الخميس 20 يناير 2022
في الصميم

الحاجة إلى إحداث منصب وزير دولة "الباعة المتجولين" بالدارالبيضاء!!

الحاجة إلى إحداث منصب وزير دولة "الباعة المتجولين" بالدارالبيضاء!! عبد الرحيم أريري
في نونبر 2007 رفع المندوب السامي للتخطيط أحمد لحليمي، تقريرا طافحا بالأرقام الصادمة حول ظاهرة الباعة المتجولين بالدارالبيضاء تضمن رقما مفجعا يتمثل في وجود 128 ألف بائع متجول بالعاصمة الاقتصادية!!
وأوضحت دراسة المندوبية آنذاك، أنه من أصل 100 من مجموع السكان النشيطين بالبيضاء هناك 10 منهم يفترشون الأرض ويعرقلون المرور بالشوارع، ويتركون يوميا حوالي 130 ألف كيلو من الأزبال في الدروب والأحياء البيضاوية، أي 48 ألف طن من النفايات سنويا (وهو ما يعادل حجم ما تنتجه ساكنة مدينة من حجم بركان!)
وتبقى عمالة الفداء هي الأكثر تضررا من هذه الظاهرة بالعاصمة الاقتصادية، إذ تأوي لوحدها 10 في المائة من الباعة المتجولين (13 ألف فراش أو صاحب عربة عشوائية) موزعين على 30 نقطة بيع عشوائية بمختلف أحياء هذه العمالة المهمشة.
ورغم مرور أكثر من 13 سنة على هذه الدراسة المسلمة للمسؤولين العموميين، فإن الوضع عوض أن يعرف تطويقا، نراه يتفاقم كل يوم عبر زحف باعة آخرين على قضم مساحات إضافية بهذا الشارع أو تلك الزنقة في كل أحياء الدارالبيضاء، خاصة منذ بدء جائحة كوفيد.
والمؤسف أن الدولة - في شخص حكومة جطو آنذاك - رصدت 10 ملايير سنتيم للتصدي للظاهرة، فتفاحشت الظاهرة كما أوضحنا وبذرت الملايير العشرة في أسواق نموذجية ظلت معظمها مهجورة لرفض الباعة المتجولين الانتقال إليها لغياب دراسات مسبقة ومشاورات مع المعنيين.
والمتتبع للنقاشات التي تتم حاليا على هامش التحضير للانتخابات المقبلة ( المقررة في شتنبر 2021)، سيصاب بالغثيان، بالنظر إلى أن النخب الحزبية والإدارية والتكنوقراطية تتحدث عن منافسة الدارالبيضاء لبرشلونة وشنغهاي وإسطمبول وسنغافورة (الله ينعل للي ما يحشم!!).
وترفع هذه النخب شعار الاستعداد لتمتيع قلب المغرب بمقومات تمكن الدارالبيضاء من أن تكون قادرة على منافسة كبريات المدن العالمية! بدون أن يجرؤ منتخب أو رجل سلطة أو مدير مركزي أو مخطط حضري، ليشرح لنا كيف ستكون هذه المنافسة؟ وما هي مقوماتها؟ هل ستكون بالحمير والفرّاشة (بتشديد ونصب الراء) أم ستكون بالناتج الداخلي الخام وبالمعامل وكثرة اليد العاملة المؤهلة وخريجي المعاهد والكليات وبوسائل النقل الحضري الملائمة وتوفر المدينة على المرافق الكبرى الضرورية وعلى جودة العيش؟ 
فحسب علمنا وزياراتنا للعديد من المدن العالمية، فإن شوارع هذه المدن الأوربية والأمريكية، مؤثثة بالحدائق والأشجار وبالأثاث الحضري الأنيق، وتمتاز بسيولة السير وبسهولة التنقل، وليس بكثرة الباعة المتجولين الذين 
يشوهون المنظر ويحتلون الشارع بدون وجه حق. 
وحتى في الحالات التي توجد فيها مجموعة من الباعة المتجولين بهذه المدينة الأوربية أو تلك الأمريكية، فإن عددهم لا يمثل 10 في المائة من مجموع القوى النشيطة بالمدينة (مثلما هو الحال في الدارالبيضاء)، بل ينحصر عددهم في حفنة من الأشخاص تحرص السلطات الأوربية والأمريكية هناك على تنظيم وجودهم ونظافة مكانهم وضبط توقيتهم ومراقبة سلوكهم 
الأخلاقي والبيئي.
لقد حان الوقت لترقى ظاهرة الباعة المتجولين بالدارالبيضاء إلى شأن سيادي يوضع في الأجندة العمومية المركزية، كإحدى الأولويات التي تؤرق السكان، بدل تعويم الظاهرة بالبيضاء والقول إن المغرب كله يعاني المشكل.
فالمدينة الثانية ديمغرافيا بالمغرب بعد الدارالبيضاء هي سلا (حوالي 800 ألف نسمة)، ومع ذلك فإن إحصاء المندوبية الرسمي للباعة المتجولين بسلا، كشف عن وجود 4000 بائع متجول فقط بهذه المدينة: أي بائع متجول لكل 200 مواطن بسلا، بينما في الدارالبيضاء هناك بائع متجول لكل 23 بيضاويا (للمقارنة هناك طبيب واحد فقط لكل 10.000 بيضاوي !!). وبالتالي لا مجال للمقارنة بين الدارالبيضاء وعموم مدن المغرب، فأحرى أن نقارنها مع مدن العالم المتحضر.
إنه لمن العار أن نؤرخ للدارالبيضاء بالباعة المتجولين، بدل أن نؤرخ لها بالكورنيش الفسيح والممتد من زناتة إلى دار بوعزة، أو نؤرخ لها بأحواض الحوت أو المتاحف والمطاعم الجميلة والمنتزهات العمومية أو بحدائق الألعاب الكبرى للأطفال أو بالممرات الخاصة للدراجات Les pistes cyclables أو بالجيل الثالث من الأثاث الحضري لتزيين الشوارع!!