السبت 25 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

المحافظ: مشروع العمل التطوعي التعاقدي خطوة في مسافة الألف ميل

المحافظ: مشروع العمل التطوعي التعاقدي خطوة في مسافة الألف ميل جمال المحافظ، فاعل جمعوي
يسعى مشروع القانون 18. 06 المتعلق بتنظيم العمل التعاقدي الذي صادق عليه مجلس النواب في الثامن من يوليوز 2021 إلى تحديد مفهوم العمل التطوعي التعاقدي وضبط نظامه وشروط ممارسته، والمساطر والإجراءات الإدارية المتعلقة به، فضلا عن تنظيم حقوق وواجبات أطراف العمل التطوعي التعاقدي وتوضيح آليات الرقابة ونظام العقوبات والجزاءات المرتبطة به، مع إحداث سجل وطني خاص بالعمل التطوعي التعاقدي.
 
مشروع في الوقت الميت حكوميا وتشريعيا
           
وإذا كان اعتماد قانون للتطوع التعاقدي الذى طالما ترافعت من أجل اقراره الجمعيات في مقدمتها المنظمات الوطنية التاريخية التي تنافح عن الحركة التطوعية، وإشاعة قيمها، سيسهم ولاشك، في تعزيز أدوار المجتمع المدني، وتوفير جانب من الموارد البشرية والمالية، فإنه أتى في الزمن الميت للحكومة، ومازال في المسار التشريعي.
كما سيساهم هذا المشروع في فتح آفاق واسعة ودينامية جديدة للعمل التطوعي وتعزيز الحماية القانونية للمتطوعين المتعاقدين من خلال سن إجراءات لضبط الحقوق والواجبات المتعلقة بهم، فضلا عن تعزيز سجل المغرب في مجال الحقوق والحريات والتزامه بالاتفاقيات والعهود الدولية لحقوق الانسان كما صادق عليها، حسب ما جاء في تقديم وزير الدولة المكلفة بحقوق الانسان والعلاقات مع البرلمان، فإن تنمية العمل التطوعي، يتطلب في حقيقة الأمر توفير كافة الشروط الكفيلة بتثمين التطوع كقيمة مجتمعية مساهمة في التنمية بأبعادها المتعددة.
 
التطوع التعاقدي: التعريف والتنظيم وآليات التنزيل
 
ويتضمن مشروع القانون المتعلق بالعمل التطوعي التعاقدي عدة أبواب ومواد، تتناول تعريف ومرتكزات هذا العمل والجهات التي لها حق تنظيمه مع التمييز بين عقد التطوع وعقود التوظيف والشغل، وتقديم خدمة التي تتم مقابل أجر شهري أو مبالغ جزافية متفق عليها مسبقا. كما  ينص على شروط تنظيم العمل التطوعي التقاعدي داخل المغرب والخارج والتنصيص على إحداث لجنة يعهد اليها بدراسة ملفات طلبات الحصول على الاعتماد، تتألف من ممثلي القطاعات الحكومية المعنية وشخصيتين من الفعاليات المدنية.
وعلاوة على الشروط التي يجب أن تتوفر في المتطوع المتعاقد، يتضمن المشروع مقتضيات أخرى تتعلق بمراقبة العمل التطوعي التعاقدي والسجل الوطني للعمل التطوعي التعاقدي والعقوبات، مع حث الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية وباقي الاشخاص الاعتباريين الخاضعين وللقانون العام أو القانون الخاص لاتخاذ الاجراءات المناسبة لتشجيع العمل التطوعي التعاقدي داخل المغرب أو خارجه.
وأبانت مختلف التجارب الوطنية والدولية، الأهمية التي يضطلع بها العمل التطوعي في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضية، وكل ما يتعلق بالتنمية المستدامة، وهو نفس التوجه الذي سارت وفقه الجمعية العامة للأمم المتحدة التي اعتبرته عنصرا مهما في أي استراتيجية، تستهدف عدة مجالات كالحد من الفقر وتحقيق التنمية المستدامة والسلم والصحة والتعليم وتمكين الشباب وتحقيق التكامل الاجتماعي والرعاية الاجتماعية والعمل الإنساني.
 
ممارسة العمل التطوعي مقياس للاستفادة من فرص العمل
 
وفضلا عن إقرار المنتظم الدولي الاحتفال باليوم العالمي للتطوع في الخامس من دجنبر من كل سنة، للإشادة  بالأدوار الطلائعية التي تقوم بها الحركة التطوعية والمتطوعون في كل بقاع العالم من جهود متنوعة، مع دعوة الأمين  العام الى ادماج  العمل التطوعي في خطة التنمية المستدامة برسم سنة 2030. كما أن هناك بعض الدول المتقدمة، تجعل ساعات العمل التطوعي من بين المقاييس التي تعتمدها مؤسساتها من أجل التشغيل.
وعلى المستوى الوطني، أناط دستور 2011  بالمجتمع المدني أدوارا دستورية جديدة، وذلك اعترافا بما راكمته الحركة الجمعوية التطوعية ورموزها في مسارها منذ بداية الاستقلال التي شهدت انجاز مشاريع تطوعية لازالت محفورة في الذاكرة الجماعية التطوعية، في مقدمتها مشروع طريق الوحدة وحملات محاربة الأمية والتشجير والتربية على المحافظة على البيئة والقيم الوطنية والإنسانية، بهدف اعداد الأجيال الصاعدة، لمواجهة تحديات بناء المغرب الجديد.
 
من أجل فتح نقاش واسع حول تنزيل وتفعيل المشروع
 
وعلى الرغم من إيجابيات هذا المشروع، الذي يعد ثمرة مبادرات الحركة التطوعية التي ما فتأت تطالب بالإسراع بإخراجه الى حيز الوجود، فإنه مع ذلك يتطلب فتح نقاش واسع مع مختلف الأطراف المعنية حول مضامينه وآليات وطرق تنزيله وتفعيله.
وتتعدد آراء عدد من الفاعلين الجمعويين، حيث لاحظ في هذا الصدد عبد الرزاق الحنوشي الفاعل المدني، في حوار خاص حصري بخصوص أن مشروع العمل التطوعي التعاقدي، بالغ في الإحالة على نصوص تنظيمية ( يتضمن المشروع خمس احالات على نصوص تنظيمية )، وهو التوجه الذي دأب عليه المشرع المغربي ولاسيما عندما تكون الحكومة هي صاحبة المبادرة التشريعية والحالة هاته في هذا المشروع  الذي له إيجابيات مؤكدة، ولكن في نفس الوقت له بعض العيوب، قد تصل إلى تعطيل دخول هذا النص حيز التطبيق، كما وقع ، مثلا بالنسبة لقانون منع التدخين في الاماكن العمومية.
وأضاف الحنوشي وهو أحد خريجي الحركة التطوعية متمثلة في الجمعية المغربية لتربية الشبيبة (لاميج)،  أن من شأن عدم توضيح وتدقيق مجال تطبيق مقتضيات هذا القانون و تحديد مجالات العمل التطوعي المستثناة، أن تحدث نوعا من الارتباك قد تؤدي، إلى تعليق ( او منع ) صيغ العمل التطوعي القصير المدى الذي دأبت على تنظيمه جمعيات اوراش الشباب باعتباره عملا تربويا وتكوينيا محضا، وينضبط لقواعد ومرجعيات متعارف عليها دوليا ومكرسة في الممارسة الجمعوية المغربية منذ ما بعد أوراش طريق الوحدة .
وإن كان توسيع قاعدة العمل الجمعوي عدديا وإن  كان نظريا يعد مسألة صحيا وتكريسا لمبدأ الحرية والتعددية، فإن تضاعف مكونات النسيج الجمعوي في السنوات الأخيرة، فاقت كل التوقعات، وزاد عددها بمتواليات هندسية مالتوسية، بلغ نحو 150 ألف جمعية، فإن الأمر يتطلب، توفير عدة شروط من بينها تحديث قانون الجمعيات وتأهيل تنظيماتها، من أجل الارتقاء بمستوى أدائها، وصيانة استقلاليتها وحكامتها ودمقرطتها.
فالعمل الجمعوي التطوعي، الذي يختلف عن الاحسان، يعد إحدى الآليات والقنوات المساهمة في ترسيخ قيم التضامن والمواطنة، والذي يتطلب توحيد الجهود بين مكونات الحركة الجمعوية التطوعية، واستثمار رصيدها وتطوير عملها على ضوء التحولات الجارية على المستوى الوطني والدولي.
 
من أجل تشخيص دقيق لواقع العمل التطوعي
 
فالمسألة تتطلب كذلك، القيام بتشخيص دقيق وعلمي لواقع العمل التطوعي بالمغرب والعمل على تقوية قدرات مكوناته في ميادين الديمقراطية التشاركية، والتربية على قيم التطوع والتعاون والتضامن وتنميتها لدى كافة فئات  المجتمع والتحسيس بأهمية العمل التطوعي وحفظ ذاكرته حية وتخليق العمل الجمعوي بمحاربة كل مظاهر الفساد والانتهازية والوصولية.
إن الحركة التطوعية، ساهمت بفعالة خلال مسارها في بناء المغرب الجديد، حيث لا يمكن الحديث عن الأداء المدني بالمغرب بدون استحضار تجارب هيئات جمعوية تاريخية، انخرط أطرها وأعضاؤها في العمل التطوعي منذ بداية الاستقلال منها الجمعية المغربية لتربية الشبية ( لاميج) التي  احتفلت في 19 من مايو الماضي بمرور 65 على تأسيسها، وكانت لها إسهامات في مشاريع وطنية كبرى، في مقدمتها طريق الوحدة سنة 1957 والذي قال المهدى بن بركة عنها «لولا المساهمة الفعلية لأطر جمعية لاميج ، لما كان لهذا المشروع أن يحقق أهدافه».
فطريق الوحدة لم يكن العلامة المضيئة الوحيدة، في المشاريع التطوعية لهذه الجمعية الوطنية التي احتضنت أجيال كثيرة تحملت مسؤوليات ومتعددة، بل ساهمت في الحملات الوطنية لمحاربة الأمية وأوراش في مجال البيئة كالشجير (غابات بوسكورة بضواحي الدار البيضاء والهرهورة قرب الرباط وغابة المعمورة بضواحي سلا  والخدمات الاجتماعية.
كما تعددت المبادرات المدنية، لتثمين قيم التطوع، في وقت يلاحظ تراجع منسوبه لعدة عوامل ذاتية وموضوعية، ليس المجال للوقوف عندها، منها إطلاق جائزة محمد الحيحي للتطوع  منذ سنة 2017  التي تمنح بمناسبة اليوم العالمي للمتطوعين الذي يصادف الخامس من دجنبر من كل سنة لأفضل عمل تطوعي وطني، وذلك بهدف المساهمة في التعريف والتحسيس بأهداف ورسالة العمل التطوعي وإشعاع ثقافته وقيمه.