الجمعة 3 ديسمبر 2021
سياسة

لحسن العسبي يدخل على الخط في كتاب "اليوسفى كما عشناه" لمحمد حفيظ وأحمد بوز

لحسن العسبي يدخل على الخط في كتاب "اليوسفى كما عشناه" لمحمد حفيظ وأحمد بوز لحسن العسبي، محمد حفيظ وأحمد بوز مع غلاف الكتاب "اليوسفي كما عشناه"

يقدم لحسن العسبي، الكاتب والصحافي بالاتحاد الاشتراكي، قراءة تأملية للكتاب المشترك لمحمد حفيظ وأحمد بوز "اليوسفي كما عشناه"، يقدم فيها زاوية نظره عن الزعيم الاتحادي الذي جايله الثلاثة: الكاتبان حفيظ وبوز والصحافي العسبي

في يلي "أنفاس بريس" تنشر نص مقال الزميل لحسن العسبي الذي فكك كتاب "اليوسفي كما عشناه" للزميلين محمد حفيظ وأحمد بوز.

 

"يقال عادة إن الأمور بخواتمها، ومن خاتمة كتاب الأخوين العزيزين محمد حفيظ وأحمد بوز الذي هو بعنوان "اليوسفي كما عشناه"، أجتزئ هذه الأسطر، التي تكاد تلخص كامل مضمونه، من حيث إنها كما كان منتظرا متضمنة فيها مواقف سلبية (قد يصنفها إخوة آخرون أنها نقدية) من اليوسفي باعتباره فاعلا سياسيا ووطنيا صارت سيرته ملكا عموميا لكل المغاربة، عادي أن تثير النقاش والتحليل والقراءة (وليس التحامل). فاليوسفي ليس مقدسا، بل هو بشر ككل البشر، وكل أفعال بني البشر تقبل القراءة والنقد.

كنت سأفاجأ لو أن الأخوين العزيزين (خاصة سي محمد حفيظ)، كتبا شيئا آخر (أكثر إنصافا) حول الرجل ومرحلته السياسية منذ تحمله مسؤولية قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. لأن الحكم مسبق بنوازع سياسية (وذاتية أحيانا) من زمان، وهو أمر متفهم على كل حال، ليس هنا مجال تفصيل القول فيه. وإن كان ثمة من فصل يمكن أن أجزم أن فيه ظلما كبيرا للرجل وللحقيقة، فهو الفصل الخاص بالإعلام، كوني مطلعا مثل كثيرين غيري على حقائق الأمور فيه من الداخل. لأنه للأسف من خلال ما كتبه الأخوان العزيزان في هذا الفصل، يكاد المرء يستشعر كما لو أن "الإعلام الاتحادي المكتوب" في عهد اليوسفي أصبح "برافدا" وأن ما قبله كان "واشنطن بوسط" وأن ما بعده كان "نيويورك تايمز". بينما الحقيقة الكبرى، وربما حتى خطأ اليوسفي الكبير أنه لم يكن يراقب أبدا ما ينشر بالجريدة قبل النشر (ماعدا الافتتاحية وعمود "حديث المحرر" بالصفحة الأولى)، ولم يكن قط يهتم عكس ما قيل بمسألة صوره بتلك الصفحة. وربما ستكون هناك مناسبة قادمة لتفصيل القول بالأمثلة الكثيرة في هذا الباب.

 

لنتأمل هذه الأسطر وقاموسها اللغوي (ومسألة قاموس اللغة وحده يقوم بابا مستقلة لتحليل مضمون كتاب الأخوين العزيزين حفيظ وبوز، فهو قاموس عنيف ومثقل بالأحكام القيمية)، بعد تسجيلهم حجم الصدى الذي خلفه خبر وفاة اليوسفي مغربيا، شعبيا ورسميا وإعلاميا وفي مواقع التواصل الاجتماعي:

 

"لقد كانت تلك الجنازة (المقصود الجنازة الرمزية) بحق بمثابة استفتاء حقيقي لمكانة الرجل عند الكثير من المغاربة وعند مؤسساته وهيئاته المختلفة. ولعل هذا أمرا كان محيرا، ويبعث على التساؤل حول السر الذي يجعل عبد الرحمن اليوسفي يحظى بهذا الإعجاب والتقدير، هو الذي جر حزبا بحجم الاتحاد الاشتراكي إلى خوض تجربة سياسية لم تقدم ما كان ينتظر منها، بشهادته هو نفسه. وحتى عندما كانت أمامه فرصة كي يدافع عن احترام "المنهجية الديمقراطية"، اكتفى بإصدار بلاغ يشير إليها، فكان بطريقة أو بأخرى المسؤول الأول، وإن لم يكن الوحيد، عن انهيار حزب ظل صامدا لمدة أربعين سنة، وكان يقدم للمغاربة إحدى الصور النقية للعمل السياسي، مثلما كان الكثيرون منهم يتمثلونه في ضميرهم الجمعي باعتباره الحزب الذي سيحقق التغيير.

ولعل ما حصل يذكر بذلك المشهد المشابه الذي سبق لكاتب غربي أن سجله، وجعله يتساءل باستغراب: "كيف يمكن للجماهير العربية أن تبكي ديمقراطيتها؟"، وهو يتأمل حجم الحشود المصرية التي كانت تمشي خلف جنازة الزعيم جمال عبد الناصر. فعلى الرغم من أن الرئيس المصري لم يكن ديمقراطيا، وإن كان يحظى بوصف "الوطني"، فإن ذلك لم يحل بينه وبين كسب قلوب مئات الملايين من الناس، ليس في مصر وحدها وإنما في العالم العربي والإسلامي ككل، وفي دول عدم الانحياز التي كان أحد المؤسسين للمنظمة التي تحمل اسمها.

قد يفسر البعض ذلك بأن "المغاربة ذاكرتهم مثقوبة" وبأن لهم "ازدواج شخصية". وقد يرجع البعض الآخر ذلك إلى أن "المغاربة ماضويون" ولا يحتفظون من الماضي إلا بالزمن الجميل منه، كما كتب ذلك محمد الساسي وهو يتأمل "اليوسفي في المكتبة الوطنية" (عنوان مقال للساسي بيومية المساء بتاريخ 2 أبريل 2009)"

 

انتهى الاقتباس المجتزأ من خاتمة كتاب "اليوسفي كما عشناه"، الذي سيليه محاولة الكاتبين تقديم تفسير من 3 نقط لما اعتبراه "أمرا محيرا يبعث على التساؤل"، أمام ذلك الحجم الهائل من التفاعل مع واقعة وفاته ورحيله. وهو لا يترك من مجال للتفسير ومحاولة الفهم، سوى الخوف من وقوعهما في مطب ممارسة وصاية على الناس وعلى المغاربة في حبهم وتقديرهم لليوسفي. كما لو أنهما يريدان أن يقولا لنا، كيف تحبون رجلا هذه "جرائمه السياسية الحزبية"؟ لا أريد أن أقدم توصيفا لكتابة مماثلة. فقط بالنسبة لي، هي خلاصة تلخص كامل الكتاب، الذي نخرج من قراءته بأن سيرة الرجل السياسية والتدبيرية كما لو أنها متوالية من "الفشل" و "التنوعير" و"الاستبداد بالرأي والقرار".

 

هل ذلك هو اليوسفي حقا؟ فلماذا أحبه المغاربة ولا يزالون يحبونه إذن؟ الأمر الذي رأى فيه الأخوان العزيزان محمد حفيظ وأحمد بوز أنه "محير ويبعث على التساؤل".

 

على كل حال هي مجرد ملاحظة على الماشي (كما يقول إخوتنا المصريون)، أرجو أن يتقبلها مني بمحبة الأخوان العزيزان حفيظ وبوز. علما أن كتابهما (الذي كنت أتمنى لو نشر في حياة الرجل)، سيشكل أكيد نقطة نقاش حيوية ضمن سيرة حياة فاعل سياسي مغربي ومغاربي وعربي من حجم وقيمة اليوسفي، وأيضا ضمن معمدان ممارسة السياسة بالمغرب، نقدا وقبولا"...