السبت 18 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

مصطفى المتوكل الساحلي: الأقنعة المضللة  للناس  المعطلة  للتنمية والتقدم   

مصطفى المتوكل الساحلي: الأقنعة المضللة  للناس  المعطلة  للتنمية والتقدم    مصطفى المتوكل الساحلي
القناع وجه مزيف تتغير مظاهره حسب المخاطبين ومكانتهم والموقف منهم وحسب المصالح والظرفيات، يصبح بها البعض مؤمنا ويغدو واعظا ويمسي متواطئا وانتهازيا  ويبيت متلصصا وينام متآمرا  ويتحول إلى  مهرج . 
فلكل مجال أو صنف و نوع أقنعة عديدة، منها ما يلبس حسب حالات التواصل اليومية سواء كانت إيجابية أو سلبية، ومنها ما يستعمل حسب المناسبات واللقاءات والأحداث، إنها بكل أنواعها مظهر فاضح من مظاهر البؤس والإفلاس الفكري والعقلي واضطراب في النفسية والشخصية حيث يرتفع منسوب الكذب والتضليل والحقد والكراهية والتآمر والإساءات في النفس والعقل ، والتشكيك في كل شيء فيختلط  هو ب هي ، وهم بأولئك.
إننا نعلم جميعا أن الأقنعة المتعددة المرجعيات والأدوار التي تتصف بالحربائية والنفاق وانتحال الصفات وتقمص هويات وتقليد تبعي لأشخاص أصبحت تملأ المشهد الشعبي العام وتكتلات النخب المثقفة والمشهد السياسي بمختلف تمظهراته ومؤسساته المنتخبة وغير المنتخبة والتي تعتبر موسمية،  تضيع معها القيم الايجابية للسياسة، وتتضرر من نيتهم حسنة وأعمال مباركة، فيختلط الأمر على العامة وتتباين ردود الأفعال بين المشكك والرافض والمتربص المنتهز للفرص فتضيع مصالح الناس بضياع العلم بالقانون والحقوق والواجبات والجهل باختصاصات  كل المؤسسات.
إن الدولة والحكومة هما المسؤولان بالدرجة الأولى عن الوضوح والتوعية ونشر المعرفة السياسية بأمور الدولة ومؤسساتها وبأمور الناس وبعدهما الأحزاب والقوى المدنية العاملة، وذلك بتوصيف الأوضاع توصيفا موضوعيا وصادقا بدون أقنعة المظلومية والتي تمرر بها قرارات وسياسات زادت الفقراء فقرا، وأضعفت الطبقة الوسطى، وصنعت بكل أنواع الريع طبقة تستنزف الثروة الوطنية بجعل بعض منابع الثروة رهن إشارتهم بالتراخيص وما يسمى القرارات الإستثنائية.
وبعيدا عن الأقنعة المزيفة التي توهم الناس بحلول لا توجد وفقا للاختصاص الدستوري والقانوني إلا عند المؤسسات الحكومية والعمومية التي تعتبر هي المسؤول الرئيسي عن إقرار عدالة اقتصادية واجتماعية وتوظيف ديموقراطي للثروات الوطنية لفائدة مدن وبوادي الوطن في التعليم والصحة والبنيات التحية والتنمية الإقتصادية والصناعية والمجالية، وشق الطرق وتهيئتها وبناء وتجهيز المؤسسات العمومية بالجماعات وتزويدها بالأطر والكفاءات والتخصصات، وخلق فرص الشغل بالإدماج الفعلي للشباب في الدينامية التنموية وتطوير بنية الاستقبال في الوظائف العمومية الرافع الأساسي لتحقيق سير متقدم ومتجدد لكل المرافق بما يضمن ثقة المرتفقين، وحفظ وحماية وتثمين التراث اللامادي والمادي، وفك العزلة، ووضع حد للهشاشة والفقر والبيروقراطية الإدارية، والقطع مع الشطط في استعمال السلط بأنسنة العلاقات.
إن  الإحصائيات الرسمية تكشف على أن الدولة تملك ما يناهز 90 في المائة من الميزانيات تتصرف فيها وتقرر بشأنها  القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية المختلفة للدولة. 
إن إيهام المواطنين والمواطنات بأن المنتخبين ترابيا مسؤولون حتى عن  نتائج السياسات الحكومية بكل قطاعاتها، وعن القرارات البرلمانية في مدنهم وقراهم  سواء بتصريحات من حكوميين أو البعض من مكونات السلطات المحلية أو في اطار المزايدات الإنتخابوية، يزيد الوضع تأزما وضبابية ويشكك في كل المؤسسات ويضرب الثقة في التغيير والتطور والإصلاح والتقدم  بالديموقراطية، وهنا يتبادل البعض من هؤلاء الأقنعة ليقذف بعضهم بعضا بالتقصير وتحميل المسؤولية عن كل أشكال التردي والأزمات المرتبطة بالسياسات والبرامج الوطنية التي أبانت عن فشلها وتعثرها وعجزها في وضع نموذج تنموي وطني ناجح تنعكس آثاره الإيجابية على الشعب المغربي دون تمييز أو طبقية أو إقصاء وتجاهل  لأحوال وأوضاع الجماعات التربية المحلية والاقليمية وامتداداتها الجهوية .
إن المدخل الجوهري لبناء النموذج التنموي الجديد الضامن للتطور و الإزدهار هو تحديد المسؤوليات والوضوح والموضوعية والجدية في علاقة بالقدرات الفعلية المالية والبشرية للجماعات الترابية المحلية والإقليمية والجهوية لتتحول إلى مقاولات مدنية مواطنة، وقيام الدولة والحكومة بجميع قطاعاتها بأدوارها ومسؤولياتها الكاملة في بناء الاقتصاد الوطني جهويا وإقليميا وإرساء سياسة مالية عادلة  ببعد استثماري تنموي ميداني لإلغاء الفوارق المجالية السلبية التي تتسبب في الفقر والبطالة والتهميش والهشاشة و الإحتقان.
إن تنمية الوطن والشعب والدولة مسؤولية الدولة والحكومة، لهذا وجب البدء بإزالة ووضع ومنع الأقنعة التي تضلل وتخلط المفاهيم والمسؤوليات لتظهر الصور جلية لا تزييف فيها ولا تزوير ولا تنميق  .
إن سياسات الأقنعة في التعامل مع الأوضاع والاستحقاقات والمسؤوليات أمر متعارض جملة وتفصيلا مع كل النماذج التنموية الرائدة عالميا عبر التاريخ، فكفى من الأقنعة والتضليل، ونعم للوضوح والصراحة والمكاشفة حتى تتحمل كل المؤسسات مسؤولياتها تجاه الوطن ومع الشعب للعمل جميعا كقوة واحدة موحدة من أجل مسيرة تنموية عملية حقيقية تقطع مع التجريب و الإرتجال.