السبت 31 أكتوبر 2020
سياسة

سفيان الحتاش: حراك الريف.. حالة انسداد الأفق تخدم المشاريع الانفصالية

 
سفيان الحتاش: حراك الريف.. حالة انسداد الأفق تخدم المشاريع الانفصالية

لا أعرف إن كانت الدولة ومؤسساتها السياسية والأمنية تعي وتعرف جيدا كيف تبدأ وتتطور المشاكل والأزمات السياسية الكبرى، التي يمكن أن تصيب كيان الدولة الوطنية وتنخر نسيجها الوطني ووحدتها السياسية وتصيبها بأمراض التقسيم والانفصال والطائفية السياسية والإثنية والدينية.

مناسبة وسياق هذا الكلام هو مستجدات وتطورات حراك الريف وتداعياته في الداخل والخارج. فحالة انسداد الأفق الذي بات يعاني منها هذا الملف تجعلنا نطرح أكثر من سؤال حول الأفق والمسار الذي ترسمه وتتخذه الأحداث. فإذا كان الحراك غلبت عليه منذ البداية العفوية وافتقر نشطاؤه للرؤية والدراية السياسية اللازمة والمطلوبة في أي دينامية أو حركة ذات طابع اجتماعي، سياسي، طبقي، فإن ركون الدولة إلى المقاربة الإطفائية الغير المسندة بالحلول الجذرية التي تنبني على رؤية شمولية في معالجة الوضع، هو أمر غير مفهوم وغير مقبول على الإطلاق، تحت أي مسوغ أو مبرر كان وتحت أية ظروف، لأن الحرائق التي تم إطفائها لم ولن يتم القضاء عليها.. لأنها توجد تحت الرماد، وحتما ستعود إلى الاشتعال بحسب الأسباب والعوامل والقوانين التي تحكم الأزمة؟ 

- لقد أفضت تطورات حراك الريف الأخيرة بالخارج، خاصة بعدما تقرر تنظيم مسيرة يوم العاشر من شتنبر 2017 بالعاصمة البلجيكية بروكسل، التي ستخصص لخلق تنظيم ريفي يقطع نهائيا مع التنسيقيات واللجان الموجودة على الساحة الأوروبية لخدمة أفق فكرة ومشروع الجمهورية، أدبيات المنظمين للنشاط عبرت بشكل واضح عن استدعائها لفكرة وتجربة الدياسبور/ الشتات المستلهمة من روح الشعبين اليهودي والكردي، وقد سبق للباحث الريفي موحند أيت يوسف أن تطرق للقضية في مقاله الموسوم بـ "حراك الريف بالخارج يرفض انفراجه بالداخل" المنشور بموقع "أنفاس بريس" الإلكتروني.

- إن بقاء أزمة حراك الريف بدون أفق للحل، وتهريب الحراك إلى الخارج، أعطى الفرصة والمجال لتحريك أجندة سياسية تشتغل على أهداف ومشاريع انفصالية ذات أفق جيوسياسي تتجاوز حتى أصحاب الفكرة وتجعلهم مجرد مشغلين في صراع دولي، خاصة بعد إعلانهم أنهم سيتحالفون مع الدول المعادية للمغرب.. فالرسالة هنا واضحة لا تحتاج لأي تحليل أو تأويل، الأمر يتعلق بتدويل أزمة الريف، ورغم أن المغرب مطمئن نسبيا لعدم تبني الدول الكبرى في أوروبا، خاصة فرنسا، لهذه الأجندة، لأنها تتعارض مع مصالحها، إلا أن السيولة الكبيرة التي يعرفها النظام الدولي الراهن من حيث الأحداث والتطورات في فترته الانتقالية التي تعرف تراجعا كبيرا للمحور الجيوسياسي الذي ينتمي إليه المغرب، مع وجود دولة جارة كبيرة معادية لمصالح المغرب مثل الجزائر المرتبطة بمحاور دولية أخرى صاعدة، تفرض على المغرب التعامل مع الأمر بجدية. إننا في مقاربتنا لهذه القضية نستحضر سياق نشأة الكيان الانفصالي "البوليزاريو" خلال الحرب الباردة، والفاتورة الباهظة التي دفعها ومازال يدفعها المغرب.. فمنذ ذلك الحين، وعلى ما يزيد عن أربعة عقود ونيف من الزمن، ونحن نعاني من تبعات أزمة أهدرت فيها طاقات وإمكانيات وخاضت فيها حروب وسقطت فيها، ولا يزال، شهداء، وقدمت فيها تضحيات، فيما المشكل مازال عالقا يستنزف البلاد ويهددها بالتقسيم، لا قدر الله وهو وحده يعلم عاقبة الأمور إلى أين ستنتهي.

- بعد اتهام قادة أحزاب الأغلبية الحكومية لحراك الريف بالانفصالية، كتبت مقالة نشرت في كثير من المواقع الإعلامية بعنوان "حتى لا نتسبب في إذكاء روح الانفصال بالريف"، تطرقت فيها إلى أن نفس الأخطاء التي أدت إلى نشوء الكيان الانفصالي بالصحراء في سياق الحرب الباردة يحاول البعض تكرارها بالريف "لا يجب في مسألة حراك الريف أن نقع في نفس المصيدة، وأن نرتكب الخطيئة التاريخية، بحيث نكون نحن من يحول الصراع من صراع ونضال حول ما هو اجتماعي اقتصادي حقوقي إلى نضال بنفس وافق انفصالي، وإعطاء الفرصة للمتصيدين في الماء العكر لتحويل ملف الريف إلى ملف سياسي بمضامين انفصالية إثنية". واليوم يتأكد أن ثمة من يريد لحراك الريف أن يأخذ أبعادا أخرى لخدمة مشاريع وأجندة لا تخدم أهداف وطموح أهلنا في الريف في التنمية والبناء الديمقراطي، والدولة تتحمل في هذه الظرفية الدقيقة مسؤولية كبرى في نزع فتيل الأزمة عبر انتهاج مقاربة تشاركية مع مختلف القوى الحية بالمنطقة والبلاد لبناء مصالحة حقيقية مع المجتمع والتاريخ وقطع الطريق على المشاريع الهدامة والتخلي عن عقلية ومنهج الإكراه والقوة بدون مشروعية سياسية ومجتمعية المطلوبة لتجاوز الأزمة.

- إن التنظيمات التي تتبنى الطرح الانفصالي بالخارج من قبيل "التجمع الديمقراطي للريف" و"حركة 18 شتنبر لاستقلال الريف" و"جمعية صوت الديمقراطيين المغاربة" وفرع أوروبا لـ "منتدى الشمال لحقوق الإنسان"، تستغل الوضع الغير السوي لعلاقة الريف بالدولة المركزية.. وضع يعكس فشل الدولة الذريع في استيعاب الريف كهوية وشخصية ثقافية، فشل في التصالح مع تاريخ الريف وإنسانه وتلبية طموحاته.. وهنا لابد من التذكير والتأكيد على مسألة على درجة كبيرة من الأهمية، وهو أن حراك الريف كشف، بل وعرى كثيرا من السياسات الفاشلة في مجال العدالة المجالية، وبالتالي فإن درس حراك الريف يجب أن تستفيد منه الدولة أولا لتجاوز أخطائها وتخبط سياساتها الاقتصادية والاجتماعية. من هذا المنطلق فإن حديثنا عن الريف لا يعني أننا نمارس تمييزا مجاليا، أو أننا نركن لخطاب يعتمد جلد الذات لخلق مظلومية مصطنعة، بل إننا نؤكد على مدخل حراك الريف لفهم واستيعاب اللحظة الراهنة التي تجتازها البلاد، وهذا ما قصده حتى الخطاب الملكي من خلال تأكيده على أن ما يقع في الريف يمكن أن يقع في أي منطقة أخرى من المغرب.

- حراك الداخل أيضا، وبسبب الفراغ في الساحة وانتهاج المقاربات الخاطئة، أصبح شديد الارتباط بحراك الخارج، ونجح جمهوريو أوروبا في ركوب موجة الاحتجاجات المطلبية وتوظيف حالة الحقد والاحتقان التي تعرفها المنطقة لتصفية حسابات سياسية مع النظام السياسي، وهو ما أضر كثيرا بمطالب الحراك المشروعة وعطل الحلول لأزمة الحراك بالريف. إن المشهد اليوم يبدو أكثر تعقيدا، فلا الدولة نجحت في تجاوز الأزمة بما تملك من مشروعيات سياسية، دستورية، حقوقية، دينية.. بل بقي الوضع ملتهبا، رغم الإطفاء النسبي لنيران الاحتجاجات، دون القضاء عليها جذريا. ومن جهة أخرى لم يستطع الحراك بناء نفسه تنظيميا وهيكليا لتحصين الملف المطلبي وتوسيع دائرة النقاش بين القوى الحية في المنطقة، وحتى بعد اعتقال نشطائه لم يستطيعوا التبرؤ من قوى حراك الخارج وأجندتهم الانفصالية لإنضاج حل معين. لترحل بذلك أزمة حراك الريف إلى مواعيد غير معلومة.. حتى نستفيق يوما على خسارة جديدة للوطن، خسارة سنؤدي ثمنها غاليا... وستؤدي الأجيال الصاعدة... ثمنها غاليا.