السبت 26 نوفمبر 2022
اقتصاد

مراكشي: الطبقة الغنية بالمغرب.. عامل تقدم أم عامل تأخر؟

مراكشي: الطبقة الغنية بالمغرب.. عامل تقدم أم عامل تأخر؟ الأستاذ الجامعي ابراهيم مراكشي (يسارا) وبعض أثرياء المغرب: عثمان بنجلون ومولاي حفيط العلمي (يمينا)
لا يمكن لأي مجتمع أن يحيا بدون طبقته الغنية، أو بمعزل عنها، وجودها ضرورة حيوية بالنسبة للمجتمع ككل، إذ هي التي تقود اقتصاد البلاد، وتشكل رأس الحربة التي تخوض بها الدولة غمار التجارة الخارجية والمنافسة الاقتصادية على الصعيد العالمي. فكلما كانت هذه الطبقة غنية، تعليمها عال، تملك روح المغامرة والمبادرة، تستثمر في مجالات حيوية واستراتيجية، ولها القدرة التنافسية على الصعيد التجارة الدولية، وغزو الأسواق العالمية، إلا وانعكس ذلك إيجابا على مكانة الدولة التي تحضنها وعلى قوة اقتصادها بين الأمم.  
باختصار، إن تقدم الدولة رهين بمدى  تشبع الطبقة الغنية بالقيم الوطنية، وبوضع ثرواتها في خدمة الدولة، في إطار تبادل المصالح رابح-رابح، تستفيد منها باقي الطبقات الاجتماعية الأخرى المكونة للمجتمع.
هل هذا هو واقع حال الطبقة الغنية بالمغرب؟ ما مدى تشبعها بالقيم الوطنية؟ وأي دور تلعبه في بناء مغرب الحداثة؟ وفي مساهمتها في تقدم البلاد وتنميته؟ وهل تشكل يد الدولة التي من خلالها تعمل على خلق مناصب الشغل، وعلى تنويع اقتصادها، والرفع من قدرته التنافسية؟
 
ما المقصود بالأغنياء بالمغرب؟
لكن قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، ينبغي أن نجيب عن تساؤل آخر: من هو الغني بالمغرب؟ 
إن هذا المقال لا يهتم بجميع مكونات الطبقة الغنية ومستوياتها، وإنما بالمستوى الأعلى الذي يتبوأ قمة هذه الطبقة، ويضم الأغنياء أصحاب الملايين (كل من تجاوزت ثروته سقف المليون دولار)، وكذلك أثرى الأثرياء، أي المليارديرات (كل من تجاوزت ثروته عتبة المليار دولار).
ضمن هذا الإطار، ملاحظة أولية تسترعي الانتباه، هي أنه في الوقت الذي تراجعت ثروة أغنى أغنياء العالم، أصحاب الملايير خلال ثلاث سنوات الأخيرة نتيجة تداعيات جائحة كوفيد 19 على الاقتصاد العالمي، نجد ثروة أثرى الأثرياء الذين يتربعون على قائمة الغنى بالمغرب قد زادت بشكل يثير الدهشة والريبة في آن واحد، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر، أو أن الاقتصاد المغربي منيع ضد جميع الهزات، لم تؤثر فيه تداعيات الجائحة. إن وراء هذا الأمر أسباب موضوعية وأخرى ذاتية تفسره. ​
من أجل الإجابة عن الأسئلة السالفة الذكر، ومن أجل توضيح هذه الأسباب، وبسطها وتبسيطها للفهم، ينبغي أولا استيعاب الطبقات الثلاث المشكلة للمجتمع المغربي، ومعرفة خصائصها ووظائفها، وطبيعة العلاقات التي تربط فيما بينها. غني عن التذكير ، أن الغنى أصناف ومستويات، وأن الفقر درجات وثقافات متباينة، وبالتالي نحن نتحدث عن مستويات ليس بالضرورة منسجمة.
المجتمع المغربي، شأنه شأن أي مجتمع، ينقسم إلى ثلاث طبقات متباينة في ما بينها، إذ نجد: الطبقة الفقيرة، وتمثل القاعدة العريضة للهرم المجتمعي. تليها الطبقة الوسطى، وتتوسط الهرم المجتمعي، ثم في قمة الهرم نجد الطبقة الغنية. على كل حال، كل طبقة من هذه الطبقات لها وظائف محورية تؤديها داخل المجتمع، وهذه الوظائف والأدوار هي مصدر كل ما يحدث داخل المجتمع من حراك وتدافع ايجابي أو سلبي..
 
الطبقة الوسطى: الخطر الوجودي
الطبقة الوسطى تتوسط الأغنياء والفقراء، وتشكل جدارا يفصل بين الطبقتين، وتمنع التصادم المباشر بينهما، لهذا كلما اتسعت قاعدة الطبقة الوسطى في المجتمع إلا وساهم ذلك في استقراره وثبات مؤسساته الرسمية، وفي حفظ السلم الإجتماعي. بيد أنه في الأنظمة غير الكاملة ديمقراطيا، تشكل اتساع قاعدة الطبقة الوسطى عدديا وتجاوزها قاعدة الفقراء خطرا وجوديا على مصالح الطبقة الغنية، لهذا ترسم هذه الأخيرة سقفا لا ينبغي على الطبقة الوسطى أن تتعداه. وتستعين بجملة من الآليات لتحقيق هذا المبتغى، من بينها وضع تعليم عمومي لا يتيح أمام أبناء هذه الطبقة إمكانية الصعود والرقي السريع في السلم الاجتماعي. وهو ما يعني بالتالي صعوبة وقوع أية تحولات مجتمعية عميقة. إن أي تغيير مجتمعي لا يكتب له النجاح في ظل طبقة وسطى هشة ومتآكلة. وهذا هو مطمح الطبقة العليا بالمغرب. بيد أن توسع الطبقة الوسطى، عموما، يعد مؤشرا مهما على تقدم البلاد، والعكس صحيح. أي أن تقلص الطبقة الوسطى دليل على ارتفاع نسبة الفقر في المجتمع، وتوسع حدة مفارقات التنمية، وغياب العدالة الاجتماعية وسوء توزيع ما ينتجه البلاد من ثروات.
الطبقة الثالثة، هي الطبقة العليا الغنية، والتي تتبوأ قمة الهرم المجتمعي، وتمثل هذه الطبقة أقلية عددية داخل المجتمع، وتنقسم إلى مستويات تصاعدية متعددة، إلى أن نصل إلى الحلقة الضيقة، والتي تضم أثرى أثرياء المغرب، وهي الأقلية المتحكمة به، والتي تمتاز بالإضافة إلى غناها الفاحش، وتحكمها في وسائل الإنتاج، تحكمها أيضا في الحقل السياسي إما من خلف الستار، وأحيانا تنزل إلى معترك الميدان بشكل مباشر، وأحيانا استنادا إلى تعليمات. دور هذه الطبقة يتمثل في خلق الثروة، والعمل على إعادة توزيعها.
وأما بخصوص الطبقة الفقيرة فهي تشغل الحرف والوظائف الدنيا. وتعد الطبقة الأكثر تعرضا لمخاطر جمة (البطالة، الاقصاء، الأمية، غياب الأمن…إلخ.)، وميزتها ضعف الإدخار، نظرا لهشاشة أجورها. ونظرا لكونها تنفق عموما كل دخلها فهي تمثل سوق استهلاكية مهمة بالنسبة للطبقة الغنية، التي تعد المشغل الأول والمالكة لوسائل الانتاج، والمسيطرة والمتحكمة في القطاع البنكي. في المجتمعات التي لم تتوصل فيها طبقاتها الثلاث إلى تعاقد مجتمعي معين يحدد حقوق وامتيازات أفراده، نجد أن جل مناصب الشغل المتاحة، والتي يتم خلقها، هي من الصنف الفقير، أي التي لا تساعد أصحابها في التحرر من مخالب الفقر.
 
احتكار الثروة
ومن أجل تجنب الطبقة الغنية المخاطر التي تهدد  مصالحها واحتكارها لثروات البلاد، تعمد هذه الأخيرة إلى الاستعانة بجملة من الآليات، هدفها زرع بذور الفرقة والتشرذم في صفوف أفراد الطبقة الفقيرة، عبر خلق مشاكل لها تجعل أفرادها في صراع دائم فيما بينهم. فالخوف الدائم من السقوط في مزيد من الفقر، والرغبة في الانعتاق منه، يدفع أفراد هذه الطبقة إلى التصارع والتطاحن في ما يينهم، وبالتالي إلى تفرقتهم، وعدم إسماع كلمتهم بصوت واحد. لم يسبق في التاريخ أن اتحد الفقراء وتوحدوا حول مطالب موحدة، حتى الرسل والأنبياء فشلوا في بلوغ هذا الهدف. إن الطبقة الفقيرة نادرا ما تنتفض، وحينما تتحرك في هذا الاتجاه، بمعزل عن الطبقة الوسطى، ينطبق عليها النمط الفئوي، في الزمان وفي المكان، وتغيب عنها طابع الشمولية، مما يسهل قمع امتداداتها ووضع حد لها. 
في الواقع، ما يدفع الطبقة الفقيرة، عموما، نحو الخنوع، وقبولها لأنماط حديثة من العبودية، هو أمل زائف أو «مخادع»، يتم الترويج له بمختلف وسائل الإعلام، بإمكانية التحرر من الفقر، والالتحاق بركب الطبقة الوسطى، ومنها القفز نحو الطبقة العليا. وهو وإن كان الباب مفتوح، إلا أن مدخله جد ضيق. ففي الدول المتأخرة في سلم التنمية البشرية، الهوة تتسع بين الأغنياء والفقراء. الفقراء يتم ضربهم بمزيد من الفقر، من أ جل إثراء الأغنياء. 
بصيغة أخرى، الأغنياء يزدادون غنى، والفقراء يغرقون أكثر في وحل الفقر. وهذا هو ما يعيشه المجتمع المغربي من مفارقات.
وأما الطبقة الوسطى، فهي تعيش في قلق دائم من فقدان مستواها الاجتماعي، ومن رعب الانزلاق نحو الفقر، وتعيش على أمل أن تحافظ على مستواها الاجتماعي؛ عينها لا تزيغ عن الطبقة الفقيرة، التي ترى فيها تهديد وجودي لها.
الطبقة الغنية تستفيد من وضع الطبقة الوسطى في مواجهة الطبقة الفقيرة، فأي تقارب بين الطبقتين يعد تهديد وجودي لها. إن الثورات التي نجحت في إحداث تغيير مجتمعي، هي التي كانت نتيجة تحالفات الطبقة الوسطى مع الطبقة الفقيرة.
الطبقة الغنية تمثل زبدة المجتمع وخميرته، تملك المال، والأبناك وكبريات الشركات، وفي يدها وسائل الإنتاج، وبالتالي هي المتحكمة في الحقل السياسي، وفي خلق الثروة، وإعادة توزيعها.
في المجتمعات المبنية على تعاقد اجتماعي، نجدها قد توصلت إلى اتفاق حول إعادة توزيع، نسبيا، عادل للثروة، أي أن جميع الطبقات تستفيد من عائدات ما تنتجه البلاد، وتصل إليها بنسب متفاوتة. في المغرب، غياب أي شكل من أشكال هذا الاتفاق، إذ نجد احتكارا كبيرا للثروة، وتركيزا كبيرا للفقر. 
رغم النمو الذي سجلته ثروات أثرى أثرباء المغرب، إلا أنهم مع ذلك يبدون في غاية الفقر مقارنة مع ما يمتلكه أيلون ماسك، أو بيل غيتس أو مارك زوكربيرغ، أو غيرهم من أثرياء العالم، الفقر ملحوظ ليس فقط على مستوى الأرصدة والممتلكات، وإنما أيضا على مستوى الأفكار وروح المبادرة، وروح المغامرة. ففي الوقت الذي نجد فيه، مثلا، أيلون ماسك يساهم في تنمية بلاده والرفع من قدراتها، وذلك من خلال الاستثمار وتمويل مشاريع البحث العلمي التي تخص التنمية المستدامة، والطاقات المتجددة، والسيارات الإلكترونية، وصناعة الطيران، والسياحة الفضائية واستكشاف المريخ، إلخ. نجد في المغرب العكس، البلاد هي التي تجند مؤسساتها، وتضعها في خدمتهم. فعوض أن يساهم أثرى الأثرياء في تنمية البلاد، نجد أن الدولة هي التي تساعدهم على تنمية ثرواتهم، وتمد لهم يد العون، بمنحهم جملة من الامتيازات، وتغض الطرف على خروقاتهم.
لا ندري أين يصرف هؤلاء «السوبر» أغنياء المغاربة أموالهم. الأكيد أنهم لا يخصصون ولو فلس واحد لتمويل مشاريع البحث العلمي، وكأن تنمية البلاد شأن لا يعنيهم. وفي الوقت الذي نجد المؤسسات الخيرية التابعة للأغنياء في الغرب تمول مشاريع عملاقة ذات طابع إنساني صرف، نجد أن المؤسسات الخيرية التي يملكها أغنى أغنياء المغاربة ما هي سوى واجهة للتهرب الضريبي.
 
التهرب.. رياضة أغنياء المغرب
المعضلة التنموية في المغرب تعود في جانب منها إلى سلوك طبقتها الغنية وثقافتها التي لا تراعي مصالح بقية الطبقات، وإلى ضعف حسها الوطني. فهي تقدم مصلحتها أولا وتضعها فوق كل اعتبار. إن التهرب الضريبي وتهريب الأموال نحو الخارج تكشف عن المستور وتفضح كنه هذه الطبقة وتعري عن حقيقتها. فهي لا تراعي مدى تهديد هذه الآفات للاقتصاد الوطني، وللخسائر الفادحة التي تسببها له. التهرب الضريبي وتهريب الأموال نحو الخارج آفة تبرز مدى ضعف الحس الوطني لدى الطبقة الغنية، وتسقط عنها هذه الخاصية كما تتساقط أوراق التوت. فهي تقدم مصلحتها أولا، وتضعها فوق أي اعتبار. فخلال عامين فقط، أي 2020-2021، بلغ حجم الأموال المهربة 16,16 مليار دولار، وخلال العشر سنوات الفارطة فاق حجم هذه الأموال المهربة 41 مليار دولار، أي ما يعادل ميزانية وزارة الصحة لمدة 28 سنة. بالإضافة إلى ذلك، يخسر المغرب سنويا 2,64 مليار دولار ننيجة التهرب الضريبي.
إن ظاهرتي تهريب الأموال والتهرب الضريبي تبرزان بجلاء تصدع جدار الثقة بين الدولة والطبقة الغنية، رغم كل الامتيازات الرسمية التي حظيت بها. بيد أن تحكم الطبقة الغنية في المشهد السياسي، وتوفرها على مجموعات ضاغطة نشيطة، تجعلها بمنأى عن أية متابعة.
باختصار شديد، نقول شتان بين أغنيائهم وأغنيائنا، وهذا ناتج عن اختلاف في العقليات والبيئة المجتمعية، وكذلك في طبيعة النظام السياسي. العقلية في المجتمع الغربي قائمة على الابتكار والمغامرة وروح المبادرة والربح على المدى البعيد، والعقلية هنا، بالمغرب، قائمة على الاحتكار والريع والكسب السريع. والبيئة المجتمعية عندهم قائمة على الجدارة والاستحقاق، وفي مجتمعنا على الابتزاز والامتيازات والولاءات. الخلاصة، أثريائهم يعكسون مستوى تقدم بلادهم، وأثريائنا يعكسون مستوى تأخرنا.
إن الأغنياء في العالم الغربي يزدادون غنى، ويراكمون ثروات ضخمة، لأن أعمالهم وأنشطتهم الاستثمارية لا تتم على حساب تفقير فقراء بلدانهم، وعلى حساب آلامهم ومعاناتهم، وإنما نتيجة لانفتاحهم على العالم، والاستثمار فيه، وترويج لمنتجاتهم في مختلف بقاع المعمور. هؤلاء الأغنياء لا ينظرون للعالم بعين واحدة، بل يركبون بحار المغامرات بروح التحدي، غير واضعين حدودا لآفاقهم المستقبلية. وهو ما ينعكس إيجابا على بلدانهم، وعلى مختلف طبقاته. أما أثرى أثرياء المغرب فنمو ثرواتهم يتم على حساب تنمية البلاد، نظرا لاحتكارهم القطاعات ذات المردودية الكبيرة، ويفتقدون القدرة التنافسية لمواجهة العالم، وحتى عندما يستتثمرون أموالهم في الخارج فإنهم لا يقصدون الدول الديمقراطية التي تمتاز مؤسساتها بالشفافية، وباستقلالية السلطة القضائية والصحافة الحرة، إلخ. وأي مستثمر أجنبي حينما يلج المغرب، يجبر على الدخول في شراكة معهم إن كان يرغب في الاستثمار في القطاعات التي يحتكرونها.
ولهذا السبب يمكن الجزم على كون القطاع الخاص بالمغرب ليس بالشريك الموثوق به، الذي يعول عليه في مشاريع التنمية البشرية. لا يبادر إلى ذلك من تلقاء نفسه، ويتحرك وفق أجندته الخاصة، ولا يتردد في نسف المصلحة العامة إن تعارضت مع مصالحه الخاصة. فهل بهذه الطبقة الغنية يمكن للمغرب أن يتقدم في سلم التنمية البشرية؟ الجواب هو: قطعا لا!
إن تحقيق ذلك مسؤولية الجميع، المجتمع بطبقاته الثلاث، لكن مادامت الطبقة الغنية ترى أن الحفاظ على مصالحها في تفقير الطبقة الفقيرة، وفي التقليص من حجم الطبقة الوسطى وتقزيمها، سيظل قطار التنمية بالمغرب يراوح مكانه.
إبراهيم مراكشي، أستاذ جامعي