الاثنين 6 ديسمبر 2021
اقتصاد

محمد بريويك: في الحاجة إلى خلق أسطول استراتيجي للنقل البحري بالمغرب

محمد بريويك: في الحاجة إلى خلق أسطول استراتيجي للنقل البحري بالمغرب محمد بريويك ومشهد من سفينة شحن حاويات بالبحر
طرحت العديد من التساؤلات بعد إطلاق الخط البحري الجديد الذي تم تدشينه بين المغرب وبريطانيا، هذا الخط البحري عهد تسييره إلى شركة بريطانية وكان من الأولى، حسب بعض الأصوات، أن تشرف عليه شركة مغربية.
في هذا السياق، حاورت
«أنفاس بريس»، محمد بريويك، مدير المعهد العالي للدراسات البحرية، حول أسباب عدم توفر المغرب على أسطول للنقل البحري علما أن سواحل المغرب تمتد إلى 3500 كلم، إلى جانب مواكبة المعهد العالي للدراسات البحرية تطوير قطاع صناعة وإصلاح السفن بالمغرب.
 
 لماذا لا يتوفر المغرب على أسطول للنقل البحري؟
أولا
، يجب التذكير بأن المغرب كان يتوفر في الماضي القريب على أسطول مهم من سفن النقل البحري، والذي تأسس في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ضم هذا الأسطول عدة وحدات لنقل الركاب بين المغرب وأوروبا وكذلك سفن متنوعة بطاقة استيعابية جد محترمة غطت نسبة كبيرة من التجارة الخارجية للمغرب، من صادرات المملكة المتكونة أساسا من الفوسفاط ومشتقاته إلى جانب صادرات المملكة من النسيج والمواد الفلاحية.

وقد ساهم هذا الأسطول المتكون من 60 سفينة متعددة التخصصات في تنافسية الصادرات المغربية في الأسواق الأجنبية، كما ساهم كذلك في توازن الميزان التجاري الوطني. وبالتالي الحفاظ على العائدات الوطنية من العملة الصعبة. إلى جانب ذلك ساهم هذا الأسطول في تكوين جيل مهم من الأطر والضباط ورجال البحر . وكان عاملا مساعدا جدا بالنسبة للمعهد العالي للدراسات البحرية في التكوين العملي والتاطير الميداني للضباط ورجال البحر، هذه الأطر التي مازالت تشتغل لحد الآن سواء على متن السفن الأجنبية أو إدارة وتسيير عدة موانئ مغربية منها ميناء طنجة المتوسط الذي يشتغل به مايفوق 70 من خريجي المعهد العالي للدراسات البحرية والذين بدأوا مشوارهم المهني على متن الأسطول المغربي.

هذا الأسطول عرف تراجعا كبيرا منذ سنة 2008، وفي سنة 2011 عرف تناقصا مهما بعد أن أصبح الأسطول المغربي يتكون فقط من 14 سفينة. وهذا الانهيار الذي عرفه الأسطول المغربي يعود لعدة أسباب وعوامل داخلية وخارجية نذكر منها، اعتماد سياسة البحار المفتوحة التي كانت معتمدة من طرف الدول الأوروبية أو جميع الأساطيل العالمية. وتطبيقها في المغرب اقتضى فتح قطاع النقل البحري الوطني في وجه الأساطيل الأجنبية ورفع جميع الامتيازات والضمانات التي كانت تتمتع بها الشركات الملاحية الوطنية.
حاليا، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على انهيار الأسطول المغربي الذي لا يضم حاليا سوى 14 سفينة، يجمع المتخصصون على ضرورة بناء أسطول وطني استراتيجي قادر على رفع التحديات الحالية والمستقبلية ليكون رافعة أساسية من رافعات الاقتصاد الوطني.
 
وذلك للاعتبارات التالية:
الاعتبار الأول، يتجلى في الحاجة الملحة للمغرب إلى أسطول استراتيجي في ظل الإكراهات الجيوسياسية التي تعرفها التجارة الخارجية للمغرب، سواء علاقات المغرب مع الاتحاد الأوروبي ونحن نعرف وجود لوبي إيبيريي إسباني لاينظر بعين الرضى إلى صادرات المملكة خصوصا الصادرات الفلاحية وصادراتتا من الصيد البحري، هذه الصادرات التي تمر برا عبر إسبانيا. فهذا اللوبي لايعجبه نجاح المغرب في تصدير منتجاته عبر إسبانيا ويعمل مختلف العراقيل كالتي حصلت في التسعينات والسنوات الأخيرة. ولذلك وجب التفكير جديا في ضرورة وضع وإنشاء أسطول مغربي قادر على أن يساعد الاقتصاد المغربي في التمدد والنجاح سواء بأوروبا أو في إفريقيا، كذلك هنالك القوانين البيئية الأوروبية التي ستهم بشكل كبير النقل البحري للمنتوجات المغربية عبر أوروبا، مما يستوجب معه وجود أسطول بحري يتمكن من خلاله المغرب من إيصال منتوجاته إلى الدول الأوروبية.
من جهة ثانية، فإن التوجه الإفريقي للمغرب وحضوره الاقتصادي بالقارة يفرضان عليه التوفر على أسطول بحري كفء وحاضر بقوة في القارة الإفريقية، وذلك لسببين اثنين:

السبب الأول، ارتفاع كلفة النقل البحري، ونحن نعلم منذ بداية 2020 إلى الآن ارتفعت كلفة النقل البحري مثلا بين الصين والمغرب إلى 8 مرات. وهذه الكلفة أصبحت عائقا كبيرا أمام المنتجات المغربية في الأسواق العالمية، ولذلك التحكم في جزء من النقل البحري بالنسبة للمغرب أصبح ضرورة ملحة بالنسبة للاقتصاد المغربي.

ثانيا، وجود عراقيل وأخطار عدة تهدد النقل للبضائع إلى إفريقيا عبر الصحراء المغربية، وكمثال على ذلك ماوقع مؤخرا بمالي.
ولهذا نتوقع من المغرب ان ينهض بأسطوله البحري ليتفادى كل هذه الاشكاليات التي تقع بالنسبة للنقل البري. أضف أنه لا مقارنة بين تكلفة النقل البري وتكلفة النقل البحري فالنقل البحري معروف عنه جد تنافسي من حيث الكلفة.

النقطة التالية التي تؤكد أن المغرب عليه أن يتجه صوب إنشاء أسطول للنقل البحري أن تنافسية الصادرات المغربية مرتبطة بشكل كبير بكلفة النقل البحري الذي أصبح يشكل نسبة كبيرة من الكلفة الإجمالية للعمليات اللوجستيكية خصوصا في ظل الارتفاع المهول لكافة النقل البحري. وهذا يؤثر بشكل كبير على الصناعات ومنتوجات الفلاحة المغربية.

النقطة الموالية المرتبطة بهذا الموضوع نجاح التجارة الخارجية له تأثير مباشر على جاذبية الاقتصاد الوطني . ونحن نعرف بأن المغرب الآن أصبح منصة صناعية لوجستيكية مهمة. فأغلب الرساميل الأجنبية تتوجه إلى المغرب من أجل أن يكون المغرب منصة للإنتاج والتصدير، وعندما نقول التصدير نستحضر هنا أهمية الأسطول البحري لأنه القادر على أن يوصل هذه الصادرات إلى الأسواق العالمية.

إن وجود أسطول وطني سيساهم مساهمة فعالة كما كان في السابق في تكوين العنصر البشري الذي يعد الأداة الأساسية في كل تنمية وذلك بالتعاون مع المعهد العالي للدراسات البحرية الذي يعد المؤسسة الوحيدة للتعليم العالي في المغرب التي تعنى بتكوين وتأهيل الضباط والأطر العليا المبحرة وكذلك الأطر العليا في تسيير وتدبير الموانئ. وذلك في أفق الحفاظ على الخبرة الوطنية في مجال الصناعات البحرية والنقل البخري علما أن المعهد يعد حاليا من القلاع الوطنية القليلة التي تحافظ وتطور الخبرة الوطنية في مجال النقل البحري والصناعة البحرية.

خلاصة القول، إن بناء أسطول وطني للملاحة التجارية أصبح ضرورة ملحة للأمن الاقتصادي الوطني، من أجل ذلك يجب أولا التفكير في وضع سياسة بحرية مندمجة تتماشى مع النموذج التنموي الجديد الذي أخذ به وأقر به المغرب، كذلك وضع استراتيجية مندمجة للنقل البحري وتشجيع أسطول وطني وتشجيع الاستثمارات في مجال إعداد وبناء أسطول وطني قادر على أن يجيب على التحديات التي وضعها النموذج التنموي وكذلك الجاذبية التي تصبح بمثلها المغرب بالنسبة للرايمال الأجنبي كمتصة قارية ومنصة صناعية واعدة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

ولذلك، فإقامة هذه الاستراتيجية المندمجة هي أساس انطلاق بناء هذا الأسطول البحري الذي يجب أن يتم بتظافر الجهود في إطار الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، أو حتى الاستثمارات الأجنبية في هذا المجال مع اعتبار ان الأسطول سيكون وطنيا بنسبة 51 في المافة إذا كانت هناك شراكة بين الراسمال الوطني والرأسمال الأجنبي.
 
ماذا عن برنامج  المعهد لتكوين مهندسين في صناعة السفن لمواكبة قطاع صناعة وإصلاح السفن بالمغرب؟
أطلق المعهد العالي للدراسات البحرية شعبة الهندسة في صناعة وإصلاح السفن هذه السنة، وجاء فتح هذا التخصص في إطار استراتيجية تطوير المعهد التي بدأناها سنة 2018 والتي من بين أهم مرتكزاتها تطوير عرض التكوين بالمعهد، وقد جاء افتتاح هذه الشعبة تنفيذا للاستراتيجية الوطنية المينائية في أفق سنة 2030، والتي تروم إنشاء قطاع لصناعات السفن والأوراش البحرية بعدد من مدن المملكة. كذلك كان هناك توقيع اتفاقية إطار سنة 2017 مابين وزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك والماء ووزارة الاقتصاد والمالية وكذلك وزارة التجارة والصناعة والاقتصاد الرقمي وكذلك الفدرالية الوطنية للصناعات المعدنية والميكانيكية.

ويعد فتح هذه الشعبة وفاء من المعهد العالي للدراسات البحرية بالتزاماته ومساهمة منه في دعم الاستراتيجية الوطنية للموانئ في أفق 2030، نظرا للدور الذي يطلع به المعهد داخل المنظومة الوطنية البحرية والدور الذي يقوم به المعهد على صعيد شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

وانطلاقا من الاستراتيجية الوطنية للموانئ يتطلع المغرب إلى تطوير قطاع صناعة وإصلاح السفن في عدة موانئ وطنية كموانئ الدار البيضاء وأكادير ، إلى جانب أوراش تفكيك السفن في عدة مناطق أخرى من المملكة. وتطمح هذه الاستراتيجية إلى إقامة صناعة متطورة في هذا المجال على الصعيد الوطني والقاري وذلك انطلاقا من المؤهلات البحرية التي يتوفر عليها بلدنا والمطل على واجهتين بحريتين، من أجل دعم الاقتصاد الوطني وخلق مناصب الشغل.
محمد بريويك/ مدير المعهد العالي للدراسات البحرية