الجمعة 27 مايو 2022
مجتمع

عبد الإله هلالي: موضوع الصحة النفسية يفوق قدرات وزارة الصحة ويتطلب إرادة عليا

عبد الإله هلالي: موضوع الصحة النفسية يفوق قدرات وزارة الصحة ويتطلب إرادة عليا عبد الإله هلالي
يرى البروفسور عبد الإله هلالي، أن موضوع الصحة النفسية يفوق قدرات وزارة الصحة، ووزارة العدل وإدارة الأمن، بل تتطلب إرادة عليا من أجل تصنيفها كأولوية وطنية، علما بأنها بحاجة ماسة إلى بنيات تحتية و أطر وموارد بشرية تتطلب تمويلا كبيرا، حيث أن المنظومة الصحية العمومية لا تضم  سوى العشرات من الأطباء النفسانيين وسبعة أخصائيين في طب النفس، كما أن نظراءهم في المصحات الخاصة يبقى نادرا جدا.
 
داعيا إلى خلق فضاءات حاضنة للمرضى النفسانيين، والتي ينبغي أن تكون مختلفة: فضاءات خاصة بالاضطرابات النفسية للأطفال، فضاءات خاصة بالحالات النفسية الخفيفة، فضاءات خاصة بالحالات التي تعاني من خلل عقلي والتي تشكل خطر على الناس، الى جانب توفير الخيريات النفسية..

بداية، ما خطورة وجود مرضى نفسيين بالفضاء العام على أمن المواطنين المغاربة والأجانب؟ 
لا بد من التمييز في البداية بين الاضطرابات التي قد يتألم منها الشخص وقد لا يؤذي الآخرين مثل اضطراب القلق (القلق المعمم، قلق الانفصام، نوبات الهلع، الفوبيا الاجتماعية)، ثم هناك اضطرابات الوساوس القهرية والمتشابهة وتتكون من ثلاثة أنواع من الوسواس، بالإضافة إلى الاضطرابات المشابهة، حيث يعاني الشخص من تكرار أفعال وتكرار شخوصات وتكرار أفكار بشكل قسري قد لا يستطيع معه توقيف تلك العادات أو الأفكار التكرارية بشكل مؤلم دون أن يتألم معه محيطه إلا نادرا في وضعيات محددة. لكن هناك اضطرابات قد تسبب الأذى إلى محيط المريض، فهناك حالات مثلا من الاضطرابات الذهانية سواء كانت عبارة عن فصام أو هوس. فالسمة الأساسية التي تكون فيها أن الشخص قد يصل إلى مرحلة الهذيان والهلوسة، وفي مرحلة الهذيان ينكر المريض الواقع وقد يتبدل في هذا الواقع واقع آخر ويهلوس بذلك، مثلا قد يرى الشخص أن الذي أمامه هو رجل مخابرات يريد أن يؤذيه فيقدم على تعنيفه أو قتله، أو تأتيه هلاوس بأن الناس يطاردونه فيقرر أن يحمل عصا مثلا لمطاردة الناس في الشارع، وهذا هو ما نسميه باللغة الدارجة «المختل عقليا»، علما بأنه لا وجود لهذا المصطلح طبيا، وسواء كان هؤلاء يعانون من هلاوس فصامية أو هلاوس تتعلق بجنون العظمة أو جنون الاضطهاد فهؤلاء قد يسببون الأذى لمحيطهم وللناس بصفة عامة، كذلك في الاضطراب الثنائي القطبي (سمي بذلك لوجود قطب اكتئابي وقطب هوسي) هناك حالات قد يصل فيها المريض إلى ايذاء الآخرين، فهؤلاء يعانون من فترة اكتئابية تدفعهم إلى التفكير في الانتحار والشعور بالفشل، والنفور من الخروج وتفضيل البقاء بالمنزل. ففي هذه المرحلة يكون فيها الأذى ذاتي، لكن في مرحلة الهوس الذي قد يكون هوسا خفيفا أو هوسا حقيقيا، في هذه المرحلة وخصوصا في لحظة الهوس الحقيقي يصبح المريض لا حدود له فقد يتواجه مع الشرطة ويعتدي على المواطنين.. مما يعنيه أن هذه الاضطرابات قد تسبب الأذى للمحيطين بالمريض في حالة عدم العلاج، كما أن الخبرة الطبية (ما يسمى بالطب الشرعي الجنائي) تؤكد أن هؤلاء الأشخاص تنزع عنهم المسؤولية الجنائية لحظة ارتكابهم الجريمة لأنهم مسلوبي العقل، خلافا لباقي المضطربين نفسيا (المرضى الذين يعانون من الاكتئاب أو من الوسواس أو القلق..) فهم مسؤولون جنائيا. لكن حالات الفصام الحاد وبعض اضطرابات جنون العظمة وبعض حالات التأخر الذهني تنتفي فيها المسؤولية الجنائية بسبب انتفاء العقل.
انطلاقا مما سبق يتضح أن الاضطراب النفسي لا يمكن اعتبار علاجه مسألة اختيارية، خلافا لباقي الأمراض الجسدية التي ترتبط فيها المعاناة بشخص المريض. فالمريض نفسيا يمكن أن يسبب الأذى لفئة عريضة من الناس، ويمكن أن يعرض السياحة للخطر، على غرار جريمة القتل ومحاولة القتل التي أقدم عليها المريض نفسيا في كل من تزنيت وأكادير، والمسؤولية لا تقع على عاتق هذا الشخص لأنه غير مسؤول جنائيا، فالمسؤولية تقع على عاتق المؤسسات الرسمية التي لم تقم بالمهام المنوطة بها، فماذا يفعل مريض نفسيا في الشارع ؟ كما يطرح سؤال هل قاما والداه بالتبليغ عنه للشرطة، وهو التبليغ الذي يشار فيه أنهما حاولا ايداعه بالمستشفى لكنه رفض الخضوع.
 
وماذا عن ارتفاع أثمنة أدوية العلاج النفسي التي قد تؤدي إلى عدم متابعة العلاج، خصوصا الأسر الفقيرة؟ 
المرضى النفسيون لا يحتاجون فقط إلى الأدوية، بل هم في حاجة أيضا إلى أسرة، فهناك اضطرابات قد يلجأ فيها إلى المعالج النفساني. وهناك اضطرابات تتطلب تدخل الطب النفسي والمريض في هذه الحالة بحاجة إلى تناول الأدوية. وهناك اضطرابات تتطلب العلاج بالمستشفيات، وهذه الحالات الخطيرة تتطلب العلاج داخل المستشفيات ومتابعة طبية، وشخصيا اشتغلت كأخصائي نفسي في الفترة الممتدة من 2000 الى 2011 بقسم الأمراض العقلية بمستشفى مولاي اسماعيل بمكناس قبل الذهاب للتدريس في الجامعة، وبالتالي فاللوم لا يمكن أن يوجه للأطباء فهم يقومون بعملهم وفقا للإمكانيات المتوفرة، فلما لا يتوفر المستشفى إلا على معالجين نفسانيين أو ثلاث في غياب طبيب نفساني، وبقية الطاقم عبارة عن ممرضين لساكنة مدينة كبيرة من حجم مكناس، حيث يتم استقدام عدد كبير من المرضى النفسانيين من طرف رجال الشرطة مما يجعل الطاقة الاستيعابية للمستشفى تتجاوز المعايير المعروفة، وهؤلاء المرضى لا يحتاجون فقط الى الأسرة، هم يحتاجون الى الأسرة، بالإضافة الى الرعاية، ويحتاجون الى برامج وأدوية ويحتاجون أيضا إلى أنشطة تثقيفية كفيلة بإخراجهم من أزمتهم، وهذه المتطلبات مفقودة بسبب غياب الموارد البشرية، وبالتالي لا يمكن لطبيبين أو ثلاث أن يقوموا بمختلف هذه المهام. 
 
ما هي نظرتك إلى تجارب البلدان المتقدمة مقارنة مع المغرب؟ 
إذا قارنا الوضع في المغرب مع الدول المقارنة يتضح الفرق، حيث تضم مستشفيات الأمراض العقلية في هذه البلدان جناحا خاصا بالطب النفسي يضم 13 طبيبا نفسيا و5 أخصائيين نفسانيين دون الحديث عن الطاقم الاجتماعي والطاقم التمريضي والطاقم الثقافي المكلف بتنظيم أنشطة ثقافية داخل الفضاء، علما أن المريض نفسيا بحاجة إلى العلاج وإلى العزل وإلى الأدوية وإلى إعادة الإدماج عبر الأنشطة الثقافية الموازية، وهو الأمر الذي يمكن المرضى من تحقيق نتائج طبية خلال فترة العلاج، ولما تغيب مثل هذه المتطلبات في المستشفى العموميات يتم التفكير في القطاع الخاص، مع ضرورة الإشارة الى أن ارتفاع ثمن الاستشارة الطبية لا يعني بالمقابل جودة العلاج، وعودة إلى سؤالك السابق حول ارتفاع ثمن الأدوية، ففعلا أثمنة الأدوية مرتفعة، لكن الدولة وفرت الوصفات الطبية مجانا لفائدة المرضى المنحدرين من أوساط فقيرة، مع تمكين المريض من «كناش» خاص وعند حلول الموعد المحدد يتسلم الوصفة الطبية، لكن رغم مجانية الأدوية فإن المشكل الذي يطرح في المغرب هو قلة الأطر في مجال الصحة النفسية.
 
منذ الاستقلال لم يتمكن المغرب من تكوين سوى 330 طبيبا في مجال الطب النفسي، فأين يكمن الخلل؟ 
للأسف عدد الأطر في مجال الطب النفسي ضعيف جدا، وعدد الأخصائيين في علم النفس لا يتجاوز 7 على الصعيد الوطني، وقد حاول بعض الوزراء في الحكومات السابقة بذل مجهود لتحسين وضع الصحة النفسية، لكن الأمر يتطلب استثمارا، فلا يمكن تحسين الوضع بالتدبير فقط، فالتدبير يمكن أن يضمن الحكامة، لكن بناء مستشفيات جديدة وخلق فضاءات لإعادة إدماج المرضى النفسانيين والقطع مع الأجنحة الكلاسيكية التي توفر المبيت فقط، وتوفير الموارد البشرية يتطلب استثمارا، وكل هذا يفوق قدرات وزارة الصحة، فهل وزارة الاقتصاد والمالية قادرة على الاستثمار ؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يطرح، حيث يتم اعتبار الصحة النفسية قطاع غير مذر للربح في غياب صناديق تمكن من توفير مداخيل خلافا لجميع الأمراض التي تتوفر على صناديق خاصة، وبالتالي فهذا ما يفسر بحسب المسؤولين عدم الاستثمار في القطاع، حيث تبتلع الصحة النفسية الأموال دون أن توفر مداخيل.. لكن ما يتم تجاهله هو أن الأموال التي يتم ضخها في الصحة النفسية تعد بمثابة استثمار في سلامة الوطن، فخلق السلامة الذهنية يعد استثمار للمستقبل، وأي هدر لهذه العقول يعد هدرا للطاقات والكفاءات، علما أن الصحة النفسية لا تستقطب فقط مواطنين عاديين، بل تستقطب أيضا أطر وكفاءات ومسؤولين وأساتذة..قادتهم الأقدار لولوج الصحة النفسية..واذا لم يتم توفير الحاجيات الأساسية للصحة النفسية فهذا يعني أننا لم نستثمر للمستقبل (استثمار في ما هو ذهني وما هو ثقافي، واستثمار في سلامة الأشخاص). فلما يقدم مريض نفسيا على رشق حافلة للسياح بالحجارة، فهذا يعطي صورة سيئة عن وضع الصحة النفسية في المغرب.
 
كيف تقرأ تملص كل جهة من الجهات المتدخلة في موضوع الصحة النفسية من المسؤولية (الأمن، وزارة الصحة، القضاء، باقي القطاعات الحكومية)؟
موضوع الصحة النفسية لا يهم فقط وزارة الصحة والأمن والقضاء، فالقضاء يقوم بالدور المنوط به بمراسلة مدير مستشفى الأمراض العقلية لما يحال عليه ملف يتطلب إيداع مريض في المستشفى، والأمن ينفذ تعليمات النيابة العامة عبر ايداع المريض في المستشفى، والمستشفى بدوره يستقبل المريض، ولكن هل ينتهي الأمر عند هذه الحدود؟ الأمر لا ينتهي عند هذه الحدود حيث يفتح الموضوع للجدل بين هذه الأطراف. فالمستشفى يرى أن بعض المرضى ينبغي أن يحالوا على خيريات نفسية وليس على مستشفى للأمراض العقلية، والمشكل يكمن هنا في غياب خيريات نفسية والتي يفتقدها المغرب، والتي تتطلب هي الأخرى موارد بشرية وتمويل، علما أن هناك أشخاص يعانون من حالات نفسية اجتماعية لا تتطلب فقط العلاج في المستشفى، بل لابد من إحالته على خيرية نفسية بسبب افتقادهم لمأوى، وهو الأمر الذي يتوفر في أوروبا، حيث توجد خيريات نفسية توفر للمرضى النفسانيين المشردين وتتوفر على طبيب نفساني الى جانب ممرضين الى حانب خيريات عادية.

وعودة إلى موضوع الأمن، فدور الأمن أنه يحيل الحالات على مستشفيات الأمراض العقلية، لكن استقباله في غياب معايير وشروط الاستقبال والعلاج يدفع عددا من المرضى الى الفرار من هذه المستشفيات. ولما يفر هؤلاء، يثار النقاش من جديد بين الأمن ومستشفيات الأمراض العقلية، أما القضاء فتنتهي مهامه بمراسلة مدير المستشفى من أجل استقبال المريض.. لكن أين يكمن المشكل؟ المشكل يكمن في أهمية خلق فضاءات حاضنة للمرضى النفسانيين، والتي ينبغي أن تكون مختلفة، مثلا ينبغي توفير فضاءات خاصة بالاضطرابات النفسية للأطفال، حيث نفتقد للصحة النفسية للطفل، فضاءات خاصة بالحالات النفسية الخفيفة، وفضاءات خاصة بالحالات التي تعاني من خلل عقلي، والتي تشكل خطرا على الناس، إلى جانب توفير الخيريات النفسية. وتحقيق هذه المشاريع يتطلب تمويلا، لذلك ينبغي أن تتوفر إرادة عليا تفوق وزارة الصحة وتفوق وزارة العدل، وتفوق إدارة الأمن.. الصحة النفسية بحاجة ماسة إلى تصنيفها كأولوية كبرى، وهي بحاجة ماسة  إلى أطر وموارد بشرية، فلا يعقل أن منظومتنا الصحية العمومية لا تضم سوى العشرات من الأطباء النفسانيين وسبعة إخصائيين في الطب النفسي، كما أن نظرائهم في المصحات الخاصة يبقى نادر جدا.
 
البروفسور عبد الإله هلالي/ أخصائي نفساني وأستاذ علم النفسي المرضي الإكلينيكي