الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
في الصميم

هاذي كذبة باينة!

هاذي كذبة باينة!

"تقدم شاب لخطبة فتاة من والدها، وبحرقة الأب الراغب في الاطمئنان على مستقبل ابنته، قال الأب للشاب: الزواج يا ولدي مسؤولية، وأهمها أن تكون لك مهنة. فرد عليه الشاب: لا تقلق يا عمي، فأنا أملك ثلاث شركات بالحي الصناعي البرنوصي وشركة بالحي الصناعي مولاي رشيد فضلا عن خمسة مشاريع عقارية كبرى.

ارتاح الأب وسأله: ولكن ابنتي لابد من أن تسكن في منزل محترم. قاطعه الشاب قائلا: "من هاذ الناحية ما تضرب حساب. أنا أملك فيلا في كاليفورنيا وأخرى في أنفا العليا وشقة فاخرة بالطابق الأخير بمارينا

البيضاء، زد على ذلك فأنا أملك شاليه في إفران وكابانو في شاطئ بوزنيقة وشقة في باريز وأستوديو في نيويورك قرب مانهاتن".

ابتسم الأب وقال للشاب: هاذ الشي مزيان، ولكن البنت خاصها سيارة. أجابه الشاب: ساهلة، عندي سيارة بورش وميرسيديس آخر  طراز وسيارة أودي واعرة، أما سيارات رانج روفر، فهي موجودة بلا حساب محطوطة في الكاراج. وزيد عليهم أنا عندي طائرة صغيرة من نوع «كينغ إير» حاطها في  كاراج بمطار تيط مليل ويخت في القاعدة البحرية بالمحمدية.

هنا لم يتمالك أب الفتاة، نفسه فقام وعانق بحرارة الشاب قائلا: "الله يرضي عليك يا ولدي، أنت كلك كمال، مافيكش الديفو (Défaut). أجابه الشاب: "بالعكس يا عمي، فيا ديفو واحد وهو: الكذوب، الكذوب، الكذوب"".

هذه النكتة التي نسجها الخيال الشعبي تنطبق بامتياز على معظم المسؤولين بالمغرب، أيا كانت مستوياتهم (حكومية أو برلمانية)، وأيا كانت مناصبهم (بالإدارة المركزية أو الجهوية أو المحلية)، وأيا كان بروفيلهم (وزير أو مدير مكتب عمومي أو مدير شركة عمومية أو والي أو رئيس جماعة ترابية).

ولا يحتاج المرء إلى بذل مجهود كبير للوقوف على أكاذيب المسؤولين، وإن كان من اختلاف بينهم ففي درجات ومستويات الكذب فقط، أما عقيدة الكذب فهي القاسم المشترك بين معظمهم.

الملف الذي تنشره «الوطن الآن» في هذا الأسبوع، يقدم البرهان على أن المغرب لا يتوفر على نخب سياسية وإدارية وتقنية قادرة على تسطير برنامج أو مشروع والتقيد بجدوله الزمني. فإما أن الورش «يتجرجر» لسنوات أو ينجز المشروع بشكل مخالف للصيغة التي عرض بها على الرأي العام.

مثلا: لتسويغ إفراغ السكان من حي المطار بالبيضاء، تم تسويق مبررات مفادها أن ترحيل مطار أنفا سيتحول إلى منصة مالية وستخصص 50 هكتار كمنتزه للبيضاويين، فإذا بالسكان يطردون ويعوضون بـ «جوج فرانك»، بينما لهف الأرض (350 هكتارا) كبار النافذين الذين شيدوا الناطحات دون مرافق. أما المنتزه (أو سانطرال بارك) فتبخر مثلما تبخرت مشاريع مماثلة.

في الحسيمة وقع نفس الشيء، إذ قدم مشروع منارة المتوسط كرافعة للتنمية بالريف فإذا بالواقع يظهر أن ما قدم كان مجرد أباطيل ولم تلتزم أي إدارة أو شركة أو صندوق بما تعهدت به.

المقام هنا لا يسمح بسرد كل الأمثلة (انظر صفحات غلاف عدد "الوطن الآن" لهذا الأسبوع)، ولكن القصد هو التنبيه لمخاطر شيوع عقيدة الكذب في تقديم البرامج والمشاريع للملك وللشعب دون أن يستشعر هذا المسؤول أو ذاك أنه بفعله وتصرفاته إنما يقوض أسس الثقة في الدولة وفي المؤسسات.

وإذا استمر الكذب دون محاسبة ومساءلة للمسؤولين (إعفاء وإقالة أو محاكمة حسب كل حالة)، فقد تنهار الثقة بالكامل، وآنذاك لن ينفع في ترميم الجراح الندم على التستر على فلان أو التغاضي عن فرتلان.