الاثنين 24 يونيو 2024
كتاب الرأي

عبدالحميد العدّاسي: عُجّزٌ وعجائزُ!

 
 
عبدالحميد العدّاسي: عُجّزٌ وعجائزُ! عبدالحميد العدّاسي
كنتُ بالشّارع لمّا لفت انتباهي تعاملُ شرقِيّةٍ.. من أدنى الشّرق، مع دنماركيّ بَدَا أنّه زوجُها! ألجأتني حالُه إلى ترديد الدّعاء الذي تقتضي السّنّة والأدب الإسرار به: (الحمد لله الذي عافانا ممّا ابتلاك به وفضّلنا على كثير ممّن خلق تفضيلا) ...
حرّك المشهدُ داخلي قضيّةً قد يبدو ظاهرُها إنسانيّا، وإنّها لتنطوي على كثيرٍ من التّعقيدات وحتّى الإكراهات!
موضوع حسّاس ذلك الذي خطر ببالي.. شديدُ الحساسيّة.. وهو عرضةٌ لتسرّب بعض الطّفيليّات واستعماله عنوان بطولة يدافعون بها عن شريحة في المجتمع وجبت العناية بها والتّعامل معها برفق كما يقتضيه الدّعاء المذكور الذي صدّرتُ به الكلام أعلاه، غير أنّ التّوقّف معه جدير بالأهميّة؛ ذلك أنّ كثيرا من شباب الأمّة الذيــــن أنزلتهم الحاجةُ والظّلمُ منازلَ الحرج يلجؤون إلى التّعامل مع فقه "الضّرورات تبيح المحظورات"، فيتزوّجون في بعض الأحيان، مضطرّين، نساءً في أعمار أمّهاتِهم، جريا مرهقا وراء الحصول على أوراق تُثبتُ وجودهم في دنيا نكُرَ فيها وجودُهم واستغلق! أوراق مُهينة ظنّوا أنّهم يحوزون بها كرامةًأو يتمكّنون بواسطتها من تعامل مع الآخر يضمن لهم مناعة تجعلهم بِنَأيٍ عن سطوة حكّامِهم الظَّلمة وزبانيةِ حكّامِهم الوصوليّين، ممّن لا يرون مواطنيهم إلّا بما أنفقت عليهم أياديهم... 
زواج قد يخلّف كثيرا من الضّيم والحرمان وعدم الشّعور بالارتياح رغم ما يتبعه غالبا من تأسيس الوضعيّات والحصول على الأوراق والإثباتات!
ليس هيّنا أن تقايض الذّوق بما يفسدُه، أو تقايض الانعتاق من الظّلم بقتل الذّوق فيك، أو تُنزل فيك الاقتناع بمعيّة القُنُوع المذلّ!
وإنّه لمن العسير بل من المحزن أن يجافي المرء الذّوق حتّى يفقد فنّ التّعامل مع الأحاسيس، حتّى ليصل ذلك بالبعض إلى قتل نطفهم في أصلابهم!
كنت أحسب أنّ هذه الضّائقة الملجئة إلى تجاهل الذّوق خاصّة بالشّبّان الطّموحين إلى الانعتاق من الظّلم دون غيرهم، فلمّا نزلتُ بلاد اللّجوء لاحظت أنّ الأمر لا ينحصر فيهم وإنّما يتعدّاهم الى الشّابّات، فكثير ممّن أتيْن من البلاد المنكوبة في آسيا وأفريقيا يتزوّجن رجالا في عمر آبائهنّ أو ممّن أقعدهم الحظّ فلم يتزوّجوا من بنات بلدهم رغبة منهنّ عنهم واستخفافا بمؤهّلاتهم، فيعيش أغلبهنّ زوجات برتبة خادمات، في حين تتمكّن قلّة منهنّ من القياد فـ"يبدعن" في فنّ الدّنوّ في مدارج الدّنيا!
ولمّا كان الحديث عن العُجّز والعجائز وعن المصاعب والإكراهات التي تُلجئ المرء إلى سلوك الطّريق الوعرة غير العادية، فإنّ العجب لا ينقطع أمام حالة الفرنسيّ إيمانويل ماكرون؛ فإنّه في بلده ومن أعيانها وميسوري الحال فيها وأحدُ رؤسائها، ومن فتيانها المنعّمين، غير أنّه تزوّج – وأعتذر - من عجوز قد لا تُحسن إلّا إتمام تربيته التي قصّر والداه فيها! ثمّ يزداد التّساؤل إلحاحا وتدقيقا: لِمَ فعل ذلك وهو قادر على تخيّر أحسن منها واجتناب نظرات النّاس إليه وتعليقاتهم في دنيا أُطلِقتْ أعيُنُ النّاس وألسنتُهم فيها، فلا يلقى المتسائِل ما يقنعه من الأجوبة إلّا أن يضع افتراضًا يهوّن من وقع الاستثناء، يقول: إنّما ساء اختياره تماشيا وانسجاما مع سوء باطنه وبشاعة طويّته، فإنّ الفرنسيّات السّويّات الجميلات صاحبات الذّوق قد رصدن فيه كما يبدو انعدام جودته وفساد مواصفاته، فرفضنه وفرضن عليه عزلة لم يستطع كسرها إلّا بكسر خاطره ولجوئه إلى العجوز التي ربّما "رغبت" فيه تحصيلا لشيء لا يتحقّق عندها إلّا به!.. افتراض قد يُواجَه بما حصد المتحدَّث عنه من نتائج في الانتخابات الفرنسيّة، فقد حصل مرّتين على ثقة الفرنسيّين ليقودهم في بحر السّياسة المتلاطم بـ"نجاح" استحسنوه، بوّأه اعتلاء قمّة المناصب... وهي مواجهة قد لا تصمد، إذا ما علمنا أنّ عناصر التّأهيل للمنصب العليّ ليست كلّها منطقيّة، وأنّه يختلط فيها الواقعيّ بالذّاتيّ. فالمحافظة على كبرياء العنصر الفرنسيّ وعلوّه المزعوم وفخره المستند على ما ينمّي الخجل، عنصر مهمّ يحكّمه الفرنسيّون قبل غيره في اختيار مَن يحكمهم. وهو ما نجح فيه إيمانويل بمقادير كبيرة حتّى قبّل كتفيه بعضُ منكّسي الرّؤوس والرّايات، أمثال قيس سعيّد رئيس تونس الأذلّ، ممّن أعلنوا خاضعين لصحافيّيه عدم استعدادهم لإحراجه بالمطالبة بجبر أضرار احتلال استمرّ حتّى يوم النّاس هذا باستغلال الثّروات ومراقبة الخطوات ولزوم المسار المرسوم رغم ما فيه من النّكبات! ثمّ إنّ إيمانويل ماكرون لا يختلف عن غريمته مارين لوبان إلّا في طريقة التّنزيل والأداء، فقد اختارت هي الوضوح في المعاداة لكلّ وافد أشخاصا وثقافة وديانة، فكان وضوحُها مخفِّفا من خطرها، في حين اختار هو الاستتار بأستار الدّبلوماسيّة و"فنّ الممكن"، فكان أكثر منها خُبثا وأحطّ منها سلوكًا حتّى أجلسه بوتين مجرم الشّرق في طرف طاولة تباعدت أطرافها وتنافرت فاستوجب التّواصل حولها استعمال الإشارة. والفرنسيّون وهم يفضّلون "الاستتار"، يختارون من يستبسل مثله في الدّفاع عن فرنسا ضدّ خصومها ولا يكترث لشُعوبٍ تريد الانعتاق واسترجاع حقوقها، كما اختاروه - وهو سبب مهمّ ووازن - لعدم خروجه عن طاعة الكيان المحتلّ لفلسطين، فإنّ الكيان عندهم حارسُ ثأرِ ملِكِهم فيليب أغسطس الذي طُرد جيشُه الصّليبيُّ من طرف القائد الأيّوبيّ المسلم صلاح الدّين، الذي مازال ذكرُه يؤرّقهم ويُذهب فخرهم واستعلاءهم، وإنّ مؤازرة الكيان الصّهيونيّ عندهم واجب صليبيّ مقدّس لا تؤثّر فيه النّداءات الإنسانيّة أو الحقوقيّة المذكّرة بوعد بلفور - سليل رتشارد الأوّل الملقّب بـ"قلب الأسد" - وبجريمتِه التي لن تجبرها إقامةٌ تتهدّدها التّقلّبات الاجتماعيّة أو العالميّة تُوزّع على اللّاجئين، ولا أوراقٌ ثبوتيّة يتقوّى بها على الوجود ضحايا حكّام العرب المتخلّفين، ولا لجوء سياسيّ مذلّ يشترط على الحاصلين عليه التّأقلم مع الوجود!..