السبت 25 سبتمبر 2021
سياسة

وثقها عبد الهادي بوطالب: فكرة إحياء عيد العرش

وثقها عبد الهادي بوطالب: فكرة إحياء عيد العرش المغفور له محمد الخامس وفي الاطار عبد الهادي بوطالب
تحل يوم 30 يوليوز، ذكرى عيد العرش ، وهي ذكرى لها تاريخ وجذور، حيث ترتبط بالنضال ضد الحماية الاستعمارية، وتندرج في إطار تعبئة الشعب المغربي لمواجهة الاحتلال وجبروته.
وفي هذا المقال الذي تنشره
"أنفاس بريس"، يتحدث الأستاذ عبد الهادي بوطالب عن "فكرة إحياء عيد العرش"، وكيف أن صاحب الفكرة، هو أحد كتاب جريدة عمل الشعب، التي تبنت الفكرة التي تحولت إلى احتفال بذكرى الجالس على العرش، السلطان المغفور له محمد بن يوسف محمد ابن لحسن. 
 
كان اليوم 18 نونبر من سنة 1933. وكان المكان الحديقة العمومية الكبرى المعروفة باسم جنان السبيت. وكان المكان واقعا على مقربة من باب أبي الجنود بفاس. لم يقِـنا استظلالنا بأشجار الحديقة من الابتلال من رشاش المطر المتهاطل. ولم أكن أعي في سن صباي وأنا أحضر هذا الاجتماع أنه كان المهرجان الوطني الشعبي الأول الذي تعقده الحركة الوطنية المغربية بالمدينة.
كما لم أكن أدري أننا حضرنا لتلبية دعوة عمل الشعب الناطقة باسم الحركة الوطنية للاحتفال بالذكرى السادسة لعيد جلوس السلطان محمد بن يوسف على العرش.
ينصف محمد بن الحسن الوازاني في الجزء الثالث من كتابه "حياة وجهاد" رجلا مغمورا كان وراء فكرة الاحتفال بعيد العرش. وهو محمد بن صالح ميسَّة صاحب مجلة المغرب التي كانت تصدر خلال هذه الفترة باللغة العربية بالرباط فيقول: إن فكرة الاحتفال بذكرى تولية السلطان محمد بن يوسف خلفا لوالده السلطان المولى يوسف راجت لأول مرة بواسطة محمد صالح ميسَّة، وإليه يرجع التفكير في هذه المبادرة. ولكن جريدة عمل الشعب التي كان ميسَّة من كـُـتـَّابها السريين وكان لا يمضي مقالاته فيها أو كان يمضيها باسم مستعار هي التي تبنـَّـت الفكرة ودعت إليها بل ونفذتها على الصعيد الوطني وجعلت السلطة الفرنسية أمام الأمر الواقع.
 
عيد الوحدة الوطنية
عندما دعت جريدة عمل الشعب إلى سن تقليد الاحتفال بعيد الجلوس الملكي لم يكن قد اكتمل على صدورها إلا ثلاثة أشهر وصدر عددها الثاني المؤرخ ب 20 أكتوبر 1933 يحمل دعوة الشعب المغربي أن يجعل يوم 18 نونبر من كل سنة عيدا وطنيا لتخليد الذكرى بما يستحقه الجالس على العرش من تكريم وحفاوة. 
وأبرزت الجريدة أن الوحدة الوطنية للمغرب المقسم إلى ثلاث مناطق والمهدد بتقسيم عنصره بين عرب وبربر لا يجسمها ولا يرسيها إلا وحدة العرش والتعلق بالجالس عليه، وأن من حق الشعب وواجبه أن يتشبت بالسلطان الذي هو كما قال كاتب المقال لرعيته لا لسلطات الحماية.
وقد دعت الجريدة إلى تعطيل العمل يوم العيد الوطني فوضعت بذلك سلطات الحماية الفرنسية في مأزق واختبار صعب. وفي الوقت الذي لم تستجب فيه سلطات الحماية لهذا النداء وتجنبت الاحتفال بالذكرى متعللة بأن السلطان تلك السنة (1933) كان خارج العاصمة فإن الحركة الوطنية دشنت الاحتفال بالذكرى رسميا لاسيما في مدينة فاس التي احتضنت حديقـتُها العمومية الحفلة الوطنية الكبرى حيث رُفع لأول مرة العلم المغربي. وبعد الاحتفال وجهت للقصر الملكي بالرباط سيول من برقيات التهاني بالعيد بإمضاء أفراد الشعب وجماعاته.

 
سنة 1934 سنة الاحتفال الرسمي بعيد العرش
لم تجد سلطة الحماية بُـدًّا من المشاركة في الاحتفال وإضفاء الصبغة الرسمية على المبادرة الوطنية الشعبية فصدر بتاريخ 31 أكتوبر 1934 قرار للصدر الأعظم المغربي محمد المقري أشـَّر عليه المقيم العام "هنري بونصو" يعلن يوم 18 نونبر من كل سنة عيدا وطنيا.

 
عيد التحدي 
كان استعداد الوطنيين لإقامة الاحتفال بهذا اليوم أروع وأحفل. فعيد العرش الذي فرض الشعب المغربي على الحماية الفرنسية إعلانه عيدا قوميا أصبح عيد تحدي الوطنيين للاستعمار الفرنسي الذي أخفق في محاولة عزل السلطان عن شعبه ورعيته مثلما فشلت تدابير قمع هذا الاستعمار في محاولة إقبار الحركة الوطنية في مهدها.
ومنذ بداية الاحتفال بذكرى عيد العرش لأول مرة سنة 1933 وإلى حين استقلال المغرب وحتى أثناء نفي السلطان بن يوسف وإلى حين عودته من منفاه اتخذ الشعب المغربي شعار: "العرش بالشعب" أو "الشعب بالعرش". وكانت إقامة الذكرى الوطنية تحديا آخر لسلطة الحماية الفرنسية التي كانت تحاول الدَّس بين الوطنيين والسلطان بقذف الحركة الوطنية المعارضة لسياستها بأنها حركة تمرد على السلطان وعرشه.
 
الرهان على السلطة
كشفت سلطة الحماية نوايا محاولتها عزل السلطان عن شعبه في شهر مايو 1934 عندما قام  السلطان بزيارة رسمية لمدينة فاس فاغتنمها الوطنيون فرصة لاستقباله والإعراب له عن ولائهم في مظاهرات شعبية غصت بها الشوارع بالسكان، وعلت أقواس النصر، وارتفعت الأعلام في كل حي، ولحَّـنت الجماهير نشيدا أعدَّه بالمناسبة الزعيم علال الفاسي. وأصدر الزعيم الوازاني عددا خاصا بجريدة عمل الشعب مُحلى بصورة السلطان وصورة نجله الأمير مولاي الحسن. وكان المشهد رائعا حين التحم الشعب بملكه وهو راكب على فرسه ساعة دخوله الرسمي لفاس في مشهد رائع لم يسبقه نظير.
كان نشيد علال الفاسي ملهما لحماس الجماهير، وقد لقنه المعلمون لتلاميذ المدارس الحرة –وأنا منهم- وجماهير الشعب بترديده أمام الملك عند زيارته المزمعة للمدينة العتيقة التي قام بها في اليوم الموالي لوصوله الرسمي، ومما جاء في هذا
 
النشيد: 
 يا مليكَ المغربِ               يا ابنَ عدنانَ الأبي
نحن جُـنـْـدٌ للفدا                 نحمي هذا  المُلـْـك
عرش مجد خالدٍ                 ماجـد عـن مـاجـد
قد بناه الأولــون                  في شموخ المُلـْـك
نحن لا نـبغي به                   مَـعْدِلا عن حِزبــه
كـُلنا من جنــده                    دائمــــا نحميه
 
مشاهدتي الأولى للسلطان
ما أزال أحتفظ بصورة غير واضحة المعالم عن مرور السلطان بحي القطانين بفاس حيث وقفت بين التلاميذ لتحية السلطان والهتاف باسمه. وقد كان ذلك أول مرة أرى فيها السلطان الذي كنت أنطق باسمه يوم بيعته منذ سبع سنوات خلت وأنا في بيت والدي لم أصل بعد ثلاث سنوات فتنهرني والدتي وتحثني على السكوت. فاسم السلطان كشخصه مقدس لا ينبغي أن تلوكه الشفاه وخاصة أفواه الصبيان السدَّج.
يبدو أن الالتحام  بين السلطان الشاب والشعب كان في مظاهرات فاس مؤثرا إذ كان موكب السلطان يخترق شوارع مدينة فاس وجلالته ممتطٍ صهوة جواده والأصوات ترتفع بالمطالبة باسترجاع حق المغرب المسلوب.
لقد تحولت الزيارة إلى مظاهرات احتجاج وحركة مطالب وإدانة للاحتلال وسقطت فيها الحواجز بين السلطان وشعبه ووصل خطابها بدون رموز إلى أعماق الفكر الاستعماري الفرنسي الذي أخذ يحسب لهذا الالتحام حسابه.
وكان برنامج اليوم الموالي يتضمن أداء السلطان صلاة الجمعة بجامع القرويين فتوقعت سلطات الحماية أن يكون هذا اليوم مشهودا حافلا لترسيخ علاقة العرش بالشعب وأن تشتد حرارة اللقاء ويتضاعف الحماس الوطني فقررت الحيلولة بين السلطان وعودته إلى لقاء الجماهير.
وافتعل الجنرال "ماركي" حاكم ناحية فاس مبررا لذلك ناقلا إلى علم السلطان أن الجماهير هتفت بسقوط فرنسا وأنها مرَّغت العلم الفرنسي في التراب. فتقدمت الإقامة العامة الفرنسية للسلطان بطلب إلغاء الصلاة الرسمية بالقرويين وباعتقال الوطنيين بتهمة إحداث الشغب والفوضى والمسّ بحرمة فرنسا، لكن السلطان رفض أن يأذن باعتقال أي وطني وفضل قطع زيارته لفاس والعودة في نفس اليوم إلى العاصمة الرباط.