الأربعاء 25 مايو 2022
كتاب الرأي

اسماعيل فيلالي: الهدر المدرسي عنوان لفشل المنظومة التعليمية

اسماعيل فيلالي: الهدر المدرسي عنوان لفشل المنظومة التعليمية اسماعيل فيلالي

بالرغم من الإصلاحات المتوالية التي تم إطلاقها في المغرب، منذ سنوات، لمواجهة اختلالات المنظومة التربوية بصفة عامة ومواجهة الهدر المدرسي بصفة خاصة؛ فإن الواقع يبقى مخالفا لكل الطموحات والاحلام. فالمعطيات الرسمية تشير إلى أن أزيد من مليون تلميذ مغربي غادروا المدرسة خلال المواسم الدراسية 2019/ 2020/ 2021، موزعة بالفعل على مستويات التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي.

 

الرقم يعد كبيرا بالنظر إلى أن المغرب يرفع منذ سنوات إجبارية التعليم، ويرفع شعار الجودة والحكامة وحسن التدبير، أرقام يجب أن تؤرق المسئولين على تسيير الشأن التعليمي وعلى رأسهم وزير التربية الوطنية الجديد ومديرو الأكاديميات والمديرون الإقليميون ويدفعهم إلى البحث عن الحلول للحد من هذه الظاهرة التي لن يستقيم معها إصلاح التعليم ، وإذا عدنا إلى جمع عدد التلاميذ الذين ينقطعون عن الدراسة في السنوات الماضية فإن الرقم لا محالة سيكون أكبر بكثير في مختلف المستويات التعليمية ولأسباب مختلفة ومن الواضح أن نسبة الانقطاع عن الدراسة ازدادت مع جائحة كورونا والإضرابات المتتالية للمتعاقدين.

 

إن متابعة التلاميذ للدراسة هي مسؤولية الوزارة والأكاديميات والمديريات الإقليمية، بل هي مسؤولية الدولة كاملة، نعم هناك أعطاب كثيرة تعرفها منظومة التربية والتكوين على مستوى التدبير المالي والإداري والتربوي، لكن الخطير فيها هو هذه الظاهرة التي يغادر فيها "أطفال المستقبل" المدرسة ويحالون على الشوارع لمواجهة الواقع المرّ ومشاقّ الحياة  في وقت مبكر من حياتهم الشقية، والأخطر في الأمر هو أنهم سيعودون لمضاعفة أرقام الأمية لتغيب عنهم أبجديات الكتابة والقراءة التي بالكاد تعلموها... الانفصال عن الدراسة نتاج المنظومة التربوية الهجينة وارتفاع عدد المفصولين والمنقطعين هو خير دليل على هذا الترهل الذي تعرفه المنظومة التربوية؛ لأن التلميذ هو محور العملية التعلمية والتعليمية وقطب الرحى فيها، فإذا لم تستطع المدرسة احتضان التلاميذ، فلا حاجة للحديث عن الجودة والحكامة وحسن التدبير ولا حاجة لتوقيع عقود نجاعة الأداء من أجل ترسيخ منهجية الحكامة، لا حاجة لنا لتحديد سن اجتياز مباراة التعليم، لا حاجة أيضا للحديث عن نجاح  القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي ومخرجاته إذا لم تعط الأولوية لمعالجة هذه الظاهرة التي تهم مختلف مكونات المجتمع ومستقبل البلاد بصفة عامة.. لأن العبرة بالنتائج وليس بالكلام... فإذا وجدنا انقطاع أكثر من 350 ألف تلميذ وتلميذة يغادرون المدرسة كل سنة، فلا حاجة لنا أن نتكلم عن أي إصلاح...

 

إن تفعيل المبدأ الدستوري الذي يقضي ربط المسؤولية بالمحاسبة يجب أن يبدأ من هنا، فكل مسؤول وطني أو جهوي أو اقليمي لم يجد حلولا لهذه الظاهرة يجب أن يحاسب.. لأن المؤشر الحقيقي للحكامة الجيدة وحسن التدبير وتحمل المسؤولية هو أن يضمن كل أبناء المغرب مقعدا لهم في المدرسة تبعا للاتفاقيات المتعلقة بالحق في التعليم التي صادق عليها المغرب ولم تجد طريقها إلى التفعيل كما هو مطلوب، خاصة بالنسبة إلى الأطفال المنتمين إلى الطبقة الاجتماعية الهشة...

 

إن ضمان التلاميذ لتعليم منصف ودامج يجب أن يكون أولوية حقيقية، ونتيجة حتمية لكل إصلاح حقيقي لأن تفشي ظاهرة مغادرة المدرسة، يطرح أسئلة ملحة حول فعالية هذا الإصلاح والحكامة الجيدة المزعومة وطريقة تنزيلها، ومنها البرنامج الاستعجالي الذي تم فيه تبذير أكثر من 50 مليار درهم دون ملاحقة المفسدين الذين عاثوا فيه فسادا، وكم كان الأمل كبيرا أن تتابع الدولة المفسدين الذين تورطوا في هكذا تبذير لكن كل شيء ذهب مع الريح...

 

وفي محاولة لمعالجة ظاهرة الهدر المدرسي يبدو أن الدولة تبحث عن حلول معقدة تبدأ بجر أولياء أمور التلاميذ المنقطعين إلى القضاء، من خلال مسطرة قضائية ستباشر في مواجهة الأسر التي تمنع أطفالها من التعليم الإلزامي...، وفي هذا الإطار فقد تم توقيع شراكة مع رئاسة النيابة العامة في عهد الوزير السابق للقيام بالمطلوب... إن مسؤولية ولوج الأطفال إلى التعليم هي مسؤولية الدولة أولا، التي يجب عليها أن توفر بنيات الاستقبال والموارد البشرية الضرورية الكافية والمؤهلة، واتخاذ الإجراءات المرتبطة بتحقيق العدالة المجالية من بناء داخليات ومدارس جماعاتية، موزعة على عموم قرى وبوادي المملكة، لأن هؤلاء التلاميذ  هم  ضحايا السياسة التعليمية الفاشلة  المتبعة، ولا ذنب إطلاقا للأسر فيها.. كما يجب على السيد الوزير الجديد أن يبحث عن الأموال الطائلة التي تنهب من تحت الطاولات من لدن المسؤولين عن القطاع، حيث أن نهب الأموال بطرق ملتبسة هو ديدن الكثير من ضعاف النفوس والملهوفين الذين أصبحت روائحهم تزكم الأنوف، حيث انتشرت ظاهرة الاكراميات من لدن الممونين والمقاولين في كل توقيع على مصاريفهم من الآمرين بالصرف الذين لهم أحلام يغطيها سقف من الطموحات الشخصية والفوز بالمال  والمناصب، ولا يهمهم إطلاقا مصير هؤلاء التلاميذ ليبقى مستوى المسؤولية دون الصفر ودار لقمان على حالها إلى إشعار آخر...

 

إن الكثير من هؤلاء المسؤولين المنمقين  يتشدقون بحب الوطن وخدمة الصالح العام وهم يمارسون ممارسات يندى لها الجبين، أن حب الوطن ليس مجرد كلام، وإنما هو قدرة العمل الصادق والخلاق والمبدع، وأن نكون على قدر عال من المسؤولية تجاه العلاقة التي تربطنا بهذا الوطن وبأبنائه، وبقدرتنا على حماية المدرسة المغربية التي تعتبر مشتلا لجيل المستقبل الذي سيتحمل مسؤولية هذا الوطن... فحق التلميذ في الاستفادة من التعليم في إطار المساواة وتكافؤ الفرص هو المبدأ الذي يكرّسه دستور المملكة وهو الذي يجب أن تعمل الوزارة الجديدة على تثبيته على أرض الواقع...