الاثنين 22 إبريل 2024
كتاب الرأي

تدمري عبد الوهاب: القضية الفلسطينية ومؤشرات تكرار تراجيديا نكبة 1948

تدمري عبد الوهاب: القضية الفلسطينية ومؤشرات تكرار تراجيديا نكبة 1948 تدمري عبد الوهاب
في مقال سابق نشرته في 2 فبراير من الشهر الجاري قلت إن ما يطرح من مبادرات، سواء لوقف العدوان الاسرائيلي على غزة تمهيدا لايجاد حل سياسي للصراع، الذي أخذ بعدا دراماتيكيا من خلال ما نشهده من إبادة جماعية وتجويع المدنيين الفلسطينيين وهدم للبنى التحتية، لا تملك حظوظا للنجاح، وأن مبادرة باريس وغيرها  ليست إلا غطاء دبلوماسيا تسعى من خلاله أمريكا والدول الداعمة لإسرائيل إلى ربح الوقت، وإعطاء هذه الأخيرة الفرص لتحقيق أهدافها الغير المعلنة من الحرب التي غالبا ما يتم تبريرها برغبة الكيان في تصفية قادة حماس المصنفة " إرهابية "  من طرف الغرب و بعض الدول العربية، أو بتحرير الأسرى الإسرائيليين لدى فصائل المقاومة، علما أن العارف بخبايا حرب العصابات والشوارع والأنفاق وبالطبيعة البشرية والجغرافية لقطاع غزة، الذي يحتضن حوالي  2.5 مليون نسمة في مساحة جغرافية ضيقة، يستنتج منذ الوهلة الأولى استحالة تحقيق هذه الأهداف، وأن ما يتم  الترويج له من أهداف معلنة من طرف الكيان وداعميه، وكذا ما يتم تداوله من طرف الإعلام المساند للقضية الفلسطينية كفشل عسكري للكيان الاسرائيلي، يحجب خلفه أهدافا إستراتيجية أكثر أهمية، تجعل إمكانية التضحية بمعتقليه والمئات جنوده مسالة واردة جدا، لأن الكيان أولا يصنف  كل الفصائل إرهابية بحسب أولويات كل مرحلة ، كما فعل سابقا مع منظمة فتح والجبهة الشعبية وغيرها، وثانيا لأن الإبقاء على وضع الأسرى الإسرائيليين "كمختطفين " لدى الفصائل  يبقيه في وضعية الدولة التي تسعى إلى تحرير مواطنيها دون الرضوخ لشروط " الإرهابيين "، علما أنه لن يدخر جهدا في تصفيتهم خدمة لأهدافه الاستراتيجية التي يتستر عليها، رغم أنها  تخرج على  شكل فلتات لسان لدى المسؤولين الإسرائيليين، وذلك  لما قد تثيره من ردة فعل غاضبة لدى الأصدقاء الغربيين الذين، رغم علمهم بالنوايا، إلا أنهم غير مستعدين للتصريح العلني بها لما قد تشكله من إحراج أمام شعوبهم المطالبة بوقف هذه الحرب الدموية في حق المدنيين الفلسطينيين.
 
ما هي إذن الأهداف الغير المعلنة في الاستراتيجية العسكرية والسياسية للكيان الإسرائيلي؟، ولماذا وصلت جميع المبادرات لوقف إطلاق النار الطريق المسدود؟ ، وما مدى صحة الرهان على سقوط حكومة نتانياهو، واعتبار ذلك انتصارا للمقاومة وللحل السياسي للصراع على قاعدة قرار  242؟.

إن أي رهان على الصراع الداخلي للكيان باعتباره عنصرا يمكن البناء عليه من أجل الدفع في اتجاه إحقاق عملية سلام دائمة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يعد في نظري رهانا خاطئا، بحكم أن بنية  النظام السياسي للكيان قائمة على إلغاء حق الشعب الفلسطيني في الوجو، باعتبار أرض فلسطين هي أرض الميعاد للشعب اليهودي، ولا حق  لغيره في الوجود على هذه الأرض. كما أن  استمرار التوسع والحروب في فلسطين والمنطقة  يعد بالنسبة لهذه النخب ضمانة لاستمرار وحدة الشعب الإسرائيلي الذي يجب أن يبقى رهينا لنظرية المؤامرة والتهديد الخارجي الذي يمثله الشعب الفلسطيني . وهذه الرؤيا تتقاسمها كل النخب السياسية الإسرائيلية رغم ما قد يبدو من اختلافات داخلية في تدبير هذه الحرب التي يشنها الكيان، والتي تتجلى في التقدير المختلف للأولويات مع الاتفاق  في الأهداف الاستراتيجية، المتمثلة في إعدام اي مقترح سلمي للحل يفضي لقيام الدولة الفلسطينية . فلا مجال  إذن للرهان على الصراعات السياسية في الداخل الإسرائيلي أو على أزمة حكومة نتانياهو وتسويقها على أنها انتصار للقضية الفلسطينية، أو كونها ستساهم في إيجاد حل سلمي للقضية في حال سقوط هذه الحكومة. كما  أن هذه الأهداف الاستراتيجية المعلنة منها والغير المعلنة المتفق عليها ضمنيا من طرف الدول الغربية الداعمة لها، لا تنسجم وما يطرح من مبادرات للهدنة المؤقتة التي قد تؤدي إلى وقف دائم للحرب والتحرير المتبادل للأسرى وإعادة الإعمار والانسحاب الى خارج غلاف غزة . ولا يهمهم من يحكم الضفة أو غزة لأن الفصائل المقاومة عندهم كلها ارهابية.
 
وبالتالى فالاختلاف الوحيد لدى هذه النخب هو مسألة الأسرى التي أصبحت توظف بشكل كبير في الصراع السياسي الداخلي، بين من يرى في التفاوض حول هذا الموضوع رضوخا "للإرهاب" حسب وصفهم، وبين من يرى ضرورة وقف إطلاق النار مؤقتا للتفاوض بشكل غير مباشر من أجل تحريرهم، علما أنهم متفقون على ضرورة استمرار الحرب على القطاع حتى تحقيق غاياتهم الغير المعلنة والمتمثلة في:
- الاستمرار في حرب الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني بقتل وجرح أكبر عدد ممكن من المدنيين، وهو ما نستشفه من خلال المنحنى التصاعدي لأعداد القتلى والجرحى والمفقودين دون ذكر المعتقلين وذلك منذ طوفان الأقصى والذين تجاوز عددهم المئة الف، أي ما يشكل أكثر من 5% من سكان القطاع، مع تحويل حياة الباقين إلى جحيم  يتهددهم الموت في كل لحظة، إما بنيران ٱلة الحرب الإسرائيلية أو جوعا أو مرضا كنتيجة حتمية للحصار المطبق عليهم . كل ذلك بهدف خلق حالة من الإحباط واليأس لدى الشعب الفلسطيني داخل القطاع والتأثير سلبا على الحاضنة الشعبية للمقاومة.
- تدمير كل البنى التحتية بما فيها المساكن والمستشفيات ووحدات الإنتاج والمدارس ودور العبادة حتى يتحول القطاع إلى مكان غير قابل للعيش والحياة.
- التهجير الجماعي للفلسطينيين عبر مرحلتين .
- المرحلة الأولى: بخلق حالة من النزوح الداخلي  للفلسطينيين في اتجاه  رفح   عبر العمليات العسكرية العنيفة في شمال ووسط غزة، وهو ما نجحت فيه نسبيا حين دفعت بأكثر من مليون ونصف فلسطيني إلى الحدود مع سيناء للعيش في ظروف غير إنسانية.
 
- المرحلة الثانية: بدأت تستعد لها وتهيئء  الرأي العام الغربي لتقبلها، والمتمثلة في اجتياح رفح بدعوى محاربة حماس وقياداتها الذين لجؤوا إليها، وذلك بعد أن سربت فيديوهات لما تزعم أنها ليحيى السنوار ولعائلته وهم يتنقلون داخل أنفاق المقاطعة، وتحرير ما تعتبرهم "رهائن" لدى المقاومة بعد أن سربت فيديوهات لتحرير أسيرين من أحد منازل رفح. 
هذا الاجتياح الذي  يحظى ضمنيا بموافقة بايدن الذي ربط موافقته بتوفير الكيان الممرات الإنسانية للمدنيين الفلسطينيين، وذلك خلال الندوة الصحفية الأخيرة التي عقدها مع ملك الأردن. قد نجح إلى حد ما في تحويل التهجير الجماعي خارج القطاع  إلى أمر واقع، خاصة إلى دول الجوار، وأن شريحة واسعة من الفلسطينيين  كان لها استعداد مسبق للهجرة /الهروب من الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي يعانون منها نتيجة الحصار المفروض عليهم منذ سنوات.
 
ما لا يجب أن يغيب عن الأذهان هنا أن الخطط الإسرائيلية بغض النظر عن من يقود الحكومة ماضية في التحقق، وما سربته بعض وسائل الإعلام اليوم حول اقتحام معبر رفح ودخول آلاف الفلسطينيين المتضررين جوعا واستيلائهم على بعض شاحنات الإغاثة الواقفة على الجانب المصري، إلا مؤشرات دالة على نفاذ صبر الفلسطينيين. كما أن ما نشرته  وول ستريت جورنال حول قيام مصر ببناء منطقة عازلة في سيناء  بطول 12 كلم على الحدود مع رفح استعدادا للأسوأ إذا ما قرر جيش الكيان اجتياح المنطقة الجنوبية تعزز هذه الفرضية، هذا بالإضافة إلى ما لم يسرب من اللقاء  العاجل في البيت الأبيض بين العاهل الأردني والرئيس الأمريكي بايدن في هذا الشأن، أو من لقاءات سرية أخرى مع قادة عرب ٱخرين.
 
لهذا فان المغزى من رفض الكيان الاسرائيلي قبول أي هدنة دائمة أو إعادة الإعمار ورفع الحصار، هو خلق كل الشروط للقبول بالتهجير القسري/"الطوعي" للفلسطينيين، غير آبه بعملية إطلاق أسراه أو بمقتلهم، أو بقرارات محكمة العدل الدولية الخجولة والمنحازة، وآخرها القرار البئيس الذي أصدرته محكمة العدل الدولية حول الدعوى الاستعجالية التي وضعتها جنوب إفريقيا في شأن استعداد الكيان لاجتياح رفح، والذي يعد تأشيرة مرور لاستكمال هذه المهمة القذرة التي تسعى من خلالها إسرائيل إلى إعادة التوازن الديموغرافي لصالحها على أرض فلسطين  بعد أن اختل لصالح الفلسطينيين ب 7.3 مليون مقابل 7.2 مليون من الإسرائيليين حسب احصائيات 2023.             
في المحصلة النهائية يمكن القول إن استمرار الكيان في حربه الدموية ضد الفلسطينيين، ورفضه لكل المبادرات الإنسانية لوقف الحرب، في غياب أي قرارات أممية ردعية للاحتلال أو متابعات جنائية لقياداته، تظهر بشكل جلي أن الهدف الغير المعلن والمتوافق عليه مع القوى الداعمة له، هو تغيير التوازن الديموغرافي لصالحه على أرض فلسطين، وذلك عبر اللجوء إلى الإبادة الجماعية والتجويع والتهجير القسري لمئات الآلاف من الفلسطينيين والدفع بمن تبقى منهم إلى الانشغال في كيفية البقاء على قيد الحياة بدل مقاومة الاحتلال، عكس ما تدعيه إسرائيل علنا برغبتها في اجتثاث حماس وتحرير أسراه المتواجدين في قبضة فصائل المقاومة.
 
الكيان يريد إعادة تراجيديا نكبة 1948 بشكل أكثر دموية وذلك حين تم قتل حوالي  15 الف و تهجير ما يناهز مليون فلسطيني.
 
إن الحديث عن أي حل عادل للقضية الفلسطينية يبدو بعيد المنال في ظل النظام الدولي الحالي المنحاز للكيان الاسرائيلي، وعلى فصائل الفلسطينية  العمل،  في ظل هذه المرحلة المختلة الموازين، من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من المقاومة وفق برنامج وطني موحد في إطار منظمة التحرير تقوده السلطة المعترف بها دوليا، مع تحديد سقف زمني لإجراء انتخابات  فلسطينية، وذلك في انتظار تغيير موازين القوى العالمية والاقليمية التي بدأت تلوح إرهاصاتها في الأفق.