الأحد 26 يونيو 2022
سياسة

تهديد الجزائر بمراجعة كل اتفاقياتها مع إسبانيا..سلوك صبياني أم رقصة ديك مذبوح؟

تهديد الجزائر بمراجعة كل اتفاقياتها مع إسبانيا..سلوك صبياني أم رقصة ديك مذبوح؟ الجنرال شنقريحة وعبد المجيد تبون ورئيس الحكومة الإسبانية (يسارا)
لم تنته بعد تداعيات التحول التاريخي في الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية ولن تنتهي في القريب العاجل. هو انتصار وأي انتصار لم يشعر بحجمه وآثاره إلا تبون وشنقريحة ومن والاهما. ولذلك ما زلت أشدد على أن قصة هذا الانتصار تستحق أن تدرس بشكل معمق وتدخل مقررات النجاحات الدبلوماسية لتروى للأجيال القادمة.
كالعادة، حكام الجزائر، بتسرعهم وانفعاليتهم المعروفة، يهددون بأنهم سيراجعون الاتفاقيات مع إسبانيا في كل المجالات بعدما تجاهلت هذه الأخيرة خطوتهم في استدعاء السفير وتصريحاتهم الصبيانية. أتى التصريح هذه المرة من روما على لسان الأمين العام لوزارة الخارجية شكيب قايد مهددا بشكل ضمني بأن إمدادات الجزائر لأوربا بالغاز لن تمر عبر إسبانيا ولكن عبر إيطاليا. منطق "قليان السم" سلوك دبلوماسي مراهق لا يزن التصرفات والمواقف بميزان الذهب، ويكشف أن الدبلوماسية الجزائرية مرتهنة لمنطق انفعالي، ولذلك بدا لشكيب قايد عاديا أن يؤاخذ الإسبان على أنهم لم يبلغوا الجزائر مسبقا بموقفهم هذا وهو ما اعتبره "انحرافا في السياسة الخارجية لمدريد" وبأنه "غير مبرر". وصدق من قال "تكلم حتى أراك". دبلوماسي "رفيع" يسقط مثل هذه السقطة التي لا تقبل من دبلوماسي مبتدئ فيضرب سيادة دولة واستقلال قرارها ويؤاخذها على عدم إخباره المسبق بقرارها!
للأسف، يظن هؤلاء الذين ما يزالون يحنون إلى ماض سحيق أن مثل هذه التصريحات كافية لإحداث الاختراق في علاقات دولية معقدة متداخلة المصالح تتطلب إنضاج المواقف بهدوء وطبخها على نار هادئة وحساب المصالح من زوايا متعددة. ولأن كره المغرب صار هو الموجه لحكام الجزائر فقد صاروا يناصبون العداء كل من انتصر لموقف الحكمة والعقل والمنطق في هذا النزاع المفتعل حول صحراء مغربية تثبت مغربيتَها حججُ التاريخ والجغرافيا والأنتربولوجيا والولاء للعرش المغربي منذ قرون. أصبح لافتا للنظر مواقف حكام الجزائر مما يجري حولهم وصار مفضوحا أن بوصلتها محددة بالعداء للمغرب. ها هم "يرفضون" استقبال الوزير الأول الفرنسي كذلك والسبب هو موقف فرنسا من قضية الصحراء المغربية ولو أن أبواقا إعلامية جزائرية تبرر التحفظ على استقباله بالنأي بالنفس عن المنافسة الانتخابية الفرنسية التي نحن على أبوابها!!
ولأن الارتباك والتناقض هو ما صار يطبع دبلوماسية لعمامرة، فقد كان ملفتا للنظر استقباله لبلينكن دون تسجيل أي مؤاخذة على الموقف الأمريكي المعترف بمغربية الصحراء ودون جعجعة الكلام عن التطبيع مع إسرائيل التي صمتوا عليها لما كان مصدرها اردوغان. هذه التصرفات المتناقضة هي التي تجعل الجزائريين يشككون في مواقف حكامهم وخلفياتها وتذبذبها وهو ما يفقدهم المصداقية أكثر لدى الشعب، وخاصة أن زيارة بلينكن للجزائر كانت قبيل ساعات من زيارة مماثلة للمغرب جدد فيها دعم أمريكا لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها جادة وواقعية وذات مصداقية، وأعلن مشاريع شراكة مستقبلية مع المغرب تعكس طبيعة العلاقات بين البلدين. سنرى مرة أخرى تواري الطوابرية عن الأنظار وسيصيبهم الخرس كالعادة، وعليهم الانتظار طويلا وبدون طائل ليروا تراجعا أمريكيا عن الاعتراف بمغربية الصحراء. دار الحول على أمنياتكم وعجيب أمركم لأنكم لا تعترفون بفشلكم في فهم النجاح المغربي في نيل ذلك الاعتراف، وستستمرون في الفشل لفهم أسبابه طالما أنكم تستكبرون عن الاعتراف بأن للمغرب قوة ومكانة في هذا العالم.
الجزائر التي تخلت عن روسيا حليفها التاريخي أثناء التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد تخضع للضغوط الأمريكية والأوربية وتساهم في إمداد الأوربيين بحاجياتهم من الغاز لتوجه طعنة أخرى في الظهر للروس. ومن يدري فقد تضطر للتخلي عن مقاطعة أنبوب المغرب لأنه المنفذ الأكثر ضمانة لتأمين التزويد بانتظام. وليس كل ما يحدث من تناقضات عند حكام الجزائر إلا نتيجة التهور والتسرع والعداء السافر للمغرب.
صار وضع حكام الجزائر أقرب إلى الديك المذبوح الذي يحسبه البعض في نشوة الفرح وهو يرقص بينما هي في الحقيقة آلام الموت البطيء. هل يحتاج تبون وشنقريحة إلى نصيحة؟ وهل هم في حاجة ماسة لخيط أبيض ينقدهم من هذا المستنقع الذي وضعوا فيه أنفسهم؟ وهل يلزمهم خطوات تنقد ماء وجههم؟ قد يبدو في الظاهر أن هذا هو المطلوب، ولكن الحقيقة أن الجيل المؤسس للبومدينية يحتاج إلى مراجعات عقائدية في السياسة والعلاقات الدولية ليكون مؤهلا لحكم البلاد وتدبير مصالح أجيال متعاقبة من الجزائريين ترى المغرب والعالم بعيون مختلفة عن الآباء المسيطرين على الحكم وثروات البلاد ويحصنون مواقعهم وثرواتهم بكل الوسائل العلنية والسرية ويستثمرون في إشاعة أجواء الرعب والعداء ويشعلون طبول الحرب لإلهاء الشعب عن المطالبة بحقوقه المنهوبة. هذا ما صار يعيه الجزائريون وهم يغبطون المغاربة على ملكيتهم التي يتولى زمامها ملك يفكر بمنطق عصري قريب من نبض الأجيال الحالية.

عن موقع "شوف تيفي"