الثلاثاء 7 ديسمبر 2021
فن وثقافة

عبد السلام المساوي: إلى روح فقيد الفكر والفلسفة، أستاذي محمد سبيلا

عبد السلام المساوي: إلى روح فقيد الفكر والفلسفة، أستاذي محمد سبيلا عبد السلام المساوي (يمينا) وفقيد الفكر المغربي والعربي محمد سبيلا

1976 نجحت في الباكالوريا واخترت الفلسفة...

وأنا طفل، وأنا تلميذ، كنت دائما أتمنى أن أصبح أستاذا... عشقت هذه المهنة وأغرمت بالأستاذية... وكثيرا ما تقمصت شخصية المعلم والأستاذ... كنت أتقمص دور المدرس مع أبناء وبنات الأقارب والجيران ...

1976 سنة الحصول على شهادة الباكالوريا بثانوية عبد الكريم الخطابي بالناظور، وشد الرحال إلى مدينة فاس؛ عاصمة العلم والفكر، وكان التسجيل في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد بن عبد الله بظهر المهراز؛ طالب جامعي - تخصص فلسفة؛ الفكر والتفكير؛ العقل والمنطق ...

في فاس، إذن، تعرفت على أستاذ ليس ككل الأساتذة، أستاذ استثنائي؛  مفكر ولا ينسى أنه مناضل، مناضل ولا ينسى أنه مفكر... فيلسوف يفكر بهدوء، بموضوعية ونقدية ...

علمني أن الفلسفة تفكير؛  الفلسفة تعلمنا كيف نفكر... علمني الدقة المنهجية والصرامة المنطقية... كان يكره الثرثرة ولغو الكلام، وهذا ما كان يميزه عن الأساتذة الدكاترة المشرقيين... كان عميقا في تفكيره، في رؤاه وتنبؤاته... كان متميزا، الأستاذ محمد سبيلا ولا أحد غيره... وحده كان أستاذا...

معه ومنه تعلمت معنى أن تكون طالبا فيلسوفا ومحبا للحكمة... معه ومنه تعلمت معنى العقل والعقلانية ومتى يتحول العقل إلى عقلنة؛ عقلنة التفكير والسلوك، عقلنة الفرد والمجتمع، عقلنة السياسة والاقتصاد، عقلنة العلاقات العلائقية... ذ. محمد سبيلا ولا أحد غيره...كان أستاذا... كان معلما... كان فيلسوفا ...

معه ومنه تعلمت معنى الحداثة وما بعد الحداثة... معه ومنه تعلمت معنى الاشتراكية في أبعادها الإنسانية والاجتماعية وأسسها الفلسفية الأنوارية، بعيدا عن الشعارات الحماسية والأطروحات الدوغمائية... لقد أنقذني وأنقذ زملائي من التيه والوهم، وتكرار ما كان يكتب في مطبوعات موسكو...

منه ومعه تعلمت الوعي الواعي وتخلصت من الوعي الزائف والوعي الشقي... معه ومنه تعلمت معنى أن تنتمي إلى الفلسفة...

ذ. محمد سبيلا ولا أحد غيره... سلطة المعرفة لا معرفة السلطة... كاريزما مفكر يحترم فكره ويفرض احترامه على الاخرين... كان مهابا... عندما يحضر ذ, سبيلا يختفي الصخب والضجيج... كان متميزا... ذ. سبيلا ولا أحد غيره...

زمن السبعينيات، زمن النضال الطلابي، وفي ظهر المهراز؛ قلعة النضال الثوري بتوجهات يسارية رافضة... الأساتذة، كل الأساتذة كانوا يعانون وينحنون لتمردات الطلبة... الأساتذة، كل الأساتذة كانوا يخافون الطلبة ولا يستطيعون مواجهتهم... وحده ذ. سبيلا كان يضرب له ألف حساب؛ عندما المدرج (مدرج ألف في الطابق الرابع)، الجميع ينضبط، ينصت... هدوء تام... وذ. سبيلا بصوت هادئ يحاضر؛ كان يتكلم وهو يفكر، يفكر وهو يتكلم... يتكلم بهدوء الفيلسوف، لا يصرخ؛ يعلم أن من يصرخ لا يفكر... كنا نهابه... كنا نخاف منه... كان أستاذا... كان معلما... كان فيلسوفا... كان اتحاديا ...

منه ومعه تعلمت التفكير؛ تعلمت كيف فكر عظماء الفكر والفلسفة؛ منذ لحظة التأسيس مع اليونان إلى ...

كان اللقاء مع سقراط في محاورات أفلاطون التي صاغها بلغة جميلة ذات نكهة شعرية، وبعمق فكري تولده اسئلة فلسفية تكسر المعتاد، تحطم المألوف وتنهض من السبات العميق ...

"كل ما أعرف هو أنني لا أعرف شيئا"، كان هذا هو الدرس، الدرس الأول الذي تعلمته، وسيكون درسا مؤسسا لقناعاتي واختياراتي الفكرية والسياسية... درسا في الانفتاح على الآخر، في التسامح، في الايمان بالرأي والرأي الآخر، في الايمان بحق الاختلاف... في انهيار البداهات وتحطيم المطلقات؛ الحقيقة نطلبها ولا نمسك بها؛ لا أحد يمتلك الحقيقة؛ الفلسفة تحطم وهم اعتقاد امتلاك الحقيقة؛ من هنا كانت البداية لمحاصرة العنف بجميع اشكاله؛ إن الفلسفة تريد أن يختفي العنف من العالم ....

وكان عشق السؤال... حب السؤال... بداية بناء علاقة جديدة مع السؤال؛ "الأسئلة في الفلسفة أهم من الأجوبة، بل إن كل جواب يصبح سؤالا جديد..." الفلسفة تعنى بالسؤال اكثر من عنايتها بالجواب... السؤال لا يموت بالجواب بل يحيا فيه... لا جواب نهائي في الفلسفة؛ في الجواب النهائي نهاية للفلسفة، موت للفلسفة؛ ولن تموت الفلسفة ما دام في العالم، إنسان يسأل، إنسان يتساءل، إنسان يفكر ...

قسم سقراط الناس إلى فئتين :

1- جاهلون ويجهلون جهلهم - الجهل بالجهل؛

2- جاهلون ويعرفون بأنهم جاهلون - الوعي بالجهل...

والاعتراف بالجهل هو المدخل الاساسي للتعلم والمعرفة، وعتبة التفلسف .

الجاهل الذي يعرف جهله مؤهل لكسب المعرفة، أما الجاهلون الذين يتوهمون امتلاك الحقيقة المطلقة، ويدعون معرفة كل شيء، فهم غارقون في الجهل، وغارقون في سبات عميق.

إن الفلسفة تعلمنا أن لا أحد يمتلك الحقيقة، لا وجود للحقيقة المطلقة...

وهم امتلاك الحقيقة المطلقة يولد العنف والتطرف؛ الإقصاء وعدم الاعتراف بالآخر، تجريم الاختلاف وتحريم التفكير... والحركات اليمينية المتطرفة، العنصرية والدينية تتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة.

إن ما يميز سقراط - الفيلسوف عن غيره من الناس هو أنه جاهل ويعرف بأنه جاهل ...

إن الفلسفة تحطم البداهة وتكسر سلطان العادة الطاغي، وتوقظ من السبات العميق، وتحطم الاعتقاد البديهي بامتلاك الحقيقة المطلقة ...

مشكلتنا أننا لم نفكر بعد ...

متى نفكر؟!

ومن سقراط إلى مثل أفلاطون فمنطق أرسطو... فالانتقال إلى محطة أساسية من محطات الفكر الإنساني؛ محطة الفكر العربي الإسلامي حيث لحظة التأسيس لممارسة الفكر الفلسفي مع علم الكلام المعتزلي وإشكالية العقل والنقل؛ وكان الكندي في مخاض تعريب الفلسفة وتأصيلها؛ ومن الشيخ الرئيس ابن سينا إلى المعلم الثاني أبو نصر الفارابي بمدينته الفاضلة ونظريته في الفيض... وكان "تهافت الفلاسفة" وكانت الضربة القاضية التي وجهها أبو حامد الغزالي للفلسفة في المشرق... وكان التكفير للعقل، وكان التكفير للفلسفة، وكان شعار "من تمنطق تزندق"... وما زال تكفير العقل مستمرا في العالم العربي الإسلامي، وكان التيار الإخواني بكل امتداداته وفروعه وأذرعه...

ومن الشرق إلى المغرب؛ مع ابن باجة وابن طفيل، فالقمة ابن رشد سلطان العقول والأفكار...

وفي أوروبا العصر الحديث كان اللقاء مع عقلانية ديكارت في فرنسا وتجريبية لوك وهيوم في انجلترا فنقدية كانط في المانيا...

ومن الشك المنهجي إلى فلسفة التنوير والتحرير مع فلاسفة الأنوار والعقد الاجتماعي؛ روسو، هوبز، مونتسكيو... والفلاسفة الماديون؛ ديدرو، لاميتري، هولباخ، هيلفتيوس، فيورباخ... وكل الذين حطموا الأصنام والأوهام التي كانت تبثها الكنيسة في أذهان الناس في القرون الوسطى... والذين ساهموا في تصفية الحساب سياسيا مع الاقطاعية - الفيودالية (فصل الدين عن الدولة)، وكان ميلاد الثورة الفرنسية بشعاراتها الانسانية ...

إن ما حققته فرنسا على المستوى السياسي وحققته أنجلترا على المستوى الاقتصادي، حققته ألمانيا على المستوى الفكري... وكانت البداية لتأسيس وعي جديد مع جدل هيجل في لبوسه المثالي ومع ماركس في تطبيقه المادي... وكانت المادية التاريخية رؤية جديدة للتاريخ والمجتمع ودافعا إلى الارتماء في أحضان السياسة من باب اليسار الاشتراكي، وكانت الرفقة مع ماركس وأنجلز، لينين وماوتسي تونغ والمثقف العضوي غرامشي... ومطبوعات موسكو... وكان السؤال (ما العمل ؟)...

وكان القرن العشرون والنقد الفلسفي المعاصر للماركسية مع وجودية جون بول سارتر؛ فيلسوف الحرية بامتياز، وبنيوية ألتوسير في قراءته لماركس (دفاعا عن ماركس) وفي قراءته للرأسمال (Lire le capital)  ومع ميشيل فوكو في حفريات المعرفة وتاريخ الجنون... ومن فينومولوجية هوسرل إلى براغماتية جون لويس ...

وفي إطار جدلية العلم والفلسفة؛ كانت إيبستمولوجيا المعرفة العلمية؛ التحولات العلمية الكبرى في أواخر القرن 19 وبداية القرن العشرين؛ ظهور الرياضيات المعاصرة مع نظرية المجموعات لجورج كانتور، والهندسات اللااقليدية مع لوباتشيفسكي وريمان... وتأسيس الفيزياء المعاصرة مع اينشتاين في نظرية النسبية وماكس بلانك في نظرية الكوانتا... وما ترتب عن هذه التحولات العلمية من نتائج إيبستمولوجية؛ أزمة الأسس، انهيار البداهة، انهيار المطلقات... تأسيس عقلانية علمية جديدة؛ التحول من العقلانية الديكارتية إلى العقلانية اللاديكارتية مع غاستون باشلار في نقد مفاهيم المعرفة العلمية؛ العقل، الواقع، العقل، الحقيقة... تأسيس النظريات العلمية على الحوار الشيق بين العقل والتجربة كحل للاختلاف الإبستمولوجي القائم بين العقلانية الرياضية الصورية والوضعية الاختبارية المنطقية ...

ومن إيبستمولوجيا العلوم الحقة، ايبستمولوجيا الرياضيات والفيزياء... إلى إيبستمولوجيا العلوم الإنسانية مع دي سوسير في اللسانيات، وجون بياجي في علم النفس التكويني وكلود ليفي ستراوس في الأنتروبولوجيا البنيوية...