الأحد 28 نوفمبر 2021
اقتصاد

فوضى بفضاءات وجدة بسبب تكدس الأسواق العشوائية والباعة المتجولين واحتلال الملك العمومي‎‎

فوضى بفضاءات وجدة بسبب تكدس الأسواق العشوائية والباعة المتجولين واحتلال الملك العمومي‎‎ ساحة باب سيدي عبدالوهاب بوجدة تحولت إلى سوق فوضوي

رغم تضاعف عدد سكان المدينة الألفية عشرات المرات منذ بداية القرن الماضي إلا أن المدينة القديمة لم تعرف توسعا أو توسيعا يذكر ولا زيد في شوارعها أو طرقاتها لتمتص الازدحام ولا احتفظ بساحاتها وبساتينها وضيعاتها ولا وضع لها تصاميم مستقبلية تـأخذ بعين الاعتبار هذا التوسع العمراني الحضاري.

 

تعب الشيخ من طيلة الوقوف وجلس القرفصاء على الرصيف بعد أن عجز عن إيجاد مسلك بوسط مدينة وجدة المدينة القديمة التي تحولت إلى غابة أشجارها مُشَكّلة من أجساد بشرية مختلفة الأحجام والقامات تتحرك بقوة تارة جهة اليمين وتارة أخرى جهة اليسار ثم تتوقف، قبل أن تستأنف تحركها في حركة واحدة كأمواج البحر الهائج، في تدافع بالأكتاف والأيدي المتشابكة، ثم تتدفق تلك الأجساد البشرية تفوح روائح عرقها وأنفاس أفواهها، تخنق الرئات المصابة بالحساسية والربو...

عجز الشيخ الذي تجاوز عمره السبعين سنة عن العثور على منفذ، وتراجع عن مغامرة الدخول في غمار هذا البحر البشري المتلاطم والخوض في عبابه وأطلق لسانه لاحتجاجات لم يكن يسمعها إلا هو، مُجسّدا إياها بحركات بطيئة ومرتجفة بيديه "منين جا هاذ البشر، منين جا؟ هاذي القيامة...واش ما بقاتش الموت؟ الجراد هذا...الجراد..." ثم أقسم ألا يخرج من بيته ومن حيّه، بعد ذلك اليوم، إلا بعد أن تخلوَ له الطرقات من مرتاديها وتفرغَ له المدينة من زوارها وتعود إلى سكونها وهدوئها...

مدينة ضاقت بسكانها

رغم تضاعف عدد سكان المدينة الألفية عشرات المرات منذ بداية القرن الماضي إلا أن المدينة القديمة لم تعرف توسعا أو توسيعا يذكر ولا زيد في شوارعها أو طرقاتها لتمتص الازدحام ولا احتفظ بساحاتها وبساتينها وضيعاتها ولا وضع لها تصاميم مستقبلية تـأخذ بعين الاعتبار هذا التوسع العمراني الحضاري.

لقد قفز سكانها من أقل من 7 آلاف نسمة في بداية القرن الماضي إلى أكثر من 500 آلف نسمة حاليا بل يقسم بعضهم أنها تصل في الصيف إلى المليون ونصف المليون نسمة، باحتساب المغتربين والسياح والزوار وسكان الأحياء الهامشية وحتى المتسولين الذين حجوا إليها من مناطق أخرى من المغرب.

فالوجديون الطاعنون في السن يعرفون أن وجدة المدينة القديمة لم تتغير منذ عشرات السنين إلا من تناسل البنايات كالفطر وتحول حدائقها إلى بنايات إسمنتية شوهت معالمها وتتنافس المجالس البلدية السالفة واللاحقة على محاربة غابة سيدي معافة والقضاء على المساحات الخضراء وتشجيع الأسواق والقيساريات التي ازدهرت مع تنامي ظاهرة التهريب خلال العشرين سنة الماضية على حساب جمالية المدينة ومحيطها البيئي وأمن وطمأنينة سكانها، ثم تحولت دكاكين أغلبها، اليوم، إلى فضاءات فارغة رغم مواقعا الاستراتيجية وسط المدينة .

"تحولت منازل بأكملها إلى قيساريات وسط أحياء آهلة بالسكان وتناثرت الدكاكين والمحلات التجارية والبراريك بشكل عشوائي واحتلت المداخل والمسالك بمباركة المسؤولين من سلطات محلية ومنتخبة"، يشرح أحد سكان عمارات شارع علال الفاسي المتواجدة بمحاذاة سوق الفلاح وسط مجموعة من القيساريات داخل المدينة القديمة ، بمحيط شارع علال الفاسي ودرب امباصو وساحة سيدي عبدالوهاب التي لم تعد قادرة على استيعاب عشرات الآلاف من السكان والزوار الذين يرتادونها يوميا حيث تنشط الحركة التجارية والاقتصادية.

وتساءل المواطن عن الدواعي التي جعلت المجالس الجماعية تصادق على تصاميم تلك القيساريات التي تجاوز عددها الـ 15 في مساحة جدّ ضيقة لا تتعدى 4 كلم مربع وتسمح بإقامها وسط أحياء مخصصة للسكن لا تتوفر إلا على أزقة ضيقة لا تستوعب حتى الكراريس فما بالك بالسيارات والشاحنات...

غصت المدينة بالسيارات وصعب عبور الشوارع والطرقات والساحات وعجز رجال الأمن عن تنظيمها، وامتلأت جوانبها بالسيارات الواقفة بحكم تدفق المغتربين وزاد في هذا الازدحام انعدام مواقف للسيارات وضيق الشوارع والطرقات وتمركز المؤسسات المصرفية والإدارات العمومية بها وعدم مسايرة المدينة لهذا الضغط.

فوضى احتلال الملك العمومي

ضاقت مدينة وجدة بسكانها وضاق السكان بمدينتهم، واكتظت بالسكان والزوار شوارعها وطرقاتها وأزقتها وساحاتها وأسواقها ، وزادها فوضى وعشوائية احتلال الملك العمومي من طرف التجار والباعة المتجولين والقارين والمناسباتيين والرسميين وأصحاب العربات المجرورة والمدفوعة، وأصحاب المقاهي... بعد أن سطوا على الأرصفة واحتلوا مواقع وسط الطرقات والساحات ووزعوها فيما بينهم وحددوا محيطهم بل منهم من أصبح يتاجر في كراء أمكنة وبقع الأرصفة والساحات... ورسم هؤلاء الباعة مناطقهم ونشروا أمتعتهم وعرضوا بضائعهم وسلعهم وتشاجروا وتحاربوا مع التجار أصحاب الدكالكين ومع زملائهم من أجل الحفاظ على تلك المواقع التي ملكوها بالقوة، بل قاوموا وجاهدوا حتى من أجل التوسع لامتلاك سنتيمترات أكثر.

تحكم الفوضى والعشوائية أزقة المدينة القديمة والأسواق والساحات وفي غياب القانون تراجع الأمن والنظام وتناسلت الأسواق اليومية أمام المساجد لاقتناص مصلين زبناء محتملين بعد الانتهاء من الصلاة، ووسط الأحياء السكنية، فزحفت العربات المجرورة والمدفوعة أمام أبواب المساجد وداخل الأزقة عند عتبات المنازل وتنافس التجار على حيازة الأرصفة " برًّا وجوًّا" بعرض أسلعتهم وتعليقها ولم يبق من الطريق العمومي إلا مترا أو بعضه احتله الباعة المتجولون الذين يبررون، ذلك بأنهم يكترون المكان ويؤدون "الواجب".

وأصبح المواطن العابر المسكين مجبورا على الزحف تحت المعلق أو القفز فوق المعروض، دون الحديث عن العطلة الصيفية وزيارة عمالنا في المهجر وأيام شهر رمضان الذي تستفحل فيه الأوضاع ويتضاعف عدد الباعة للمواد الاستهلاكية والمناسباتية، وتُعتقل الأرصفة وتُفرش الساحات وتختنق المدينة...رغم أن سبق وأن مُنِع على التجار بالمدينة القديمة إخراج البضائع والسلع خارج الدكاكين بعد انطلاق مشروع تأهيل المدينة العتيقة بمئات الملايين من الدراهم، وبعد ترميم بعد أزقتها وواجهات محلاتها التجارية وساحاتها الصغيرة وتزين أسقفها بالخشب...لكن رغم هذا المنع عاد بعض التجار إلى عادتهم القديمة أمام أعين قائد المنطقة والسلطات المحلية والمنتخبة.

أما أصحاب المقاهي فقد تجاوزت كراسيهم وطاولاتهم المساحات المخصصة لهم واستأثروا بالأرصفة وتركوا الطرق والشوارع للمارة الذين أرغموا على سلوك الطرقات وسط السيارات والشاحنات وغيرها، بل منهم من حاز الرصيف وتطاول على حقوق المارة من المواطنين وبناء ملحقة للمقهى فوقه بالإسمنت أو بغيره أمام أعين السلطات المحلية والمنتخبة، ضدا على القانون، وترك المواطنين عُزَّلاً مع السيارات والدراجات النارية مختلف العربات...

ورهن بعض التجار الرصيف بوضع صناديق أو إطارات السيارات أو آجورات لمنع السيارات من الوقوف أمام محلاتهم والاستئثار بنصيب من الطريق العمومية وإضافته إلى الملكية الخاصة فيما وضع بعضهم علامة "ممنوع الوقوف" أمام واجهة محله وحلّ محل البلدية...، في غياب الحملات الموسمية لمحاربة هذه الظاهرة وفرض القانون ورفع شعار "كم حاجة قضيناها بتركها".

لقد ساهمت المجالس الجماعية كذلك في هذه الفوضى بتفويت رخص استغلال محلات وكراء الساحات كمواقف السيارات بالشوارع وداخل المدينة القديمة مما عقد حركة السير وأضر بالمآثر التاريخية (ساحات القصبة، أسوار المدينة القديمة وأبواب القصبة التي تتأثر باهتزازات محركات السيارات والشاحنات ودخانها...) والتي لم يبق لعاصمة زيري بن عطية المدينة الألفية غيرها بعد أن تم ترميمها وتجميلها، في الوقت الذي كان يجب المحافظة عليها بمنع السيارت من الاقتراب منها والتفكير في إيجاد حلول لذلك وتوفير مواقف وتسهيل حركة السير والمرور لا سيما بساحة سيدي عبدالوهاب التي أصبحت جحيما لمن يعبرها، راجلا أو راكبا...

لقد أصبحت المدينة القديمة، وعاء تاريخ المدينة الألفية بمآثرها التاريخية، المسجد الأعظم والمدرسة العيقة و"ثلاث سقاقي، ومسجد حدادة، ومحكمة الأسرة ونافورة ساحة "بن عمر" ومدرسة سيدي زيان والقصبة، مُعرضة للتلف والاندثار، بعد أن تدخلت أيدي الباعة المتجولين والقارين والتجار في تغيير معالمها، وخير مثال ما طال نافورة "بن عمر" (سقاية بن عمر سابقا).

"إن القانون يحكم المتاجر والدكاكين والقانون يحكم الرصيف كما يحكم الزقاق والطريق والشارع والقانون يضبط الساحات والأسواق ونظامها والقانون يضبط السلوكات والتصرفات..." يرى أحد المحامين الذي كاد أن يدخل في صراع مع أحد الباعة على رصيف ، بعد أن رفض البائع فسح مسلك للمواطنين الذي تكدسوا تكدس بضاعته.

مشاريع إعادة الاعتبار للمدينة العتيقة

رصد غلاف مالي لبرنامج إعادة الاعتبار للمدينة العتيقة بوجدة ناهز 183.7 مليون درهم. واستفادت من المشروع المدينة العتيقة التي تمتد على مساحة 28 هكتارا، حيث وصل عدد البنايات بها إلى 1250 بناية. وتم إنجاز أكثر من 40 في المائة من المشروع همت ترميم شبكات التطهير والطرقات وترصيف الأزقة وبعض الساحات بغلاف مالي بلغ 7 ملايين درهم، وتدعيم البنايات الآيلة للسقوط وترميم دار السعادة وتنقية الخرب (5 ملايين درهم)، وإعادة بناء الأبواب التاريخية وترميم الأسوار (2 مليون درهم) وتهيئة حديقة للامريم (9 ملايين درهم)، وتهيئة ساحة وقيسارية المغرب العربي (5.79 مليون درهم، حيث شملت الأشغال في الساحة ، التي تمتد على مساحة 2500 مترا مربعا، عمليات الترصيف والإنارة والتشجير وبناء رواق الفنون وتجديد واجهات مسجد وقيسارية.

وخصص للتجديد الحضري لساحة باب سيدي عبد الوهاب غلاف مالي يبلغ 120 مليون درهم. وتم إنجاز هذا المشروع على شطرين، حيث تم في الشطر الأول بناء سوق جديدة للخضر والفواكه والتوابل بدل المستودع البلدي القديم، وترميم السور القديم بغلاف مالي إجمالي يبلغ 25 مليون درهم، فيما هم الشطر الثاني تهيئة ساحة عمومية وفتح طريق جديد بين ساحة المغرب العربي وسوق طنجة، وإعادة تهيئة السوق نفسه بغلاف مالي يبلغ 95 مليون درهم.