإعادة النظر في القطاع والإشكالات التي يطرحها، وانعكاسها على تردي الأوضاع الصحية، حيث تمظهرت على مستويات عدة، دفعت بالحق في الصحة إلى الواجهة، وجعلته مطلبا بارزا في الفضاء العمومي المغربي، سواء تعلق الأمر بالقطاع العام أو القطاع الخاص. 

وبالتالي لا يمكن عزل المقاطعة التي يقودها طلبة الطب للدروس النظرية والتطبيقية عن الأوضاع التي يعاني منها القطاع الصحي بالمغرب من جهة، وإعادة النظر في التغييرات البيداغوجية التي أحدثتها وزارة التعليم العالي والابتكار والتي شملت مختلف الكليات والجامعات سواء في التخصصات الأدبية أو العلمية، بما فيها كليات الطب من جهة ثانية. 

ففي ظل هذا السياق انبثقت احتجاجات طلبة كلية الطب والتي استمرت إلى درجة مقاطعة دامت أكثر من 6 أشهر ومازالت مستمرة، الدوافع التي أثرتها مجموعة من التراكمات التي يعاني منها طالب كلية الطب، والتي انفجرت بسبب التغييرات التي لحقت المدة الزمنية للتكوين التي شكل تقليصها من 7 سنوات إلى 6 سنوات، دافعا أساسيا وراء خوض الاحتجاجات ومقاطعة الدروس، والنضال من أجل إبقاء التكوين لمدة 7 سنوات، مع تحسين ظروف الدراسة ورفع ملف مطلبي يضم مجموعة من المطالب وهي جودة التكوين، حصر عدد الوافدين بسبب الاكتظاظ، توفير المعدات الصحية، والرفع من البنيات التحتية الاستشفائية، وتحسين التعويضات الصحية.  

إن النظر في الملف المطلبي الذي رفعه طلبة الطب، والمدة الزمنية التي استغرقتها احتجاجاتهم ومقاطعتهم للدروس النظرية والتطبيقية يشير إلى الحوافز والدوافع الأداتية التي أدت إلى صمود الطلبة واستمرارهم في الاحتجاج كل المدة، دون الخوف من الوقوع في سنة بيضاء، وهدر الأجل الدراسي، يعتبر كمؤشر أساسي على أن هنالك مجموعة من الحوافز التي يمكن تفسيرها في ضوء تحليل أولسون والنظر من خلال مبدأ "الربح والخسارة"، أي ما الذي سيخسره الطلبة إذا قبلوا بالتغييرات التي لحقت بالتكوين البيداغوجي؟ وما الذي سيربحون إذا ما تم سحب هذا التغيير وإبقاء مدة التكوين على ما عليه (7 سنوات). وفي المقابل، ما الفائدة لدى الوزارة الوصية من تقليص مدة التكوين بسنة دراسية كاملة. 

وفي السياق نفسه، حظيت هذه الاحتجاجات بتعاطف أولياء أمور الطلبة، ومشاركتهم في الوقفات الاحتجاجية التي نظمها الطلبة، ورفع شعارات تدعو إلى إعادة الاعتبار للطب بالمغرب، وهنا تطرح مسألة الخوف الذي ينتاب الآباء من المستقبل المهني لأبنائهم، والذي يعمل كحافز أساسي لمساندة احتجاجاتهم. 

وعليه، فإن العقلانية حاضرة بقوة في فهم هوية هذه الاحتجاجات، والسبب الرئيسي من ورائها التي شكل حافز الخوف من الخسارة التي سيلحقها التكوين البيداغوجي بطلبة كلية الطب مستقبلا أهمها، إضافة إلى تفكيرهم في تحصين مستقبلهم المهني، وجعله ينافس ويضاهي في نفس الوقت "بروفايلات" خريجي كليات الطب في الجامعات العالمية، دون المساس بما يمكنه أن يضفي عقدة النقص لديهم في التكوين النظري والبيداغوجي، وهو ما يجعل طموحاتهم لا ترقى إلى تجاوز الحدود الجغرافية. وبالعودة إلى تصريحات المحتجين من الطلبة نجد أنها تحمل في عمقها منطق الربح والخسارة من وراء التغييرات التي لحقت التكوين البيداغوجي، والتي يرونها أيضا ستلحق أثارا سلبية على صحة المواطن. إن من بين أهم التعابير التي تداولها الطلبة بشكل مثير هي على سبيل المثال: "قيمة الدبلوم ديالنا"، "بغينا صحة المواطن تكون مزيانة"، " نحن محكورين"، "بغينا فتح الحوار مع الوزارة"، "حنا مطالبنا مشروعة"، "خرجنا من أجل تحقيق مطالبنا حتى واحد ممحرضناش". 

وبالتالي يتضح بشكل جلي توفر الحوافز والدوافع وراء هذه الاحتجاجات، والتي يمكن تفسيرها بتوظيف نظرية الاختيار العقلاني التي تتمظهر في الأسباب الكامنة وراء هذه الاحتجاجات، ويعتبر منطق الربح والخسارة أهم الأسباب التي دفعت الطلبة للانضمام إلى هذه الاحتجاجات والاستمرار في مقاطعة الدروس النظرية والتطبيقية، بهدف تحقيق مطالبهم ومساعيهم. 

وبناء على ما سبق، تبرز هذه الاحتجاجات أن القرارات الوزارية المعتمدة في تغيير الملف البيداغوجي في كليات الطب، لم يعتمد على الديمقراطية التشاركية، ولم يأخذ بعين الاعتبار متطلبات الطالب كفاعل أساسي في منظومة كليات الطب، وعدم مراعاة توجهاته وما يوافق تصوراته وتوقعاته المهنية الاستشرافية، كما أبانت أيضا هذه الاحتجاجات عن أزمة الوساطة بالمغرب، وذلك في ظل غياب دور الأحزاب السياسية والهيئات المدنية والحقوقية في احتواء هذه الاحتجاجات، والتوصل إلى حلقة توافق بين الوزارتين المعنيتين وطلبة كليات الطب. 

وفي الأخير يمكن القول أن الأزمة التي يعيشها طلبة كليات الطب والاستمرار في المقاطعة، يشير إلى غياب أليات الحوار والوساطة، وطغيان منطق البيروقراطية في وضع سياسات استراتيجية وقرارات تتخذ من الأعلى إلى الأسفل، دون تهييئ أرضية تناسب تطبيقها. 
 
 
حسناء بيشرادن، باحثة في الحركات الاجتماعية