الأربعاء 25 مايو 2022
سياسة

حفيظ يكتب عن جلسات البرلمان في زمن أخنوش: جلسات بلا طعم ولا رائحة!!

حفيظ يكتب عن جلسات البرلمان في زمن أخنوش: جلسات بلا طعم ولا رائحة!! عزيز أخنوش، ومحمد حفيظ (يسارا)
سمح لي ظرف خاص هذه الأيام أن أقضي وقتا طويلا أمام التلفزيون، فسنحت لي الفرصة لأتابع، على القناة الأولى، جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب يوم الاثنين 3 يناير 2022. وفي اليوم الموالي (الثلاثاء 04 يناير 2022)، تابعت الجلسة الشهرية بمجلس المستشارين، التي تُخَصَّص لتقديم أجوبة رئيس الحكومة عن الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة، وكان موضوعها "مخطط الجيل الأخضر ورهانات التنمية القروية والعدالة المجالية". (الجلسة لم تنعقد إلا بعد مرور ثلاثة أشهر رغم أن الدستور يصفها بـ"الشهرية")!!
كانت قد مرت علي فترة طويلة دون أن تتاح لي الفرصة لأتابع مثل هذه الجلسات التي يتم بثها مباشرة على الإذاعة والتلفزة. وكانت هذه هي المرة الأولى التي أشاهد في يومين متوالين جلستين بمجلسي البرلمان من البداية إلى النهاية.
ولأن الجلستين من الجلسات الأولى في هذه الولاية التشريعية الجديدة التي مازالت في شهورها الأولى ومازال يطاردها تعثر البدايات، فقد تصلحان لأن تكونا بمثابة المقدمات التي تنبئ بالنتائج، كما يفيدنا المنطق. وقد تكونان بمثابة "الصباح" الذي ينبئ بحالة النهار، كما في هذا المثل الذي يردده المغاربة: "النهار الزين كيبان من صباحو"، وهو مثل يستعمل في سياق الدلالة على المعنى المخالف؛ أي "النهار الخايب ...".
والحقيقة أن الجلستين كانتا وفيتين في نقل الصورة الحقيقية للبرلمان المغربي. وهي صورة تعكس واقع "المؤسسات المنتخبة" كما هو، وتنقل لنا بكل شفافية كيف يتمثل الكثيرون من البرلمانيين، الذين "ناضلوا" بالغالي والنفيس، وصرفوا ما يملكون وما لا يملكون ليحوزوا العضوية في البرلمان، (كيف يتمثلون) أدوارهم داخله ووظائفهم فيه.
في جلسة مجلس النواب؛ "أسئلة" النواب لا تَطرح السؤال، وأجوبة الوزراء لا تُقدم الجواب، وحتى التعقيبات فهي لا تُعقب!! وفي كثير من المرات، لا يختلف سؤال النائب عن جواب الوزير، ولا يستطيع المُشاهد أن يُفَرِّق بين تعقيب النائب ورد الوزير. كل ما يُبَثُّ في الناس، من الكلام والصور والمَشاهد، رتيب، ممل، يُدْخِل كل من وجد نفسه يتابع الجلسة في حالة سأم وفتور تجعله لا يفكر أبدا في أن يجمعه القدر معها مرة أخرى.
وفي جلسة مجلس المستشارين، لا يقل الوضع سوءا. بعد أن تقدم رئيس الحكومة بعرضه، بدأ المستشارون، رؤساء الفرق والمجموعات، في إلقاء مداخلات ليست في الحقيقة إلا نسخا مصغرة و"ملونة" مما ورد في عرض رئيس الحكومة، الذي يتعاملون معه كما لو أنه رئيسهم، حيث التثمين المبالغ فيه الذي يصل حد التمسح والتزلف. وهو ما يطرح سؤال الجدوى من عقد تلك الجلسة الشهرية، التي نص عليها دستور 2011 وخصص لها حيزا مهما من الفصل 100. ما الفائدة منها إذا كان رئيس الحكومة سيَمْثل شهريا أمام أعضاء البرلمان، ليستمع إلى نفسه في كلام النواب والمستشارين؟! والحال أن هؤلاء إنما وجدوا هناك من أجل أن يسائلوه لا أن يجاملوه، وأن يحاسبوه لا أن يغازلوه!
في مجمل زمن الجلسة الشهرية بمجلس المستشارين، كان المشاهد أمام عرض واحد ووحيد قُدِّم في نسختين؛ واحدة على لسان رئيس الحكومة، والأخرى على لسان المستشارين!!
لقد كانت جلسة مجلس النواب بلا طعم ولا رائحة، وكانت جلسة مجلس المستشارين بلا روح.
لا يرتبط هذا الوضع فقط بالبرلمانيين كأفراد وبمدى توفرهم على القدرات (المعرفية والسياسية) التي تسمح لهم بأداء المهام البرلمانية في تمثيل الشعب وممارسة السلطة التشريعية ومراقبة الحكومة، فهذا أمر ظل دائما يُطرح عند بداية كل ولاية تشريعية، وسيظل يُطرح مادام المترشحون يتوارثون نفس الغايات التي من أجلها يسعون إلى ولوج البرلمان، ومادامت الدولة نجحت في تعميم نفس البروفايل/ النموذج للمرشح لدى جل الأحزاب، ومادامت الانتخابات تحكمها نفس القواعد منذ انطلاقها بالمغرب.
المشكلة هنا لا تقف عند مستوى كفاءة البرلمانيين وقدراتهم، فلو كان الأمر كذلك لكان أهون. إن المشكلة تمس السياسة في وجودها. وهذا ما تعبر عنه الصورة التي عكستها جلستا يومي الاثنين والثلاثاء، حيث انعدمت السياسة في مؤسسة لا قيمة لها إذا خلت من السياسة. لقد كشفت الجلستان، على الهواء مباشرة، عدم وجود المعارضة. وحين تنعدم المعارضة، لن يكون أي معنى للحديث لا عن البرلمان ولا عن الحكومة ولا عن الديمقراطية أو التعددية... فالمعارضة مكون من مكونات النظام الديمقراطي ومظهر من مظاهر التعددية، ودليل على وجود السياسة. وعندما تنعدم، يصعب أن نتحدث عن الديمقراطية والتعددية، بل وعن السياسة.
منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، ظهر أن البرلمان سيخلو من المعارضة (أتحدث عن المعارضة البرلمانية)، وتأكد هذا بعد انطلاق "مشاورات" تشكيل الحكومة وعند تعيينها. واليوم، يتأكد من خلال الأداء الذي نتابعه منذ ثلاثة أشهر أن البرلمان بلا معارضة (أقصد المعارضة الفعلية، البارزة والمنظمة). وهذا وضع لم يعشه البرلمان المغربي منذ أكثر من أربعة عقود.
باختصار شديد: بدأ هذا البرلمان الجديد ولايته منهكا. ويظهر، من خلال هذه الانطلاقة المتعَبة، أنه لن يقوى على أداء مهامه كسلطة تشريعية ورقابية مستقلة عن السلطة التنفيذية، بما يضمن التوازن السياسي بينه وبين السلطة التنفيذية. ولعل مقدمات هذه الولاية التشريعية، من خلال خلو مؤسسة البرلمان من السياسة، تنبئ بحالة "فراغ سياسي"؛ وقد بدأت ملامح هذا الفراغ في الظهور حتى قبل أن تنتهي الدورة الأولى من الولاية التشريعية.
نعم، المعارضة لا تمارس حقها في الوجود فقط داخل المؤسسات، ولا ترفع صوتها فقط في البرلمان. الشارع هو الآخر مجال لممارسة المعارضة؛ وهو مجال واسع وفسيح، بل وغير محدود. وكلما جرى تضييق مساحة المعارضة داخل المؤسسات أو تحجيمها، اتسعت مساحاتها في الشارع؛ الفضاء الأرحب والمفتوح على جميع الاحتمالات. وقد جعل منه المغاربة، على مر العقود والسنوات، فضاء للتعبير والاحتجاج، بل ولممارسة المعارضة بصوت مرتفع ونافذ.
إن لكل ساحة من ساحات المعارضة كلفتها وآثارها، سواء بالنسبة إلى الدولة أو بالنسبة إلى المجتمع. ويبدو أن أولئك الذين كانوا وراء هندسة هذه "الخريطة السياسية" التي تستهدف السياسة لم يُقَدِّروا كلفة هندستهم؟ 
وإذا كانت "الطبيعة تخشى الفراغ"، كما قال أرسطو، فإن على الدولة أن تخشى "الفراغ السياسي"، لأن طبيعة المجتمع تمقته وتأباه.