الجمعة 20 مايو 2022
فن وثقافة

مذكرات امحمد التوزاني: تفاصيل مشاركتي في تسليم رفات الأمير عبد القادر الجزائري بعد الانقلاب على بن بلة (ح: 13)

مذكرات امحمد التوزاني: تفاصيل مشاركتي في تسليم رفات الأمير عبد القادر الجزائري بعد الانقلاب على بن بلة (ح: 13) امحمد التوزاني يتوسط الأمير عبد القادر الجزائري (يمينا) والرئيس السابق أحمد بن بلة

المناضل امحمد التوزاني.. سليل حركة التحرر المغاربية والعربية من مواليد سنة 1938 بتازة، حمل في المنفى 13 اسما حركيا، من بينه خالد (بتسكين اللام) وحسن.. صديق الروائي والقاص والصحفي الفسلطيني غسان كنفاني ورفيق درب المناضل الاتحادي المرحوم الفقيه البصري. ناضل بمعية وتحت قيادة الشهيد المهدي بنبركة وعبد الرحمان اليوسفي ومحمد باهي، وغيرهم..

التحق بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية في مرحلة التأسيس وتكلف ضمن اللجنة التنظيمية للمؤتمر بالجانب التنظيمي واللوجستيكي إلى جانب المرحوم مصطفى القرشاوي وفاضل الناصري وأحمد الخراص.

التقى أول مرة بالشهيد المهدي بنبركة عام 1962 حين كلف بمهمة استقباله بفاس والذهاب به إلى تاهلة ليؤطر تجمعا جماهيريا كان قد هيأ له الفرع الحزبي هناك.

ساهم في تأسيس حركة الاختيار الثوري بعد انتقاله إلى باريس إلى جانب عبد الغني بوستة السرايري وأحمد الطالبي المسعودي رغم كفره بمغامرات قائده ومثله الأعلى محمد الفقيه البصري..

"أنفاس بريس" تنشر مذكرات المناضل امحمد التوزاني، والتي تسلط الضوء على حقبة مهمة من تاريخ المغرب السياسي...

 

+ الأستاذ امحمد التوزاني، في حلقة سابقة ذكرت عبارة مرتبط بالثقافة العسكرية وهي "النظام المنظم" فهل يمكن أن تتفضل بشرحها للقراء؟

- النظام المنظم هو عبارة عن تشكيلات عسكرية تتدرب على أنواع النظام المنظم، وهو أشكال هندسية وتحركات جماعية للضباط لتقديم العروض العسكرية المتنوعة في مختلف الاحتفالات الرسمية وفي الاستقبالات، والهدف منها إما رفع معنويات الشعب أو إظهار مدى جدارة وكفاءة الجيش، وهنا تجب الإشارة إلى أن شعار الجيش العربي السوري هو "الجيش للحرب والإعمار".

 

+ وماذا عن قصتك مع الانقلاب ضد على بن بلة واعتراف القيادة السورية ببومدين؟

- في 19 يونيو من سنة 1965 نفذ بومدين انقلابا على بن بلة، وفي أحد أيام الأسبوع الثاني من شهر يوليوز وبينما كنت بحصة تدريبية بالكلية سمعت المناداة علي كي ألتحق بالإرة عاجلا وكانت الساعة حوالي الثالثة والنصف بعد الزوال. أخذت الإذن من الضابط المكلف بالتدريب وذهبت جريا حيث الإدارة تبعد عن مكان التدريب بحوالي ثلاث كيلومترات وأنا متخوف من سماع خبر سيء عن عائلتي. لما وصلت أدخلوني عند مدير الكلية، فلاحظ أنني مجهد بسبب التدريب والجري والخوف من سماع الأخبار السيئة فاستقبلني بلطف وقال لي إنه فقط يريد أن يتطارح معي موضوع ما. فقال لي ارتح قليلا وقدم لي الماء  القهوة وسيجارة وهدأ من روعي وأزال التكلف بيننا، وفي هذه اللحظة لم أعد أحس به على أنه قائد أعلى لي وإنما صديق. وحين استرجعت أنفاسي وبمبادرة منه جرى بيننا الحوار التالي:

( - هل تعرف الوضع في الجزائر؟

- نعم أعرف بعض الأشياء خصوصا التي تذيعها إذاعة صوت العرب من مصر عن جبهة التحرير الجزائرية.

- هل الهواري بومدين عربي؟

- نحن في المغرب العربي كلنا أمازيغ ومسلمون.

- هل بومدين يعرف اللغة العربية؟

- نعم.

- وأين كان يدرس؟

- حسب معلوماتي كان طالبا بجامعة الأزهر.

- وهل هناك معلومات أخرى تعرفها عنه؟

- أعرف أنه كان في المنطقة العسكرية السادسة بجبهة التحرير بوجدة بالمغرب الشرقي هو وعبد العزيز بوتفليقة).

 

+ لكن لماذا هذه الأسئلة؟

- لقد قام بومدين بانقلاب على بن بلة في 19 يونيو. قلت له سمعت النبأ بإذاعة لندن، وحينها تفاجأ وقال لي وهل تملك جهاز راديو رغم أنه ممنوع على الطلبة. قلت له أنني أخبئه تحت مخدتي.

قال، المهم جل الدول اعترفت بالسلطة الجديدة في الجزائر ونحن لم نعبر عن موقفنا لحد الآن.

أجبته، وماذا تنتظرون؟ فالأمر الواقع يقتضي ذلك. قلتها ضاحكا، ولما أحسست أنني تجاوزت البروتوكول العسكري. نهضت وقدمت له التحية العسكرية وطلبت الإذن بالانسحاب. فأمرني بالعودة إلى التدريب.

لما عدت سألني العشرات من الزملاء عن سبب دعوتي من طرف الإدارة، وامتنعت عن إجابة أي منهم ومع أخبار الثامنة والنصف ليلا أعلن التلفزيون السوري عن اعتراف الدولة السورية بالسلطة الجديدة بالجزائر، وحينها وقفت أمام الطلبة وقلت لهم لأجل هذا استدعتني اليوم إلى إدارة الكلية.

 

+ السي امحمد وأنت بالكلية الحربية اغتيل الزعيم اليساري المهدي بنبركة، فكيف كان موقف القيادة السورية من العملية وماذا عن تبعات ذلك على الطلبة المغاربة بسوريا؟

- لما اختطف المهدي بنبركة في 29 أكتوبر 1965 أعلنت القيادة السورية إدانتها لعملية الاغتيال واعتبرت أن اختطاف المهدي كان بأيادي الحكام المغاربة بتعاون مع الفرنسيين والإسرائيليين والأمريكيين، ونتيجة لذلك قطعت الدولة المغربية علاقاتها بسوريا وقررت عودة الطلبة المغاربة إلى بلادهم، فعاد أغلبية الطلاب وخصوصا الممنوحين من المغرب وبقي البعض الآخر، منهم أنا شخصيا و الحبيب طالب وعبد الوهاب مروان ومحمد مطيع ومحمد قادة وحسن الذهبي وملوك الشافعي وعيسى انتظام وعلي الطود وعبد اللطيف الطود وعبد اللطيف عواد وغيرهم.

وقد طلبت مني إدارة الكلية أن أكتب ملخصا عن حدث اختطاف المهدي وأسبابه، فأنجزت ما طلب مني وكان عددا من معلوماتي مستمدة من جريدة الطليعة المصرية التي اهتمت كثيرا بمسيرة المهدي وظروف اختطافه.

 

+ من المعروف أنك كنت ضمن بضعة طلبة عرب بالكلية الذين تكلفوا بتسليم رفاة الأمير عبد القادر الجزائري إلى عبد العزيز بوتفليقة فكيف تمت مراسيم إعادة دفنه بالجزائر؟

- كان ذلك مباشرة بعد الانقلاب على بن بلة، ولكي تصلح السلطة الجديدة بالجزائر سمعتها أمام الأنظمة التقدمية بالعالم بعد الانقلاب على قائد الثورة الجزائرية بن بلة قامت ببعض المبادرات الوطنية والقومية منها قرار إعادة جثمان المجاهد عبد القادر لدفنه بوطنه، وحينها تم اختياري ضمن بضعة طلبة عرب من جنسيات متنوعة للقيام بمهمة النبش في قبر الشهيد و تسليم رفاته للقيادة الجزائرية.

حضر وزير خارجية الجزائر عبد العزيز بوتفليقة إلى دمشق ومعه وفد جزائري مرافق، في حين نحن فريق الطلاب من الكلية الحربية بحمص ذهبنا إلى المقبرة بدمشق برفقة عدد من المدنيين وتحت إشراف طبيب وفقيه. نبشنا القبر وأخرجنا الرفاة ووضعناها في الصندوق. أقيمت مراسيم التسليم، وكان عبد العزيز بوتفليقة يرأس الوفد الجزائري من على المنصة وكان رئيس دولة سوريا نور الدين الأتاسي يرأس وفد سوريا وإلى جانبه كان وزير الخارجية ووزير الدفاع وغيرهما، كما حضر مراسيم التسليم عددا من الأجانب وخصوصا من الاتحاد السوفياتي. نظم استعراض عسكري وقدمنا التحية لبوتفليقة وسلمناه جثمان الشهيد فأودع الصندوق بسيارة سوداء التي انطلقت إلى المطار وهي تحمل العلمين السوري والجزائري.