الأربعاء 7 ديسمبر 2022
سياسة

محمد الطيار: أصل الحكاية في موقف فرنسا من قضية الصحراء المغربية

محمد الطيار: أصل الحكاية في موقف فرنسا من قضية الصحراء المغربية محمد الطيار

الإعتراف الأمريكي والإسباني بسيادة المغرب على صحرائه، وتوالي فتح العديد من الدول لقنصلياتها بمدن العيون والداخلة، فضلا عن التطور السريع الذي عرفته الترسانة العسكرية المغربية، والإنتشار الواسع للشركات المغربية بإفريقيا وبعدد من الدول الأوروبية، والإنتصارات الدبلوماسية المتاتلية، وتوسع التنسيق والتعاون بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، كلها أمور من بين غيرها جعلت المغرب يخاطب الدول التي راهنت لعقود على ابتزازه في قضية وحدته الترابية، بخاطب أكثر ندية، ويشترط بشكل صريح الإمتناع عن أي شراكة تجارية أو اقتصادية بدون الخروج من الموقف الرمادي الذي طبع مواقف بعض الدول الأوربية خاصة الدول الاستعمارية السابقة منها. وقد شاهدنا كيف دخل المغرب في قطيعة مع المانيا ثم بعدها مع اسبانيا، وكيف انتهت هذه القطيعة بخروج هاتين الدولتين بمواقف جديدة من قضية الصحراء المغربية أكثر تقدما، و بعد أن تأكدت أن زمن الابتزاز قد ولى بالفعل .

لقد كان من اللافت في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب لسنة 2022، أنه أثنى على دول مثل المانيا وهولندا واسبانيا والولايات المتحدة ورومانيا في مواقفها الإيجابية من قضية الصحراء المغربية، ولم يذكر فرنسا بتاتا، وأشار بشكل واضح إلى دعوة الحلفاء التقلديين للمغرب للخروج من منطقة الغموض في قضية الصحراء المغربية، وكان كلامه موجها إلى فرنسا بشكل لايحتاج إلى تأويل، وقد ربط استمرار أو بناء أي شراكة اقتصادية بالإعلان عن موقف صريح داعما للمغرب في وحدته الترابية.

غير أن الدولة العميقة في فرنسا عوض أن تفهم رسالة الملك محمد السادس بالشكل المطلوب ،قامت بردود أفعال محاولة منها كسر مطلب المغرب والهروب إلى الأمام ، فقام الرئس الفرنسي بزيارة للجزائر، وفي نفس الوقت استقبل الرئيس التونسي قيس سعيد زعيم مليشيات البوليساريو بشكل مستفز للمغاربة، وكان كل ذلك بالتزامن تم تسريب فيديو مدته لاتتجاوز الأربع ثواني يدعي أن الملك محمد السادس يترنح في مشيته، وقد قام المغاربة في الحين بالرد على هذه الإساءة الرخيصة، ثم مباشرة بعدها تم استقبال الإنفصالية سلطانة خيا ببناية البرلمان الفرنسي، ومن غير المستبعد أن تتخد الدولة العميقة في فرنسا مواقف مشابهة تستهدف مقدسات ورموز المغرب، لذلك يطرح السؤال لماذا فرنسا لاتستطيع الخروج إلى حدود الأن بموقف يدعم سيادة المغرب على صحراءه.

"صحراءنا تمثل الحاجز الأساس في الإستحكامات الدفاعية الفرنسية في غرب افريقيا".

الجواب نجده أحيانا في التاريخ، حيث أن بين طياته ما ينفعنا لفهم وتفسير مايجري في الحاضر، فالنظام العسكرى الجزائري برهن طيلة نصف قرن من عمر النزاع المفتعل بالاقاليم الجنوبية المغربية، أنه ليس إلا أداة تستعملها دولا أوروبية، التقت مصلحتها معه في ضرورة منع المغرب من التواصل مع جذوره الأفريقية، باعتباره أمة عريقة كانت تشكل امبراطورية واسعة المجال، وكانت تشكل عبر التاريخ مركزا حضاريا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا كبيرا، وهي تعلم أن الأمم العريقة لابد أن تنبعث يوما من جديد، كما تقاطعت مصلحة النظام العسكري الجزائري مع هذه الدول الاستعمارية السابقة، في منع المغرب من استرجاع مكانته التاريخية ، بعد مرحلة الاستعمار التي شهدت تقسيم وقضم مساحات شاسعة من اراضيه. وعلى رأس هذه الدول نجد فرنسا التي حافظت على نفس الاستراتيجية التي اعتمدتها خلال الحقبة الاستعمارية في تطويق المغرب ومنعه من التواصل مع غرب افريقيا، وكان من أبرز تجلياتها تأسيس دولة موريتانيا، هذه الاستراتيجية قد وضحها بشكل جلي الرئيس الموريتاني الراحل المختار ولد داداه في مذكراته وهو يشرح ظروف ولادة دولته ، حيث يقول: " أعني الخطر القاتل الذي تمثله مطالبة المغرب بجمهورية موريتانيا الفتية، وهذه المطالب والتهديدات لا يمكننا الوقوف في وجهها بمفردنا. وبخصوص هذه القضية استأنست ببعض حقائق الجغرافية السياسية. فقد كنت مقتنعا بأنه مهما يكن من أمر فإن فرنسا، بحكم مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية في المنطقة، لن تقبل بابتلاع المغرب لموريتانيا ذلك أن صحراءنا تمثل الحاجز الأساس في الاستحكامات الدفاعية الفرنسية في غرب افريقيا ". )صفحة رقم 165 (، فالمختار ولد داداه وضح أن مصالح فرنسا الاستراتيجية والاقتصادية دفعتها لتصنع من الصحراء الموريتانية حاجزا أمام المغرب، وهي نفس الاستراتيجية المتبعة حاليا في نزاع الصحراء المغربية، حيث أن حاجزا إضافيا بإقامة دويلة صغيرة من شأنه إقبار طموحات المغرب للأبد .

فرنسا وسياسة " الانخراط المزدوج ".

فرنسا اعتمدت في قضية الصحراء المغربية كذلك على نهج سياسة ما يعرف ب "الانخراط المزدوج "، حيث دأبت قبل الإعتراف الامريكي بسيادة المغرب على صحراءه، وقبل مسلسل الإنتصارات الدبلوماسية المغربية، وقبل الطفرة الإقتصادية والتجارية التي شهدها المغرب وتغلل شركاته في إفريقيا ، دأبت على ابتزاز المغرب في قضية وحدته الترابية، والحصول على صفقات كبيرة تستفرد بها الشركات الفرنسية وحدها في غياب أي منافسة تذكر مقابل مواقف محدودة ، لا ترقى إلى ما يؤكد حق المغرب في استكمال وحدته الترابية، وإلى ما يناسب مباديء السيادة ووحدة الأراضي التي يقوم عليها النظام الدولي، وتكتفي فقط بالترحيب بمقترح الحكم الذاتي كمقترح، دون اعتباره الحل الكفيل وحده بفك النزاع المفتعل في إطار السيادة المغربية، وفي نفس الوقت تحرص على توسيع مصالحها بالجزائر وإطالة عمر النزاع المفتعل في الأقاليم الجنوبية المغربية، مع عرقلة أي تقارب بين الدول المغاربية، وقد وجدت في النظام العسكري خير اداة للحفاظ على حسن سير وتطبيق استراتيجيتها.

سياسة "الانخراط المزدوج "، تقوم أيضا على توفير الحماية لرموز النظام العسكري الجزائري من أي ملاحقة قضائية بسبب جرائمهم المقترفة في حق الجزائريين، والتنسيق الاستخباراتي الذي يسعى إلى فرملة التقدم المغربي لاسترجاع مكانته التاريخية، واستكمال وحدته الترابية الحقة. كما أن موقف فرنسا من النزاع المفتعل في الاقاليم الجنوبية المغربية، يتوافق أيضا بقدر معين مع مصالح تونس وليبيا وموريتانيا، التي لا تجد أي مصلحة استراتيجة في استعادة المغرب لمكانته التاريخية.

اختبار صعب لباريس وتحدي كبير أمام المغرب

تصاعد مشاعر العداء لفرنسا في أوساط الشعوب الإفريقية بسبب تاريخها الاستعماري واستغلالها لمقدرات هذه الشعوب بشكل غير عادل، وتراجع نفوذها في العديد من الدول، خاصة في منطقة الساحل الإفريقي، وتراجع تنافسية اقتصادها وشركاتها، جعلها تعيش اضطرابا جيوسياسيا خطيرا يهدد مجال مصالحها في إفريقيا، خاصة في وجه تنامي نفوذ دولا أخرى كالصين وروسيا، والمغرب الذي أصبح يشكل رقما أساسيا على الصعيدين الاقتصادي والثقافي والسياسي.

هذا الواقع الجديد، يجعل استراتيجية فرنسا أمام اختبار صعب، القائمة على وضع الحواجز أمام المغرب مع الاعتماد على سياسة الانحراط المزدوج، ووجها لوجه أمام واقع جديد يهدد بشكل خطير مصالحها، فالتحديات التي تواجهها تنذر بتراجع نفوذها السياسي والاقتصادي والثقافي في افريقيا عموما، ويجعل إصرارها على الاستمرار في التموضع في الخانة الرمادية بخصوص قضية الصحراء والاستمرار في ابتزاز المغرب وعرقلة تقدمه وعدمِ التكيّف مع التحول في جيوبوليتيك الصراع، يعمق من تراجع دورها في التوازنات الديبلوماسية.

فهل ستدفع التطورات الحاصلة في قضية الصحراء المغربية فرنسا الى قرأة هده التطورات بشكل جيد، وإلى التعامل بواقعية صريحة، والتخلي عن استراتيجيتها الاستعمارية، والكف عن رعاية وحماية النظام العسكري الجزائري، والإلتحاق بركب الدول العديدة التى قرأت بشكل جيد مجمل المستجدات الحاصلة في قضية الصحراء المغربية، كالوليات المتحدة الأمريكية والمانيا واسبانيا، والتي وقفت على جدية ومصداقية المغرب في مساعيه لحل النزاع المفتعل، بما يخدم السلم والأمن الدوليين.

معركة المغرب الدبلوماسيىة مع فرنسا تختلف عن المعركة الدبلوماسية السابقة التي خاضها ضد المانيا واسبانيا، وتحتاج إلى نفس طويل و تتطلب الإبداع في التكتيكات واستعمال أوراق الضغط بحكمة كبيرة، فخروج فرنسا بموقف جديد لا ينتهي فقط بمجرد الإعلان عن موقف أكثر وضوح من مقترح الحكم الذاتي، ولكن ارتداداته تعني التخلي عن استراتيجية معتمدة منذ الحقبة الاستعمارية، وتعني أيضا في أبرز تجليتها التخلي عن النظام العسكري الجزائري الذي ربط مصيره وبقاءه بقضية الصحراء المغربية ورهن مستقبل الدولة الجزائرية بها، فضلا عن المخاطرة بمصالح فرنسا الواسعة بالجزائر، كما أن تغيير موقف فرنسا من قضية الصحراء المغربية يعني كذلك من بين مايعنيه بداية إنكماش جغرافية الجزائر التي قامت على حساب الأراضي التي قضمتها فرنسا من دول الجوار، ونهاية أكذوبة الحفاظ على الحدود الموروث عن الاستعمار، كأراضي الصحراء الشرقية المغربية.

محصلة الأمر، أنه في الأخير ليس من خيار أمام دولة فرنسا العميقة، على المدي القريب أو البعيد، غير الإعتراف بسيادة المغرب على صحراءه والإلتحاق بركب الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا و إسبانيا المستعمر السابق للصحراء المغربية وأكبر ممول لمخيمات تندوف.

 

                           محمد الطيار، باحث في الدراسات الاستراتيجية والأمنية