السبت 28 مايو 2022
سياسة

احزرير: الأغلبية الحالية ترتهن لشبكات مصلحية والمستهلك هو الطرف الضعيف في المعادلة

احزرير: الأغلبية الحالية ترتهن لشبكات مصلحية والمستهلك هو الطرف الضعيف في المعادلة عبد المالك احزرير
يرى عبد المالك احزرير، أستاذ القانون العام بجامعة مولاي اسماعيل بمكناس، أن الأغلبية الحالية غير متشبعة حتى ببرنامجها الحكومي، بل إنها غير مستوعبة لمضمونه ولا لرهاناته وأهدافه، الأمر الذي يقود إلى التصويت الأوتوماتيكي استنادا على أغلبية عددية وتهميش المعارضة التي تبدو عاجزة – من وجهة نظره – عن تقديم معطيات ذات طابع اقتصادي ومالي ونقدي خلافا للشبكات المصلحية للباطرونا التي تتمكن من تمرير عدد من التعديلات ، مؤكدا بأن الطرف الضعيف في هذه المعادلة هو المستهلك الذي يؤدي فاتورة هذه الصراع المصلحي عند كل سنة مالية.
 
كيف تنظر إلى لمشهد السياسي الحالي في ظل هيمنة الأغلبية الحالية مقابل ضعف أحزاب المعارضة؟ 
من المفارقات الكبيرة جدا أنه لما كانت المعارضة غير مكرسة دستوريا كان لها باع طويل، لأنها كانت مرتبطة بالشارع، وكان يغلب عليها الطابع الاحتجاجي أكثر من الطابع المؤسساتي. ولكن لما عملنا على مأسسة هذه المعارضة وأعطيناها قوة دستورية ستمكنها من العمل بطريقة دستورية وشرعية، وقع الخلط بين الحكومة والبرلمان سواء على مستوى الخطاب أو على مستوى السلوك السياسي لدرجة أننا لا نفرق اليوم ما بين الحكومة والمعارضة، نفس الخطاب، نفس السياسات، نفس الممارسات.. لنأخذ نموذج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لما كان خارج الحكومة كان يتمتع بامتداد جماهيري كبيرا جدا، مما منحه إمكانية بناء خطاب سياسي قوي جدا، وكان المثقف العضوي بتعبير «غرامشي» يلعب دورا كبيرا، وهنا أذكر بخطابات البرلماني السابق فتح الله ولعلو أثناء تحليل القانون المالي في حكومة المعطي بوعبيد لما كان الجواهري وزيرا للمالية، والتي كانت تحظى بمتابعة الجميع لدرجة أن المواطنين كانوا يستمعون لخطابات ولعلو أكثر من الجواهري في ما يتعلق بتقديم القانون المالي.. كانت علاقة أحزاب المعارضة بالمواطنين علاقة شعورية لأنها كانت مرتبطة بمشاكل المواطنين وهمومهم. ولكن بعد حكومة التناوب وقع الخلط لدرجة أنه خاب الظن في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ولما حاول هذا الحزب العودة إلى المعارضة تبين أن الشارع لفظه، حيث فقد تلك الحظوة وذاك الثقل الذي كان يمتلكه، لدرجة أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حاول جاهدا الدخول في حكومة أخنوش وووجه بالرفض. نحن أمام مرض المعارضة، بل ومرض الديمقراطية نفسها، رغم التحسينات التي أدخلت على عدد من القوانين بما في ذلك الوثيقة الدستورية، والسبب يعود لكون الأحزاب اليوم تراهن على حشد كل شيء. فرهانها اليوم هو جمع مزيد من الأصوات لشغل المناصب في البرلمان أو تشكيل الأغلبية، وهو رهان عددي وغير مرتبط بالقناعات الإيديولوجية ونسق القيم وانتقاء النخب كما كان الأمر في السابق، كما أن كل الوظائف التي كانت تضطلع بها الأحزاب تعطلت مما كان له انعكاس سلبي على بنية المعارضة وعلى مؤسسة المعارضة. وفي الأخير أشير إلى أن هناك أحزابا اليوم لا تمتلك ثقافة المعارضة ويمكن أن نعطي مثال حزب الحركة الشعبية والأحزاب التي كانت في خانة اليمين، حيث ظلت تشارك في مختلف الحكومات المتعاقبة منذ عام 1956، كما أنها تفتقر إلى نخب يمكنها انتقاد الحكومة أو تحليل برنامج الحكومة ومدى تنفيذه أو ترجمته، وخاصة في ما يتعلق بالمشاكل ذات الطابع التقني أو الاقتصادي أو المالي
 
البعض يرى أن الأغلبية الحالية تردد مجموعة من الشعارات التي لا يتم تصريفها من خلال إجراءات ملموسة وخير دليل هو مشروع قانون المالية وقرار تحديد سن ولوج قطاع التعليم، ما رأيك؟
في جميع الحكومات وليس فقط اليوم، من الصعب ترجمة الأجندة السياسية المطروحة خلال الانتخابات في السياسات الحكومية، لأن الممارسة الحكومية تكتسي طابعا عقلانيا مرتبطا بعدة إكراهات، كما أن المرجعية الأجنبية تكون هي الطاغية. ولا أعتقد بأن تمرير قوانين المالية يتم عبر الأغلبية والمعارضة، فالمناقشات المتعلقة بالمنظومة المالية تتعلق بمنطق ديمقراطية المصالح، حيث تخضع لموازين القوى والصراعات، فهل للحكومة القدرة على تحقيق التوافق بين هذه المصالح ؟ في هذا المستوى يظهر عجز الحكومة.
 
لماذا في نظرك لا تعترف الأغلبية الحالية بحقوق الأقلية البرلمانية التي تعترف بها مختلف الأنظمة الديمقراطية، من خلال رفضها التجاوب مع المقترحات التي طرحتها بشأن مشروع قانون المالية؟
يمكن القول إننا بصدد أغلبية أوتوماتيكية. فمنظومة النخب المتواجدة في البرلمان ليست مثل نخب الأمس. فالمعارضة تبدو غائبة، والأغلبية تبدو غير متشبعة ببرنامجها الحكومي، بل إنها غير مستوعبة لمضمون البرنامج الحكومي ولا لرهاناته وأهدافه، وهو الأمر الذي يقود إلى التصويت الأوتوماتيكي استنادا على أغلبية عددية، علما أنه ليس من الضروري على كل برلماني مساندة الحكومة بالإطلاق حتى وإن كان ينتمي للأغلبية، فالإطلاق لله كما يقول الفرنسيون، فكيف يعقل التصويت على القانون المالية بشكل أوتوماتيكي مع العلم أن هناك انتقادات كثيرة جدا..
 
هناك من يقول إن الأغلبية الحالية ترتهن لضغط لوبيات ومصالح معينة، ما رأيك؟ 
للأسف، الخطاب السياسي في واد، بينما واقع السياسات العمومية في واد آخر، لأن الحكومة مرتبطة بإكراهات ومرجعيات دولية، ومرتبطة بضغط شبكات مصلحية للباطرونا على مستوى البرلمان ومجلس المستشارين، وهو الأمر الذي يمكنهم من تمرير مصالحهم عند كل سنة مالية، وخاصة على المستوى الضريبي، في حين أن الطرف الضعيف في هذه المعادلة هو المستهلك، الأمر الذي يقود إلى التخفيف عن الشبكات المصلحية ومزيد من الضغط على المستهلك الذي يفتقد إلى التنظيم وإلى شبكات، كما أنه لا يحظى بدعم الأحزاب ولا حتى الأغلبية، مما يجعل المستهلك في كل سنة مالية يؤدي فاتورة الصراع المصلحي الذي يمرر عبر الغرف الفلاحية والتجارية والصناعية وقطاع الخدمات وغيرها وعبر مصالح الباطرونا، وصولا إلى الحكومة من أجل تنفيذه. بل أكثر من هذا فالمهنيون المنظمون يمدون الحكومة بمعطيات ذات طابع اقتصادي ومالي ونقدي أكثر مما تمتلكه الحكومة نفسها، وهو الأمر الذي تبدو المعارضة عاجزة عن تقديمه.
 
د.عبد المالك احزرير/أستاذ القانون العام بجامعة مولاي اسماعيل بمكناس