الجمعة 1 مارس 2024
سياسة

بدون لغة خشب.. عبد القادر الشاوي يشخص إخفاقات بوريطة في تدبير الدبلوماسية المغربية (مع فيديو)

بدون لغة خشب.. عبد القادر الشاوي يشخص إخفاقات بوريطة في تدبير الدبلوماسية المغربية (مع فيديو) عبد القادر الشاوي، الكاتب والسفير السابق للمغرب
انتقد عبد القادر الشاوي، الكاتب والسفير السابق للمغرب، عمل الدبلوماسية الرسمية بخصوص القضية الوطنية، مشددا على أن العمل الديبلوماسي المغربي، لم يوفق لحد الآن بناء على ما ذكرته من الإقناع بصحة الأطروحة المغربية بالأسلوب الملائم. 

وفي مداخلة قوية له تحت عنوان:" الصحراء المغربية وتطور مواقف دول أمريكا اللاتينية"، خلال اليوم الدراسي الذي نظمه الفريق الاتحادي بمجلس النواب، يوم الخميس 19 يناير 2023 حول:" تطورات القضية الوطنية وجهود الديبلوماسية الموازية: المكتسبات ومتطلبات الترصيد"، شرّح السفير الشاوي عمل الدبلوماسية المغربية الرسمية، وعدد نقط ضعفها، نواقصها، مشددا أن تجربته الشخصية، وباطلاعه الفكري والسياسي، تأكد على أن الديبلوماسية المغربية الرسمية، لا تقوم على أي أساس نظري،تحليلي،يرسم خططها وتصوراتها، ومصالحها الوطنية، وأهدافها القريبة والبعيدة .. 

جريدة "أنفاس بريس" تنشر مداخلة عبد القادر الشاوي كاملة:

 
"هذا الموضوع شائك ( يقصد موضوع اللقاء المنظم من طرف الفريق الاتحادي- المحررة)، ومعقد، ولكنه متغير أيضا، بل متغير باستمرار، وأشعر في الواقع بنوع من الإحراج لأنني لن أتناول مطلقا الجوانب الإيجابية المتعلقة بهذا الموضوع، ولعلي سأكون على النقيض نسبيا مما ذكر منها وهو كثير، على لسان الأستاذين الذين تناولا الكلمة قبلي: محمد تاج الدين الحسيني، وسعيد خمري.

يمكن أن أقول في مستهل كلامي عن الموضوع أن تجربة الديبلوماسية المغربية في التاريخ، وفي التجربة الواقعية لعملها، وتصوراتها، ومقولاتها على الصعيد الدولي يحتاج إلى بحث طويل، وقيل فيه الكثير، ويبدو في تناقضه، وتعدده، مما يصعب حصره في عجالة، غير أن المثير فيه، هو أن الجهة المكلفة بهذه الدبلوماسية لم تنجز فيما يهم تخصصها، ولا تطوراتها، وأسلوبها، وخطاباتها، ما قد يفيد شيئا كثيرا، أو قليلا، وهو إن وجد لا يؤخذ به، فهو لا يتضمن شيئا قد يفيد الدارس فيما قد يكون لها من توجه على الصعيد الثنائي، والإقليمي، أو الدولي، إلا في حالات نادرة لعلها كانت منذ بداية استقلال المغرب من مبادرات من تولوا عرشه، أو كانت لهم مسؤولية سياسية مباشرة في مواقع القرار، وهو ما جعل باحثا مختصا في مجال الديبلوماسية، وقد قرأت له باستغراب حيث قال:"إن المبادئ الأساسية للدبلوماسية المغربية استمدت روحها من توابث مشتركة أرست أسسها الدول المتعاقبة على حكم المغرب، وكانت مستمدة من القيم العليا للدين الإسلامي الحنيف، ومن طبيعة الشخصية المغربية، وبعض هذه المبادئ أعلنها محمد الخامس لتحكم ديبلوماسية ما بعد الاستقلال، وتعززت آنذلك في عهد الراحل الحسن الثاني إلى يومنا هذا، مع الملك محمد السادس".

بدون تعليق. وسأكتفي بالإشارة إلى حكم عام، مفاده أن الديبلوماسية المغربية فيما يبدو لي وأنا أمزج في هذا الحكم، بين تجربتي الشخصية، والاطلاع الفكري والسياسي، أن الديبلوماسية المغربية الرسمية، لا تقوم في رأيي الشخصي على أي أساس نظري، تحليلي، يرسم خططها، وتصوراتها، ومصالحها الوطنية، وأهدافها القريبة، والبعيدة، وإنما هي تصور أو موقف طابعه الظرفية والاستثناء، يتبلور في كل مرحلة، وفي بعض الأحيان طوال مراحل، حسب الإدراك البرغماتي الذي يتطلبه العمل الديبلوماسي في مناطق التواجد التمثيلي، وأساسا في علاقة بالمحاور السياسية ذات المنزوع الهيمني والتحالفات الظرفية، التي تمليها بعض الاستراتيجيات المتصارعة على الصعيد العالمي، وقد كانت كذلك أثناء الحرب الباردة، تم تطورت بعد ذلك وخصوصا ابتداء من السبعينيات في علاقة بقضية الصحراء، وانتهت إلى أن أصبحت إلى حد ما ذات طابع هجومي، يرمي إلى اقتحام بعض مناطق النفوذ، التي يحتلها خصوم قضية من القضايا التي يدافع عنها المغرب. ولذلك تجد الخط العام الذي التزمت به هذه الديبلوماسية هي الوقوف إلى جانب القوى ذات النفوذ العالمي الغربي، والمصالح الاستراتيجية لتلك الدول في الصراع الدولي، حيث كان هذا الصراع الدولي ينعكس على المغرب من آثار جانبية، أو فعلية. 
 
شخصيا، أفهم هذا الخط، من خلال منطلقاته، إن كان ما سوف أشير إليه يمكن اعتباره منطلقات جدية لخط ما، ومن أولى المنطلقات التي ترسخت عبر السنوات، فأصبحت بالنسبة للدبلوماسية المغربية مسلمات "بديهية" في العمل والتمثيل، نجد في مقدمة التشخيص بصفة عامة ستة ظواهر مترابطة، سأعرضها بدون ترتيب تتمثل أولا في نوع من الصلد السياسي، والهيمنة الإدارية البيروقراطية المركزية التابعة للوزارة المعنية، ثم أولوية الاعتبارات الشخصية أحيانا على السياسية أو الاقتصادية، أو الثقافية.

وأخيرا الطبيعة المحورية في ارتباط بنوع من النقصان المهني. باختصار شديد المغرب لم تكن فيه مؤسسات ديبلوماسية خارج أكاديميات الديبلوماسية إلا منذ فترة وجيزة، أظن منذ حوالي 15 سنة ومعظم الدبلوماسيين المغاربة تخرجوا من المدرسة الإدارية، أو من الأحزاب السياسية التي كانت تقترحهم، أو تنتدبهم للعمل الدبلوماسي باقتراح من الملك، أو الوزارة نفسها. 

المهنية لم تكن دائما عنصرا أساسيا في الأداء الدبلوماسي المغربي في أكثر من منطقة، وأكبر دليل على ذلك، أن السفير المغربي في باريس بقي في منصبه مدة طويلة من الزمن، وأداؤه الدبلوماسي غير معروف تماما، والمرحوم السمار بقي في منصبه كسفير لدولة السعودية أزيد من 13 سنة حتى توفي هناك، ولم يكن لعمله، ولأدواره وطريقة اشتغاله أي أثر، لأن العلاقة كانت ذات طبيعة، ومستويات أخرى، تتم أفقيا بين المؤسسات الملكية أو غيرها.

طبيعة الدبلوماسية في علاقة بقضية الصحراء، في دول أمريكا اللاتينية منطلقا في ذلك كله من تجربة شخصية ترتبط بالموضوع، في إطار وزارة الخارجية كذلك قاربت العشرين سنة.
وسوف أوجز ذلك في ملاحظتين وخلاصة: 
الملاحظة الأولى، فيها تأكيد مبدئي على أن التمثيل الديبلوماسي بين المغرب وبعض دول أمريكا اللاتينية، لا يعود في أغلبه إلا إلى الفترة الموالية للاستقلال حصرا، وبصورة خاصة، إلى السنوات الست الأولى، تلك التي انتهت بإعلان حالة الاستثناء بالبلاد. وكان من الواضح أن الاعتراف المتبادل على ضوء السيادة الوطنية هو القاعدة، أي بدون أن يكون ذلك مصحوبا بتبادل السفراء، كان هناك اعتراف، لكنه لم يكن مقرونا بتبادل السفراء مع دول أمريكا اللاتينية، وكأمثلة: 

أول سفير مغربي في دولة الشيلي لم يستقر بتلك البلد إلا في أواخر التسعينيات تقريبا. وفي المكسيك، قبل ذلك بست سنوات ولم يتمكن السفير المغربي من ممارسة مهامه في غواتيمالا إلا منذ أربع سنوات. وربما تعتبر العلاقة الأهم من الناحية التاريخية هي التي قامت بين المغرب والأرجنتين عام 1960.
 
وجدير بالاشارة أن الدبلوماسية المغربية لا تغطي جميع بلدان أمريكا اللاتينية إلا بالوكالة عن طريق السفارات الموجودة في البلدان ذات العلاقة التمثيلية المتبادلة. ومن تلك التمثيليات، من يغطي أزيد من ثلاث  دول، فلا يكون الحضور المغربي فيها إلا استثنائيا. وفي تقديري الشخصي، أن هناك دول لا تشملها أية تغطية في الوقت الحالي، مثل الأورغواي وفينزويلا، والإكوادور..، ويعود ذلك في الأغلب إلى موقف تلك الدول من القضية الصحراوية مع وجود دولة على الأقل لها علاقة دبلوماسية واقتصادية أيضا مهمة مع المغرب رغم أنها تعترف بما يسمى بـ"الجمهورية الصحراوية"، ويتعلق الأمر بدولة الميكسيك منذ 1983.

والشاهد عندي أن التمثيل الديبلوماسي في المغرب حيث ما وجد هو أمر حديث، ومتأخر، وليس من الضروري أن نتساءل بعد ذلك عن الأوضاع الملموسة القائمة في تلك التمثيليات من ناحية السياسية، والاجتماعية، والمالية، وطبيعة العاملين فيها، والميزانيات العامة المخصصة لتدبير وتسيير العمل فيها، والتي تحكم أوضاعها، وأعمالها، والأهداف التي قد تكون منوطة بها، وما ذلك إلا لأن ذكر هذا الجانب من نشاط الدبلوماسي العام يثير الكثير من التساؤلات المرتبطة بالجدوى، وبكيفية صرف المال العمومي، فضلا عن السلوك الدبلوماسي نفسه للقائمين على ذلك كله. وهو بطبيعة الحال ما يؤثر تأثيرا واضحا في العمل الدبلوماسي، وأساسا في المردودية المتوخاة منه.
 
ويعني هذا وجود فراغ كبير لا يملأه في بعض الأحيان أي حضور، ومتى ما وجد هذا الحضور، فإنه محكوم على الدوام بالكثير من الظواهر التي تحد من عمله. وعلى سبيل المثال الجمود الذي في معناه أن الإدارة المركزية، هي التي ترسم، وتوجه وتأمر في كل ما رصده التحرك الدبلوماسي المفروض أن تجد الطرق المناسبة على ضوء التطورات الخاصة ببلد إقامة التمثيل الدبلوماسي، لا بالأوامر الإدارية الجاهلة في معظم الأحيان. ويصبح ذلك قيدا من القيود الرهيبة التي تحد من طبيعة العمل الدبلوماسي، علما أن الوجود الدبلوماسي في كثير من دول أمريكا اللاتينية ليس في الحقيقة إلا من أجل قضية الصحراء، دون استثناء.

الملاحظة الثانية، تتعلق بموقف بعض دول أمريكا اللاتينية في علاقة بالصحراء، وكذا بالأداء الديبلوماسي المغربي من ناحية أخرى. ويجب أن أؤكد أن المسافة الجغرافية قد لعبت دورا كبيرا فيما يمكن الاصطلاح عليه بالتجاهل التام الذي ساد بين المغرب، وكثير من الدول الدبلوماسية. يضاف إلى ذلك في إطار نفس المسافة الجغرافية، أن التواصل التاريخي، بين الجانبين، حديث تماما، لا يتعدى ستين سنة. أضف إلى ذلك ما يكتنف ذلك من تواصل في حال وجوده من غموض، وأفكار قبلية ومسبقة وضعف اهتمام لا يبالي بالمعطيات الحقيقية المتعلقة بمختلف مجالات الحياة الخاصة بالبلدان والشعوب والبنيات، والتوجهات وطبيعة الأنظمة، والتحولات السياسية، والاجتماعية التي تمت في مختلف الحقب التي مرت بها البلدان قديما وحديثا، ربما كانت النتيجة طبيعية. لكل ذلك، بقي المغرب قارة مجهولة، وفي أحسن الأحوال، يوصف بأنه بلد عربي، أو إسلامي متخلف. غالبا ما يقرن في وجوده بالقرون الوسطى، وهو شيئ غريب، سمعناه في المكسيك، الشيلي... وبطبيعة الحال على عكس ذلك كل من زار المغرب، وقام بالاطلاع على تاريخه من بعثات تلك الدول، اكتشفت شيئا مغايرا تماما، أثار اهتمامها، وقربها إلى الوجود المغربي.

ومن الجانب الآخر، لا أرى أن الدبلوماسية المغربية تتوفر، أو نادرا بصورة محكمة على المعطيات الحقيقية الخاصة ببلدان التمثيل الدبلوماسي كلا أو جزءا، رغم أن الدور الدبلوماسي في هذا المجال يفرض أن يكون التمثيل الدبلوماسي تتويجا للعلاقة الثنائية الحرة القائمة على المعرفة المتبادلة، وأن على القائمين بالتمثيل الدبلوماسي أن يكونوا على وعي تام بما سيخدم دورهم الدبلوماسي في بلد التمثيل. والواقع أن موقف كثير من الدول أمريكا اللاتينية بناء على هذا، مطبوع بالجهل التام، لما تعنيه القضية الوطنية للمغرب من ناحية، ولما تعنيه في إطار الصراع الدائر حولها في المحافل الدولية من ناحية ثانية، ولما يجب أن يكون عليه الموقف المعلن من الأطروحة المغربية، من ناحية ثالثة.

وتتضح الصورة أكثر إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الدور الذي لعبته الجزائر بدافع المنافسة الإقليمية منذ أن أدركت أن العمل الدبلوماسي المساند لحركة لبوليساريو له أهمية قصوى، ويتطلب إمكانيات مادية كبرى في الصراع مع المغرب، بجميع المبررات التي أوجبتها سياسة تلك الدولة، في اعتناق مبدأ تقرير المصير، وفي ربط المساندة والدعم التمويل غير المشروط لمفهوم الجمهورية الصحراوية في الدعاية، والإعلام. مما يثير الانتباه، في هذا السياق، أن معظم الدول اللاتينية جاءت حين يكون الاعتراف صريحا مطبوعة في كثير من الأحيان بالتردد، وعدم الحسم، وربما كانت فيها جوانب غامضة. بل والأخطر من ذلك أن تكون مبنية على نفس ما تبني عليه الدولة الجزائرية دعمها للبوليساريو حين تغدق على بعض الأنظمة ذات التوجه اليساري العام ما لا يحصى من أشكال الدعم، مع المساومة. هذا أيضا فضلا عن موسمية الاعتراف بالأطروحة المغربية. والمثال البارز على ذلك، أنه في السنة الماضية، دولة البيرو، وكولمبيا وربما الشيلي، الأمر الذي لا أتمناه أبدا، لأنها كانت الدولة الوحيدة من دول أمريكا اللاتينية التي اعترفت بالأطروحة المغربية اعترافا رسميا بناء على القانون الدولي، لأن الشيلي لم تعترف سواء تحت الحكم الاشتراكي أو اليميني بالجمهورية الصحراوية المزعومة، لأنه لا وجود لشعب، ولا للأسس الأربع التي تحدد الاعتراف بالسيادة في القانون الدولي.

وبناء عليه، يمكن الاستنتاج بأن العمل الديبلوماسي المغربي، لم يوفق لحد الآن بناء على ما ذكرته من الإقناع بصحة الأطروحة المغربية بالأسلوب الملائم الذي قد ينطلق من الإقناع السياسي، بالتجربة التاريخية لقضية الصحراء، في ارتباطها بالمغرب، وامتدادها في جغرافيته من جميع النواحي، والجوانب، بالإضافة إلى ما يرتبط بذلك من قضايا وموضوعات وسياسات واستراتيجيات، في مقابل ما تدعيه حركة البوليساريو وتساعدها دولة الجزائر في ذلك بالطرق المناسبة، وغير المناسبة، من ارتباط بقضية الصحراء، بقضية تصفية الاستعمار، أو بالتوسع المغربي. وهو ما يجد له في ساحة أمريكا اللاتينية بحكم المرحلة التاريخية التي اتسمت منذ التمانينيات في التجارب لبلدانها بعودة الديمقراطيات التي أسميها شخصيا بالدمقراطية التحكمية، وجدت لها آذانا صاغية، وأنصارا كثيرين وتربة مساعدة ودعم سياسي، غالبا ما يحرج الدبلوماسية المغربية، أو تجبرها على مزيد من الصمت، أو الوقوف العاجز أمام الادعاءات الحاطة أحيانا من القيمة الرمزية للبلد، ولشعبه. يضاف إلى ذلك أن الدبلوماسية المغربية خصوصا في أمريكا اللاتينية مازالت مقيدة بشعارات التحرر المدعى، وأن يضمن في نفس الوقت، لأطروحته المصداقية المطلوبة، بناء على تصور ديمقراطي، يفند مختلف التصورات البالية التي تتعبأ بها أطروحة الخصوم.