الأربعاء 6 يوليو 2022
سياسة

النهري: التكنوقراط في الحكومات المتعاقبة خطر على الحياة السياسية بالمغرب

النهري: التكنوقراط في الحكومات المتعاقبة خطر على الحياة السياسية بالمغرب حميد النهري

ما زال قرار شكيب بنموسي، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بتحديد السن الأقصى لاجتياز مباريات أطر الأكاديميات في 30 سنة، يثير الجدل، لما خلفه من إحباط وخيبة الأمل وسط العديد من الشباب الذين كانوا يترقبون بحماس المشاركة في هذه المباريات...

"أنفاس بريس" ناقشت حيثيات هذا الموضوع مع حميد النهري، أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بطنجة، عبر الحوار التالي...

 

+ ما هي قراءتك للأزمة التي خلقها القرار الذي اتخذته وزارة شكيب بنموسي حول سن الترشيح لمباريات أطر الأكاديميات؟

- آمل ألا نكون أمام نهاية أيام شهر العسل، حيث بدأت وعود الحكومة الجديدة تتلاشى بسرعة، وبدأت هذه الحكومة تخضع للضغوطات وللأمر الواقع، وأصبحت توجه ضرباتها نحو الشعب، وتتنصل من وعودها كما تنصلت الحكومات التي قبلها.

ونلاحظ ذلك هذه الأيام من خلال العديد من التصريحات والقرارات الصادرة، خصوصا عن الوزراء التكنوقراط.

فبعد التصريحات المستفزة للوزير المنتدب لقطع حول ارتفاع الأسعار نظام التعاقد أجور الأطباء... وذلك خلال مناقشة قانون المالية 2022. ها هو الوزير بنموسي يدلي بدلوه ويتخذ قرارا مخالفا للقانون!! بل ويدافع عنه بتصريحات مستفزة في الإعلام وكأن هذا القرار هو الحل لمشاكل التعليم والبطالة؛ مع أن الأمر يتجاوز مثل هذه المذكرات والإجراءات التي لن تزيد الوضع إلا سوءا.

 

+ هل يمكنك توضيح ذلك بتفصيل؟

- أعتقد أنه تبين أن هناك إجماعا على رفض هذه المذكرة المشؤومة؛ لأنها من جهة نجد مقتضياتها مخالفة لقانون الوظيفة العمومية الذي يحدد سن التوظيف في 45 سنة بالنسبة للفئات التي سترتب في السلم العاشر وضد القوانين الأساسية لأطر الأكاديميات والتي تحدد 40 سنة سقفا للتوظيف حسب آخر تعديل. ومن جهة أخرى حصر السن في 30 سنة سيحرم فئات واسعة من الشابات والشباب الذين كانوا ينتظرون هذه المباريات وسيدفع بهم ذلك إلى حالة من الإحباط. ولنناقش الأمر بطريقة صريحة ونطرح سؤالا حول: من هم وهن هؤلاء الشباب والشابات الذين سيتضررون من هذه المذكرة؟ سنجد أن أغلبهم من خريجي الجامعات ذات الاستقطاب المفتوح والذين هم في الحقيقة ضحايا لمذكرات وقرارات مماثلة لحكومات سابقة. إذن أحببنا أم كرهنا فإنهم وإنهن ضحايا سياسات سابقة. وحان الوقت أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في معالجة هذا الأمر عوض الإقبال على مثل هذه الإجراءات التي تهين طلبتنا وطالباتنا في حياتهم وتجعلهم يختارون التطرف أو الهجرة السرية.

وهنا لا بد من التذكير أنه في يوم ما أدلى وزير التعليم العالي السابق الداودي بتصريح مهين اعتبر فيه بأن مصير خريجي كليات الآداب وكليات الحقوق، هو البطالة، وأن ثقافة التوجه في نظره نحو دراسة الطب والهندسة أصبحت متجاوزة، وفرص الشغل بالنسبة إلى التقنيين أكثر بكثير منها بالنسبة إلى زملائهم في الآداب والحقوق؛ بل أكثر من ذلك اعتبر الداودي أن هؤلاء الخريجين يشكلون خطرا على البلاد.

هذا التصريح الذي خلف آنذاك موجة من الانتقادات على الوزير وعلي الحكومة لأنه تهجم وأهان فئة عريضة من شبابنا تلاميذ وطلبة ضاربا عرض الحائط تطلعاتهم وطموحاتهم نحو أمل الرقي الاجتماعي؛ بل أكثر من ذلك أنه تبين بالملموس خلال السنوات الأخيرة؛ وأن نتائج تلك السياسة كانت كارثية بكل المقاييس وعلى جميع المستويات، سواء (الجامعة أو التعليم التقني).. والأدهى من ذلك، وكالعادة، فإن هذه النتائج ظلت بدون محاسبة الوزير المسؤول عن هذه السياسة المهزلة، والتي ما زلنا للأسف نعاني من تبعاتها في الجامعة المغربية إلى يومنا هذا.

إذن المطلوب اليوم من بنموسي كوزير تكنوقراطي super star المعالجة السياسية لمشاكل التعليم بإجراءات تحترم القانون وتراعي مبدأ تكافؤ الفرص والوضعية الاجتماعية المأساوية لهذه الفئات، عوض اعتماد إجراءات تضرب مكتسبات شبابنا وتضحي بهم مع أنهم ضحايا سياسات حكومية سابقة جعلتهم في هذه الوضعية الصعبة.. وللإشارة فقد توصل تقرير النموذج التنموي إلى هذه الخلاصة فلا داعي لتغطية الشمس بالغربال واختيار أسهل الحلول وجعل شبابنا يؤدون فاتورة تعديل الوضع. فالأمور واضحة مشاكل التعليم والشغل تحتاج حلولا عملية وسياسية يتحمل فيها الجميع مسؤوليته ويُعْتمد فيها مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

 

+ كيف تصنف في تحليلك بعض الوزراء بالتكنوقراط في وقت يعلم الجميع بأن الحكومة الحالية تشكلت من تحالف بين أحزاب سياسية؟

- لا أعتقد أن الأحزاب السياسية تفتقر إلى الكفاءة والأطر، لكن تبقى مسألة توظيف هذه الكفاءات إشكالية قابلة للنقاش. وهذا موضوع آخر. لكن ما يجب مناقشته بوضوح هو أن مسألة تواجد التكنوقراط ضمن الحكومات المتعاقبة في بلادنا أصبح ظاهرة اجتماعية تقتضي الدراسة لأنها أصبحت تشكل خطورة على الحياة السياسية ببلادنا، حيث أن بعض هؤلاء التكنوقراط سرعان ما يفرضون أنفسهم ويتصرفون كوزراء ليس مع الشعب فقط، ولكن حتى مع ممثلي الشعب في البرلمان.

وهذه الظاهرة للأسف ليست جديدة بل عشناها بوضوح مع وزير المالية السابق بنشعبون، عندما كان يفرض بعض قراراته بالتهديد ويتشبث بها كأنها الحل الوحيد دون اعتبار للبرنامج الحكومي، بل إن هناك قرارات تم اتخاذها مع أنها لقيت معارضة من رئيس الحكومة السابق نفسه. والغريب في الأمر للأسف أن هؤلاء الوزراء التكنوقراط أو المحازبين في آخر لحظة يحضون بتصفيقات للعديد من أشباه المحللين (بين قوسين) وكان ما يقولونه وما يقومون به هو شيء مقدس.

لذلك، اليوم حان الوقت للوقوف أمام هذه الممارسات التي لا تأخذ بعين الاعتبار الوضعية الاجتماعية المتدهورة لأغلبية المواطنين الشيء الذي يزيد من رفع منسوب انعدام الثقة بين المواطن والدولة.

ويجب قولها بصوت عال: كفى أيها السادة ولنحتكم إلى القوانين فهذا الشعب شارك بكل مسؤولية في انتخابات بكل ما لها وما عليها من أجل التغيير. كما أن الأحزاب التي نالت أغلبية الأصوات في هذه الانتخابات والتي تتبجح بأنها استطاعت أن تقنع الناخبين ببرامجها فعليها أن تتحمل مسؤوليتها السياسية أمام هذا الشعب وأمام التاريخ ولا أظن أن برنامجا واحدا لهذه الأحزاب يتضمن مثل قرار بنموسي. فالشعب صوت لأحزاب شكلت الأغلبية الحاكمة في سبيل تحقيق الوعود نحو الأفضل لكنه يجد نفسه أمام ممارسات لا علاقة لها بهذه الوعود.. بل أكثر من ذلك ممارسات صارمة صادرة عن مسؤولين لم يخترهم ولا يمكنه محاسبتهم سياسيا مستقبلا.

وهذا لا يعني أننا ضد مشاركة التكنوقراط في الحكومات لكن هذه المشاركة حتى تكون ذات قيمة يجب أن تأتي داخل إطار المسؤولية السياسية المفروض أن تتحلى بها الأحزاب السياسية تجاه المواطنين الذين انتخبوهم. كما يجب على الجميع أن يعرف حجمه وحجم مسؤوليته؛ فهذا الشعب لا يستحق القرارات المهينة...