الأربعاء 6 يوليو 2022
منبر أنفاس

عزيز لعويسي: 11 يناير .. حديث في الذكرى

عزيز لعويسي: 11 يناير .. حديث في الذكرى عزيز لعويسي
احتفى الشعب المغربي قاطبة وفي طليعته أسرة المقاومة وجيش التحرير، يوم الثلاثاء 11 يناير 2022، بالذكرى 78 لحدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، الذي شكل محطة بارزة ومنعطفا مفصليا في معركة الكفاح الوطني التي قادها بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، في إطار من التلاحم والتناغم والتجانس مع الشعب المغربي وقادة الحركة الوطنية، في سبيل نيل الحرية والاستقلال.
حدث مفصلي في ملحمة التحرير، لايمكن النبش في حفرياته، دون التوقف عند مرحلة الأربعينيات من القرن الماضي، لما غيرت الحركة الوطنية من نهجها النضالي، بالانتقال من مستوى المطالبة بالإصلاح في ظل الاستعمار، إلى مستوى المطالبة المباشرة والصريحة بالاستقلال، استثمارا للمتغيرات الوطنية والدولية، لكن وعلى الرغم من أهمية المعطى التاريخي في ربط الحدث بعمقه النضالي والهوياتي والتراثي، فهذه المناسبة الوطنية الخالدة في بعدها الشمولي، هي مرآة عاكسة للذاكرة النضالية والهوية المشتركة والتاريخ الجماعي.
وإذ نستحضر العمق التاريخي والنضالي والتراثي والهوياتي لهذه المحطة النضالية البارزة، نرى أن المناسبة تقتضي بل وتفرض حسن العناية بالتراث الوطني بكل تمظهراته عبر التعريف به وتثمينه، وتنزيله عبر المناهج والبرامج الدراسية وتصريفه عبر أنشطة الحياة المدرسية، لجعل الناشئة والأجيال المتعاقبة في صلب هذا التراث الوطني وما يزخر به من دروس وقيم وعبر، يمكن الرهان عليها لتقوية اللحمة الوطنية وتثبيت المواطنة الحقة وتعزيز لبنات العروة الوثقى التي لا انفصام لها بين العرش والشعب، في إطار من التلاحم والتناغم والانسجام والوفاء والتضامن.
وهي دعوة مباشرة إلى مختلف المؤسسات العمومية الراعية للتراث الوطني بكل أشكاله وألوانه، من قبيل "أرشيف المغرب" و"متاحف المغرب" و"المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير" و"المكتبة الوطنية"...، من أجل التحرك كل فيما يتعلق به، في اتجاه رفع "الطابع النخبوي" على التراث الوطني، وجعله هما مجتمعيا، تتحقق معه أهداف حماية المشترك التاريخي والهوياتي، ومقاصد الاعتزاز بالوطن الذي تكمن قوته فيما يزخر به من حضارة ضاربة في عمق التاريخ، وتحقيق هذه الأهداف والمقاصد يمر قطعا عبر الانفتاح على مؤسسات التربية والتكوين، وجعلها شريكا لامحيد عنه في خدمة التراث الوطني والمحافظة عليه وحسن تثمينه.
روح ذكرى 11 يناير بكل حمولتها التاريخية والوطنية والنضالية، تقتضي أكثر من أي وقت مضى الالتفاف حول الوطن والتمسك بثوابت الأمة المغربية، في سياق متغيرات الوحدة الترابية للمملكة التي تفرض المزيد من التعبئة ووحدة الصف واليقظة المستدامة، بما يضمن التصدي لكل الدسائس والمؤامرات الجبانة من جانب جيران السواء، وفي ظل ما تحقق من مكاسب دبلوماسية، كرست وتكرس المغرب كقوة إقليمية صاعدة، باتت مصدر قلق وإزعاج بالنسبة للكثير من المتربصين والحاقدين، وفي هذا الإطار، وبقدر ما ننوه بما تحقق من مكاسب دبلوماسية ومنجزات اقتصادية وتنموية في العقدين الأخيرين تحت القيادة الرصينة للملك محمد السادس، بقدر ما نرى أن معركة "الجهاد الأكبر" لابد أن تستمر بحكمة ورصانة وتبصر، لوضع البلد في صلب نموذج تنموي حقيقي، يدخل البلد إلى مرحلة المسؤولية والإقلاع التنموي الشامل.
إذا كان الآباء والأجداد قد نجحوا في كسب رهان "الجهاد الأصغر" وهم يعيدون للوطن نعمة الحرية والاستقلال بعد طول عناء، فلابد أن نكون في مستوى ما صنعوه من ملاحم التضحية والنضال والوفاء والمسؤولية ونكران الذات، دفاعا عن الوطن ووحدته الترابية، ومن مسؤوليتنا كأفراد وجماعات، النضال والجهاد، ليبقى الوطن حرا ومزدهرا وشامخا، تتحقق فيه نعم الأمن والاستقرار والوحدة والعيش المشترك، ولا نضال ولا جهاد، إلا باستحضار الوطن ومصالحه العليا في سلوكاتنا وتصرفاتنا، عبر القطع مع كل ممارسات العبث والانحلال والفساد والأنانية واللغط والخلاف والصدام، والقطع كل القطع مع ثقافة التبخيس والتيئيس، والتطلع إلى المستقبل بعيون مفعمة بالأمل والحياة، وبما يكفي من جرعات الوطنية الحقة، التي تبقى الخيار الوحيد والأوحد لما يواجهنا كمغاربة من تحديات ترابية وأمنية، وما ينتظرنا من رهانات اقتصادية وتنموية ومعارك دبلوماسية.