الجمعة 24 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

العزوزي: هذه هي تخوفاتنا من غموض قانون التطوع التعاقدي

العزوزي: هذه هي تخوفاتنا من غموض قانون التطوع التعاقدي سعيد العزوزي، الكاتب العام لجمعية الشعلة للتربية والثقافة
مبدئيا لا يمكننا إلا أن نكون مع التأطير القانوني لكل فعل مجتمعي يساهم في التنمية والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية ببلادنا، ومنها العمل التطوعي باعتباره قيمة إنسانية.  كما أن الحركة الجمعوية ببلادنا ومنذ فجر الإستقلال اعتمدت مبدأ التطوع كقيمة أساسية في كل المبادرات والنضالات والتضحيات  التي قدمتها من أجل متلازمة الحرية والتنمية بالمساهمة في التربية على قيم المساواة والتضامن والتآزر والعدالة الاجتماعية والمجالية.
في ما يتعلق بتقييمنا للقانون 18,06 نعتبره على العموم قفزة نوعية في التعاطي مع العمل التطوعي باعتباره قيمة إنسانية ترسخت في الموروث الثقافي المغربي منذ القدم، وهنا لابد من التمييز  بين ما جاء به وركز عليه القانون وعنونه بالعمل التطوعي التعاقدي وبين العمل التطوعي الإرادي الذي شكل العملة الرئيسة للحركة الجمعوية ببلادنا سواء داخل الأنماط الجمعوية التاريخية كـ «اَلتْوِيزَةْ» و«الحركة» و«الجْمَاعَةْ»، حيث سادت قيم التكافل والتعاون والتضامن والتآزر ونكران الذات  في بناء صرح القبيلة والذود عن مصالحها أو في مواجهة نوائب الزمن، ومنها الكوارث الطبيعية والجفاف ومواجهة الأعداء، أو من خلال الأشكال الحديثة للمجتمع المدني بعد الإستقلال، حيث ساهمت الحركة الجمعوية والنقابية والسياسية من خلال مبدأ التطوع الإرادي والمجاني في التبشير بحلم الدولة الوطنية الديمقراطية من خلال فتح العديد من الأوراش التنموية، ومنها  المحطة التي شكلت وشما في الذاكرة الوطنية، وهي مشروع طريق الوحدة سنة 1957، التي أشرف عليها الشهيد المهدي بن بركة، والتي ساهمت في ربط شمال المغرب بجنوبه بمشاركة الآلاف من شباب المغرب من مختلف الطبقات الاجتماعية والجهات الترابية بروح وطنية عالية، تحت شعار بليغ يعبر عن القيم النبيلة للتطوع الإرادي: «نبني الطريق والطريق تبنينا»، حيث اعتمدت هذه المدرسة التي شكلت درسا في قدرة العمل التطوعي على تجسيد الخيارات الكبرى للشعوب من خلال أوراش البناء والتشييد في الفترات الصباحية من أجل فك العزلة عن العديد من القرى والدواوير والمدن المغربية، أو من خلال الدورات التكوينية التي تهدف البناء الفكري للإنسان تحت إشراف نخبة سياسية واقتصادية وفكرية تطوعت عن إرادة ودون مقابل، ناهيك عن العديد من المبادرات الوطنية نذكر منها إعادة بناء دور الصفيح بمدينة سلا وشق المسالك الترقية بالعالم القروي و بناء المدارس… وتنظيم المخيمات الصيفية لأزيد من 45 ألف طفل ويافع بطاقم تربوي متطوع بالآلاف، وأطر تربوية واجتماعية منتشر بمختلف دور الشباب عبر ربوع الوطن ومئات الآلاف من الكفاءات والطاقات المتطوعة في مختلف المجالات التنموية محليا وجهويا مسلحة بنبل المقاصد للعمل التطوعي الإرادي.
وإن كان مشروع قانون 18,06 قد جاء لتثمين العمل التطوعي التعاقدي الذي يأتي بين منزلتين أولها التطوع التقليدي الإرادي والمجاني وبين منزلة الأجراء أو الموظفين كرافعة للتنمية الشاملة من خلال تحصين حقوق المتطوع المتعاقد وصون كرامته وتثمينا للأدوار التنموية التي يقوم بها الأشخاص الاعتباريين العاملون في مجال التطوع التعاقدي، وهو عمل تشريعي ساهم من دون شك في ملأ الفراغ الذي عرفه هذا القطاع لعقود من الزمن.
إن التطوع التعاقدي ليس وليد اليوم، بل عملت به العديد من الجمعيات المعتمدة على التمويل الدولي أساسا، وانتشر في مطلع تسعينيات القرن الماضي وزاد انتشارا مع بداية الألفية الثانية خاصة في مجال تدبير وتسيير المشاريع التنموية والحقوقية، واعتمادا على قواعد القانون العام المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود المغربي وقانون الشغل. إلا أن هذا يستدعي منا الحذر من الخلط بين مفهوم التطوع الإرادي المجاني (le bénévolat) والعمل التطوعي التعاقدي بعقد بين طرفين لمدة محددة يضمن الحماية الاجتماعية للمتطوع (Le volontariat).
في هذا السياق تأتي بعض التخوفات المشروعة للحركة الجمعوية التي تعتمد كليا على العمل التطوعي الإرادي النابع من قناعات وإرادة منفردة في تقديم الخدمة العمومية ذات المنفعة العامة دون مقابل، والذي يقتضي الحرية والاستقلالية وعدم المحاسبة باعتبار العقود المنصوص عليها في القانون 06,18 ترتب التزامات تنتج عنها عقوبات قد تحد من الإقبال على التطوع كفعل اختياري. وقد يشكل التفافا حقيقيا على المفهوم الحقيقي للتطوع بمفهومه النبيل  والحد من انتشاره لصالح  مفهوم التعاقد الذي لم ولن يشكل قيمة مضافة على الأقل بالنسبة للجمعيات الوطنية المشتغلة على مفهوم القيم من خلال التربية والتكوين وترسيخ قيم المواطنة للمساهمة في تأهيل الرأس مال البشري القادر على تمثل أدواره المجتمعية والمساهمة الواعية والمسؤولة في التنمية الشاملة.
كما نجد المشرع أتقل القانون في العديد من مواده بإجراء الإعتماد، وهو الترخيص بمفهوم آخر، أي أن كل مبادرة تطوعية تهدف إلى تقديم خدمة عمومية أو منفعة عامة تستلزم طلب الترخيص أو الإعتماد بعد موافقة الإدارة واجتماع اللجان المختصة، وهو الشيء الذي يتنافى ومبدأ الحرية والاستقلالية والمبادرة الفردية والجماعية. كما أن المشرع لم يحدد المراد بالإدارة هل هي جهة مستقلة أم قطاع من القطاعات الوزارية الشيء الذي يعيد مفهوم الوصاية على الجمعيات؟
إن التخوفات المبدئية تجد صداها في واقع الممارسة الجمعوية اليوم حيث في الوقت الذي كنا نتطلع فيه إلى منظومة متكاملة من القوانين المتعلقة بالحركة الجمعوية وتحصين فعلها التطوعي وتعديل قوانين الديمقراطية التشاركية والتشاور العمومي وتنظيم التمويل العمومي ومراجعة منظومة الضرائب في علاقتها بالجمعيات التطوعية للحد من بعض الممارسات الشاذة في الحقل الجمعوي كالاسترزاق والإحسان العمومي الذي يوظف أموالا مجهولة المصدر في أحيان كثيرة ويساهم في تذكية روح الكراهية.