السبت 28 مايو 2022
كتاب الرأي

أحمد الحطاب: ما هو الهدف من التصويت؟

أحمد الحطاب: ما هو الهدف من التصويت؟ أحمد الحطاب

في بلد يحترم نفسَه (بلد تسود فيه دولة الحق والقانون)، هذا السؤال غير مطروح ما دام التصويت (الانتخابات) أصبح مُكوِّنا عاديا للحياة اليومية للمواطنين. إنه جزء من التقاليد ومن الثقافة. الكل يعرف الهدفَ منه. الكل يحترم الأسسَ والمبادئ التي يرتكز عليها. الكل يعرف ماذا ينتظره في حالة تجاوز هذه الأسس والمبادئ.

 

في بلد يحترم نفسَه، الفترة الانتخابية فرصة ينتظرها الجميع لأنها تفتح البابَ لنقاشات سياسية، اقتصادية وثقافية عالية المستوى.

 

في بلدنا، نظرا للانزلاقات والانحرافات التي يعرفها التصويت ونظرا للشهوات والرغبات غير المحدودة التي يثيرها عند البعض ونظرا لعُقمه و عدم نفعِه في العديد من الحالات سواءً على المستوى الترابي أو الوطني، من المفروض أن نطرحَ هذا السؤال: "ما هو هدف التصويت"؟ وخصوصا أن العديد من الانزلاقات والانحرافات بقيت بدون عقاب!

 

في بلدنا، في كل فترة انتخابية، عوض أن ينصبَّ الاهتمامُ عند شريحة عريضة من الناس على النقاشات، فإننا نسمع هنا وهناك ردودَ فعل و تساؤلات من قَبِيل :

- نتمنى أن تكونَ الانتخابات هذه المرة شفافةً؛

- انتخابات أو لا، النتيجة معروفة؛

- لا فائدة من التصويت لأنه لم يحدث أي تغيير؛

- لماذا التصويت لأن الأحزابَ السياسية نفسَها ليست ديمقراطيةً؛

- لن أُصوِّتَ على أشخاص يعدون بالقمر و في نهاية المطاف، يستفيدون منه وحدهم؛

- تصويتٌ أو عدمه، لن يتغيَّرَ أي شيء؛

- كلهم يتشابهون (المُرشَّحون)، لقد تعِبْنا؛

 

يا له من أمر غريب! لا نزال (مند استقلال البلاد) نتكلَّم (لا أقول نناقش) عن غاية التصويت. هذا يعني أننا، بكل بساطة، لم نستَبطِن ولم نُدْمِجْ في ثقافتنا وفي تقاليدنا المبادئ والقيم الأساسية لدولة الحق والقانون التي هي: الانتخابات، التصويت، الديمقراطية، السياسة، التمثيلية، الخ.

 

وحتى لو استبطنا هذه المبادئ والقيم، فهذا يتِمُّ في جوٍّ من الشك الكامل وعدم الثقة إن لم نقُل في جو من عدم الاهتمام واللامبالاة. فإنه من المشروع أن نطرحَ السؤالَ: "ما هو هدف التصويت بالمغرب"؟

 

وقبل الجواب على هذا السؤال، علينا أن نُوضِّحَ ما هو التصويت. وبعبارة أخرى، لماذا يتكبَّد المواطنون عناء الذهاب إلى صناديق الاقتراع ليدلوا بأصواتهم؟ هل يذهبون لمكاتب التصويت عن قناعة؟ ماذا ينتظرون من هذه الخطوة؟ كيف يتموقعون بالنسبة لهذه الخطوة؟ الخ.

 

اجتماعيا، أخلاقيا، سياسيا وديمقراطيا، التصويت فعلٌ مُواطني وأحب وطني ومسئولية. أن نكونَ مواطنين معناه قبولُ العيش في جماعةٍ لها قواعد توجِّه وتحكم تصرُّفاتِها. وقبول هذه القواعد يعني المساهمة في السير العادي والجيِّد لهذه الجماعة.

 

غير أن هذا السيرَ لا يمكن أن يقومَ به كل مواطن من جهته. ولهذا، فإن المواطنين يختارون من بينهم مُمثِّلين ليقوموا بهذه المهمة. الاختيار يُتيحُه التصويت من خلال الديمقراطية. غير أن الاختيار لا يجب أن يكون عشوائيا. من أجله، انتظم المواطنون في مجموعات تسمَّى "أحزاب سياسية" حول مبادئ، قيمٍ أو إيديولوجيات. انطلاقا من هذه المبادئ والقيم والإيديولوجيات، تقترح الأحزاب السياسية على المُواطنين برامج وخُططاً من شأتها أن تساعد على سير الجماعة المذكورة أعلاه. المواطنون يختارون البرامج والخططَ التي تتلاءم مع انتظاراتهم وطموحاتهم وتطلُّعاتهم. التصويت، الاختيار، الديمقراطية والسير الجيِّد للجماعة أمورٌ يجب أن تتمَّ تحت أعيُن أخلاقيات تضمن غاياتِها، شفافيتَها، نزاهتَها، موضوعيتَها، الخ.

 

وفي نهاية المطاف، حجر زاوية التصويت هو المُواطن. بقيامه بهذا التصويت، إنه يصبحُ عاملا للتغيير. لهذا، فالتصويت فعل أو حق مواطني لكن كذلك واجب. واجبٌ ليستحق هذا المُواطن مكانَه في الجماعة. واجب، من خلاله، يصبحُ:

 

- فاعِلاً وليس مُتفرِّجا؛

- ماسكاً لمفتاح التغيير؛

- متحكِّما في مصير بلاده، جهته، مدينته، جماعته، حيٍّه؛

- حاميا للحرِّيات؛

- مُغلقا للأبواب أمام الفاسدين والمُفسدين.

 

هذا الواجب لم تُمْطره السماء. إنه مُكتسبٌ حصل عليه السَّلفُ (آباء، أجداد) بل انتزعه هذا السلف بعد تضحيات من كل الأصناف. بالتصويت، نحترم هذه التضحيات!

 

غير أنه لا يجب أن ننسى ما هو أهمّ حيث أنه، من خلال التصويت، يقع الاختيار على نساء ورجال سياسيين (أو يدَّعون أنهم سياسيون). وهنا يكمن الأمر حيث أن هؤلاء السياسيين آدميون أولا وقبل كل شيء. إنهم ليسوا لا ملائكة ولا صُلاَّحاً وبالتالي، ليسوا معصومين من الخطأ.

 

ما هو خطير وأخطر، هو أن يستسلمَ السياسيون للخطأ وعدم الاستقامة عن وعيِ وقصدٍ، أي بكامل إرادتهم.

 

إن هذا الصنفَ من السياسيين موجود فعلا ويؤثِّثُ المشهد السياسي وله مُنخرطون بل زبائن كُثُر. بالنسبة لهؤلاء الزبائن، التصويت له معنى آخر بل بُعد آخر.

 

وبعبارة أخرى، إذا كان التصويت يستجيب لاعتبارات دستورية، اجتماعية، سياسية، ديمقراطية، مواطنية، وطنية، أخلاقية، الخ... إنه بالنسبة للزبائن السابق ذكرهم موضِعَ استغلال للانتخابات والديمقراطية والسياسة من أجل الوصول إلى غايات غير شريفة ودنيئة.

 

ولا داعي للقول أن هذه الغايات متعدِّدة، منها على سبيل المثال:

 

- الاستخفاف بقيم ومقوِّمات الوطن من انتخاب وتصويت ومواطنة وديمقراطية وسياسة؛

- استعمال هذه القيم والمقوِّمات كمَطيات؛

- الحصول على سلطات غير مستحقة؛

- الاستلاء على كراسي من خلال الغش والتزوير والاختلاس؛

- الحصول على الاعتبار والسُّمعة من خلال النفاق والتملق والإملاق؛

- شراء إرادة المواطنين وكرامتهم؛

- شراء السلطات لبث الفساد بعيدا عن العقاب؛

- الحصول على الاحترام لفتح أبوابٍ أخرى إلى تحقيق أغراض غير شريفة؛

- تخَطِّي وتجاوز دولة الحق والقانون؛

- تسْليعُ حقوق المواطنين؛

- الاغتناء السريع بدون حياء؛

- جعْلُ الزبونية والمحسوبية محورَ المعاملات؛...

 

فكيف لبلدٍ أن ينمو ويزدهر وسط مثل هذه الآفة! التنمية ليست فقط علمية، تكنولوجية واقتصادية. إنها أولا وقبل كل شيء ثقافية، حضارية وبشرية.

 

إن غيابَ هذا الجانب الثقافي، الحضاري والبشري هو الذي يفتح البابَ للآفة أن تتفشَّى. شعبٌ مثقف ومُتمتِّع بكرامته كاملةً ومُدركاً للسياسة بمعناها النبيل لن يتركَ أبدا الفرصةَ لهذه الآفة لتتحكَّمَ في شأنه العام باسم الديمقراطية. إنه سيسدُّ الطريقَ في وجهها.

 

خارج هذا الإطار، التصويت يهدف إلى كل شيء ما عدا ما هو عادةً مُنتظرٌ منه مواطنِياً، سياسيا، اجتماعيا، ديمقراطيا وأخلاقيا...