الاثنين 18 أكتوبر 2021
كتاب الرأي

مصطفى المنوزي: الحق في الحياة بين الضمانات السياسية والتضامن الحقوقي

مصطفى المنوزي: الحق في الحياة بين الضمانات السياسية والتضامن الحقوقي مصطفى المنوزي

أثار صديق فيسبوكي بجرأة غير معهودة حادثة تتعلق بتجربة أحد الصحفيين المرموقين الذي غير دفاعه وحصل على السراح المؤقت، فقلت له ربما خانك التعبير، فلم يكن سبب تغييره للدفاع هو الابتزاز والاسترزاق، لأن اختيار المتابع لطريقة الدفاع أو تسوية الملف لها أثر خاص باعتبارها مرتبطة بتفاوض في صيغة طلب سراح، ومع ذلك فملف هذا الصحافي المرموق ما زال عالقا، كما هو حاصل في كثير من الملفات، وإن كان تغيير فريق الدفاع البديل  لم يتجاوز "مكسب" التمتيع بالسراح الذي يظل مؤقتا في جميع الحالات. ليظل المتابع رهينا حرا.

لذلك أؤكد، لأن المناسبة شرط، أنني دائما أنصح الذين يؤمنون (بالمطلق واليقيني) بأن الهيأة القضائية (غير محايدة) كلما تعلق الأمر بملف معين ومحدد بذاته وسياقه بأن يتجهوا إلى البحث عن تسوية هامش - قضائية، وفق وحسب ما يوفره السياق السياسي والهامش الزمني من إمكانية  لتدبير أي تفاوض أو تسوية ممكنة. رغم أن -وللأسف- بعض المتابعين غير منتمين ويعدمون الوساطة المفترضة، بل يرفضونها، وهذا من صميم حقهم وحريتهم، وليتحمل كل واحد مسؤوليته، لأن الاقتناع المبدئي منفصل عن الفعل السياسي وبالأحرى عن عملية تسييس أي "اعتقال" واعتباره حاصل كضريبة للاختيار؛ وبالنسبة للتجربة الوطنية والشخصية، ورغم انه لا تماثل بين الحالات والأشخاص والإرادات؛ فبمجرد اعتقالنا وحلول مراحل التحقيق والمحاكمة، وما  بعد صدور الأحكام ابتدائيا ورفعها استئنافيا، جنحنا إلى التخطيط لكيفية تدبير الحياة السجنية والدراسية، وخرجنا وفي جعبتنا نجاحات وشهادات جامعية، خولتنا إمكانية الاشتغال باستقلالية وكرامة؛ وبالتالي لم يكن لنا خيار مؤسس على أي رهان، ناهيك عن الظرفية التي كانت لا تسمح بأي انفراج، فالهدف من اعتقالنا كان هو حينها  إخلاء الجامعات منا نحن "الحداثيون والتقدميون" ومن كل الطيف اليساري والديمقراطي، لكي يحتكر المحافظون (الإسلاميون) المعاهد العليا والكليات الحضور و"النضال الطلابي الدعوي" في أفق الاستيلاء على الأجهزة التمثيلية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

من هنا وجب القول إنه لا عيب في نهج التسويات بالنسبة لمن استطاع لذلك وسيلة، علما أن الخلل ليس في مسلك الصمود والمقاومة؛ وإنما الخلل في حجم الثمن المقابل.

والخلاصة من الرسالة أنه لا يعقل أن تكون كلفة (الخلاص من القضية أو من وقعها) مساوية  أو أعظم من الحق في  الحياة، وللتذكير فالصمود سياسي وموضوعي ولم يكن أبدا  ذاتيا وإرادويا، مما يعني أن موجبات  التضامن الحقوقي تنافسها (نديا) اشتراطات الضمانات السياسية .

ولأن المناسبة شرط، فإن إقدام السلطة العمومية في شخص الإدارة الوصية على تدبير قطاع السجون وتحت إشراف النيابة العامة وبحضور تشاركي للمؤسسات الوطنية والهيئات الحقوقية ذات الصلة، إقدامها على وضع دليل لتدبير أشكال التعبير والاحتجاج داخل السجون، يستحق من حيث المبدأ كل التثمين مادامت الغاية النبيلة المفترضة في إطار حسن النية ببعد إنساني يروم ترجيح الحق في الحياة، تقديسا، على كافة الحقوق الأخرى موضوع أو سبب معركة الإضراب عن الطعام، غير أنه وقبل تخصيص مقالة خاصة لدراسة الدليل من جميع جوانبه الحقوقية والقانونية والصحية، لأن الأمر لا يتطلب فقط مجرد انطباعات انفعالية في سياق مجرد حقيقة إعلامية، وإنما تفاعل بمقومات وأدوات معرفية أي تمحيص وبحث بالمعنى الأكاديمي والعلمي الشامل والموضوعي؛ في انتظار لابد من الحرص على وضع الدليل تحت مجهر الرقابة الدستورية، واستنادا إلى قاعدة عدم التعسف في تشريع المقتضيات باسم الواجب، والذي تقابله قاعدة عدم التعسف في استعمال الحق، لأن حكمة المشرع ينبغي أن تحقق العدالة والإنصاف تفاديا لأي شطط في استعمال السلطة أو القوة ولو كانت مشروعة. وما يهمنا في آخر التحليل  هو ضمان تحقيق التناسب فيما بين الحق في الإضراب عن الطعام  أو الاحتجاج وبين المطالب أو الحقوق المتطلب تحقيقها، وكلما كان القرار تشاوريا بمقاربة قانونية وحقوقية، أكثر منها سياسية، تحققت الرسالة المنشودة بأقل كلفة ممكنة، وما أغلى الحياة وما أقدس الحق في حمايتها.