الأحد 26 يونيو 2022
كتاب الرأي

الحريري: سلاح سميرة سعيد الفني حتما لم ينضب بعد

الحريري: سلاح سميرة سعيد الفني حتما لم ينضب بعد حياة الحريري
في علم السياسة والاجتماع، يرتبط الفنّ بمراحل تاريخية سياسية واجتماعية واقتصادية في تاريخ كل بلد أو منطقة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يعكس الفنّ المصري التحوّلات السياسية والاجتماعية التي عرفتها مصر بمراحلها المختلفة. من عصر الكبار أمثال أم كلثوم إلى "النقلة" الفنية أو التحديث الذي أدخله عبد الحليم حافظ باعتماد أسلوب "أرشق" في اللحن وفي الكلمة وفي مدة الأغنية والذي اعتبر لفترة لا بأس بها تحوّلا تاريخيا في الفنّ لم يتقبّله المجتمع المصري أولا والعربي ثانيا قبل أن ينتشر ويحصد النجاح. وبعد اتفاقية “كامب دايفيد” في العام 1978 ومرحلة الانفتاح الذي عرفه الاقتصاد المصري، انتقلت الأغنية المصرية إلى الأغنية الشعبية مع أحمد عدوية حيث عبّرت معظم أغنياته مثل “يا بنت السلطان” عن حالة الإحباط التي عاشها المجتمع المصري في ظلّ التغيرات الاقتصادية والاجتماعية السريعة وازدياد الفروقات الطبقية في تلك المرحلة الانتقالية، وما بينها وما بعدها من أغاني ثورية ووطنية تعبّر عن الوضع السياسي وصولا إلى عصر التكنولوجيا. هنا، دخلت الموسيقى العربية في إشكالية بين الحفاظ على هوّيتها وبين اللحاق في ركب الأغنية السريعة حتى فقدت من قيمتها في اللحن وفي المضمون ووقعت في فخّ الاستنساخ نسبيا عن الفنّ الغربي (للمفارقة، بدأ الفنانون الغربيون في السنوات القليلة الماضية باعتماد آلات موسيقية شرقية).

لا يناقش هذا المقال التحوّل في الأغنية العربية من الناحية التقنية ذلك أن هذا المجال ليس من اختصاصي. لكن الإسقاط الزمني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي للحالة الفنية ككلّ يشكّل حاجة في فهم التغيرات والتحوّلات التي تمرّ بها مجتمعاتنا على مختلف الأصعدة. ليست مصر البلد الوحيد يعكس فنّها المحطات المفصلية في تاريخها، بل ينطبق ذلك على معظم الدول العربية التي تعبّر الأغنية فيها بالشكل وبالمحتوى عن صورة المجتمع بقضاياه المتعددة. 

ثمّة اعتقاد قديم في السياسة في لبنان أنه لا يمكن لأي شخصية بناء زعامة وطنية دون المرور ببيروت العاصمة. وكما في بيروت، كذلك في مصر، فهي معجن للهوية العربية وبوصلة لقياس عافية هذه الهوية في السياسة وفي التاريخ وفي الثقافة، وفي الفنّ.
في عرض تاريخيّ للعلاقة العضوية بين الفنّ والسياسة (وتباعا الاقتصاد والاجتماع) نلاحظ أنّه كما لكلّ حقبة أعلامها في السياسة وفي الفكر وفي الصحافة، للفنّ أيضا أعلامه الذين ساهموا بصناعة التاريخ الفنّي في مراحل زمنية محددة. بمعنى آخر، استطاع صنّاع الفنّ إنتاج أعمال بقيت حتى يومنا هذا، لكنهم لم يستطيعوا مواكبة التغيّرات مع تقدّم الزمن والمحافظة في آن معا على نجاحهم أم حضورهم، فتراهم يصيبون حينا ويغيبون أحيانا كثيرة.

هذا التداخل بين الحالة الاقتصادية والسياسية من جهة وبين الفنّ الموسيقي وتحوّلاته وتأثيره المجتمعيّ من جهة أخرى جعل الأغنية العربية تصاب بوهن وتخبّط إن لجهة الشكل أو المحتوى الذي وقع في فخّ الاستسهال الخالي من أي معنى أو هويّة إذا صحّ القول. من هنا، لا بدّ من الإضاءة على حالات قليلة لم تحقّق فقط بعضا من توازن في هذا القطاع، بل أيضا تعمل على طرح قضايا ملحّة باتت مشوّهة في مضامينها وأهدافها من خلال الفنّ الذي لم ينجح في تناولها بالشكل المطلوب.

في هذا الإطار، ثمّة حالة تكاد تكون فريدة في عالمنا العربيّ بالحدّ الأدنى (إن لم يكن على مستوى عالمي) يجب التوقّف عندها ولا شكّ أنه سيكتب عنها وستدرّس في التاريخ الفني الحديث ودوره وتأثيره في التقنية وفي الموسيقى وفي علاقة المحتوى والشكل مع التغيّرات الاجتماعية والتبدلات الثقافية في مجتمعنا العربيّ، وهي ظاهرة الفنانة المغربية سميرة سعيد.

تشكّل سميرة سعيد مدرسة فنيّة استثنائية لم تساهم فقط في صناعة وثقل التاريخ الفنّي العربيّ لتقف عند حدود معيّنة، بل هي ما تزال حتى يومنا هذا في أوّج إنتاجها الفكريّ الفنيّ للأغنية العربية الحديثة. يصعب الكتابة عن سميرة سعيد التي نشأت في عائلة يمكن أن يقال عنها أنها متوسطة، وكبرت في جوّ سياسيّ وطنيّ عروبيّ من خلال والدها عبد الرزاق بنسعيد الذي كان مناضلا ومقاوما في حزب الاستقلال ضد الاستعمار الفرنسي. ومنذ العام 1967 حتى يومنا هذا، انتقلت سعيد بسلاسة وإتقان مدهشين بين الطرب وهي من عاصرته في صغرها وانطلقت منه إلى الأغنية الكلاسيكية الحديثة وصولا إلى الأغنية الشبابية. جمعت التناقضات في اختياراتها بين الموسيقى الشرقية التي لم تتخلّ عنها وبين الموسيقى الغربية الحديثة بأنماطها المختلفة. ليس من السهل الانتقال بين 3 أجيال وربما أكثر، والتأسيس لأسلوب فنيّ جديد لم يستطع أحد مجاراته حتى يومنا هذا أكان من الجيل القديم أو الشبابيّ وما بينهما. لم تنجح سميرة سعيد في استمالة جيل الشباب الحاليّ فقط والذي ينجذب بشكل عام نحو الأغنية الصاخبة، بل هي نجحت في نقل من أحبّ الطرب أو الفنّ الكلاسيكي معها بنجاح مبهر في كلّ مرة إلى هذه الأنماط الموسيقية المختلفة بمغامرة لا تحتمل الحلول الوسط فإما النجاح أو السقوط الذي لم يعرف له باب في مسيرتها. فهي أتقنت صناعة مدرسة موسيقية خاصة بها تتداخل فيها الأصالة بالحداثة، والصوت الطربيّ القوي والرصين باللحن السريع، والبساطة بالكلمة مع الثقل في المعنى والمحتوى الهادف بشكل غير مألوف متحرّر من الرتابة، ويغري بالتمرّد الجميل على الذات قبل أي شيء. من المغرب إلى مصر وفلسطين وسوريا وإلى كلّ قضية عربية وإنسانية، من حقوق المرأة إلى دعم الشباب، من الحبّ الثائر في انكساره إلى التحرّر الموجّه السليم لبناء مجتمع متوازن وحبّ الذات لا التملّك، هكذا تأخذنا سميرة سعيد من عالم إلى آخر، ومن حقبة إلى أخرى دون أن نهمل إحداها أو نملّ منها، فترانا ننتقل من الزمن الجميل إلى عصر الأغنية العصرية التي استطاعت سعيد تطويع المؤثرات التكنولوجية بحذر مدروس في قالب قد نستغربه للوهلة الأولى لكن سرعان ما نتلّقفه ونندمج معه بفرح طفوليّ. 

تستفزنا أغنية سميرة سعيد إيجابا في تحدّيها المستمرّ ليس فقط في نوع الأغنية، بل في المحتوى الذي يهزّ كل ثابت مهترئ أو محدود في الأفكار وفي المواضيع، وتضعنا بحالتها الكليّة بين المضمون والشكل في حالة التباس جميلة في علاقتنا مع ما نعتقده ثوابت رسمتها أعراف مجتمعية تشوّه ولا تحافظ أو تحمي. نعيش في حالة عشق وإن لم نكن عاشقين في أغنية لنغوص في مساءلة مع أنفسنا في أخرى وننتفض على موروثات بالية في البعض الآخر.  ومن حالة إلى أخرى، لم تقف سميرة سعيد عند حدود فنّها، بل هي تدفعنا نحو الجرأة في الانسياب مع أنماط رفضناها قبل أن نعرفها. وفي الحديث عن الجرأة وتحدّي الموروثات البالية، ما ينفكّ البعض بدعوتها للاعتزال بسبب تقدّم العمر فيطلقون حكمهم في موضوع لا شأن لهم فيه. أوّلا، يسقط هذا الرأي الساذج في المنطق العمري والزمنيّ للحياة ولا ينطبق أساسا عليها. ثانيا، من قال أنه على المرأة أن تحكم على نفسها بالانغلاق والانزواء واعتزال أي نشاط في وقت محدّد لمجرّد أن المجتمع ما يزال ينظر إلى المرأة العربية ككائن ضعيف أو"ناقص" في حين أنّ هؤلاء أنفسهم لا ينفكّون يبدون إعجابهم بفنانات في الغرب ما يزالون في أوجّ عطائهم الفنيّ وهنّ يتقدّمن في السنّ لا بل يتغزّلون بقدرتهنّ على المحافظة على جمالهنّ وشبابهنّ! سميرة سعيد تتحدّى أيضا دون أن تخطط هذه المعتقدات وهذه التناقضات في سلوكنا المجتمعيّ، وتقدّم لنا نموذجا نحن جيل الأمس واليوم والغد ألاّ نقف عند حافة الأفكار المعلّبة وأن الحياة باب فتحه الله لنا للإبداع والتقدّم كلّ في اختصاصه وفي دوره حتى آخر نفس حدّ الثمالة. 

ترسم سعيد بفنّها إطارا يتداخل فيه الصوت والمحتوى الموجّه ببساطة وبأدوات متطلبات هذا العصر بشكل يضفي للمكتبة الموسيقية ويستقطب الجيل الجديد ويصنع له توازنا يحتاجها ونحتاجها معه للتعويض ولو قليلا عن الغربة التي نعيشها في مجتمعاتنا. فنّ يفتح الشهية لبحث دائم، في تقنيّات الصوت والموسيقى للاختصاصيين، وفي علاقته بقضايا المجتمع في محطّاته المختلفة للصحافيين وللباحثين، والأهم في قيمته للناس في مختلف فئاتهم وخلفياتهم، وفي مكانته في تاريخ الموسيقى العربية.  

تقول سميرة سعيد في مقابلاتها أنها لا تحبّ تكرار نفسها في كل أغنية، بل تبحث عمّا هو جديد لها ولمسيرتها ولجمهورها ولفريق عملها الذي يخوض معها في كلّ أغنية رحلة بحد ذاتها وتحدّيا ثقيلا لناحية المسؤولية في الحفاظ على الرابط الذي تمثّله هي من تاريخ وحاضر فنيّ متطرّف في تجدّده حدّ الدهشة في كلّ مرة وفي معاندة كلّ أشكال الخمول الموسيقيّ الفكريّ. 

قيل عن سميرة سعيد أنها "الديڤا"، ووصفها البعض الآخر ب "الأسطورة" وهو محقّ في ذلك. فالفنّ لا يقف معها عند أي حدود، ولا يرتاب الزمن من التقدّم لا بل يسبقه أحيانا، والأهمّ أنّ هذا التاريخ الذي تكتبه سعيد في فنّها والذي تعلم أنها تتربّع على عرشه لم يبدّل من احترامها لجمهورها وعدم الاستخفاف به قيد أنملة واعتباره جزءا من عالمها وتاريخها وحاضرها، وهذا في حدّ ذاته مدرسة في الأخلاق الفنية نفتقدها أيضا. 

ما تحاول تقديمه سميرة سعيد في الدفاع عن قضايا المرأة ومحاربة الفقر ودعم الشباب في هذا الزمن الصعب في بلادنا يرتّب عليها مسؤوليات إضافية لا يمكن الانسحاب منها لأن الفنّ كما الكلمة، هو السلاح الذي إمّا نعبر من خلاله إلى التنوير والتقدّم أو نسقط من في براثن الجهل أكثر. وفي حين لا نعلم ما تخبّئ لنا في الأيام القادمة من مفاجآت في فنّها وفي رسالتها، إلا أن سلاح سميرة سعيد حتما لم ينضب بعد. 

حياة الحريري/ أستاذة جامعية، صحافية، وباحثة والمديرة التنفيذية ل"دياليكتيك"- لبنان