الخميس 29 يوليو 2021
كتاب الرأي

محمد صلحيوي: هوامش على دفتر التحملات النضالية

محمد صلحيوي: هوامش على دفتر التحملات النضالية محمد صلحيوي

أشرت سابقا، وبلغة مكثفة، إلى الجوهر الناظم لتدخلات عضوات وأعضاء المجلس الوطني للنقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، المنعقد بواسطة تقنية التناظر عن بعد، يوم السبت 22 ماي 2021، المتمثل-الجوهر-في الموئلية النضالية لنوت، وغياب عديل نقابي يجاريها نضالياً في الميدان.

يمكن القول، أن دورة المجلس الوطني لنوت، وعلى الرغم من كونها دورة تنظيمية، إلا أنها كانت "باروميتر" لقياس منسوب تفاعل القيادة التوجيهية الوطنية مع مجريات مختلف السياقات، والأمر من هذه الزاوية، تجاوز مسألة بيان يصدره، مرغم وملزم بالرد المباشر على مجريات الساحة التعليمية واستحقاقاتها المباشرة؛ لذلك، فالتدخلات عكست، بهذا الشكل أو ذاك، درجات "التفاعل والتوتر" مع التحولات، وأيضاً نوعية الآراء الفكرية المتواجدة داخل النقابة، وهي الظاهرة الصحية التي تميز نوت قبل كدش وفي تجربة كدش.

تاريخياً، كانت النقابة وقطاع التعليم عموماً والشبيبة الطلابية المؤطرة داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، هي/هو، الطليعة التكتيكية، إشعاعياً، لنضال الشعب المغربي من أجل الدمقرطة والمواطنة؛ كانت على الدوام واجهة الاجتهاد الفكري والسياسي،،وبالتالي كانت(ويجب أن تستمر)موئل انتشار قيم النضال، وامتدادات الفكر الراديكالي وسط الجماهير الشعبية.

لذلك، فتحليل السياق الدولي والعربي والمغاربي (وليس الدولي والإقليمي الملتبسة) ،بكل تعقيداته الكبيرة، المتسمة بأزمة النظام الرأسمالي النيوليبرالي، والتي أصابت هيمنته في مقتل، خصوصاً في قراراته وتوجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، نتيجة تداعيات جائحة كرونا، والتي أنهت كل اليقينيات والمسلمات وسيدت منطق اللايقين.

ولأن انتصار المقاومة الفلسطينية، التي تصدت للعدوان الصهيوني على غزة، بعد ردها على اعتداءه على حي الشيخ جراح وباب العمود والأقصى، قد أعلن عن معادلة جديدة للنضال الفلسطيني، تلك المعادلة التي أعلنتها جماهير القطاع والضفة وفي الداخل، وبالضبط مع الدقيقة الأولى بعد سريان وقف إطلاق النار فجر الجمعة؛ معادلة من درسين:

-المقاومة هي أقصر طريق لتحرير وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية، والقدس هي البوصلة للنضال الوطني الفلسطيني.

-إن الوحدة والتوحيد لا تتحقق باللقاءات الفندقية ولا بالأوراق ولا بالكواليس والقرارات الفوقية، بل في الميدان، بالنضال الجماهيري الشعبي وبتناغم كل آلياته(هل استوعب اليساريون المغاربة الدرس، وهو الدرس الذي سيشكل معلماً من معالم العالم الجديد، وهو الدرس الثاني بعد درس الحراك الشعبي بكل دينامياته؟)

لم يكن ذلك جواباً على الكيان الصهيوني الغاصب فقط، بل لعموم الأحرار في العالم الذين هبوا وبشكل انعطافي، وفي كل أنحاء العالم، وفي قلعة دعم الكيان الصهيوني، أمريكا التي خرج منها برني ساندرس ليتحرك بشعار : حياة الفلسطينيين مهمة أيضاً.

إن الارتجاج الذي شكله الانتصار الفلسطيني، أحدث رجة كبرى في الوعي والضمير الإنسانيين، بسطت ظلالها وتأثيرها في الحركة النقابية واليسارية المغربية، وفي سياق الأزمة المركبة الشاملة وبالتوصيفها الذي يتجاوز توصيفات "التوتر والإنحباس والإحتقان"؛ إن التوصيف الشارح للأزمة "بانكسار" أو الهرس"عند بعض الأكاديميين اليساريين هو التوصيف الدقيق لغياب الثقة بين الدولة والمجتمع، ما ترجم بفقدان الثقة في المؤسسات، خصوصاً مؤسسات "الوساطة"، وفي قلبها المؤسسة النقابية.

 

ماسبق يلزم الإطارات المناضلة بالتشبث الواضح بالضرورة الوطنية إلى قطيعة تامة من طرف الدولة مع اختيار الإغلاق التام للحقلين السياسي والنقابي المترجم بفرض الحضر العملي على كل التعبيرات وفضاءات التعبير والاختلاف؛ قطيعة تتجاوز المقاربة الأمنية والاقصائية المنتهجة في تدبير الشأن العام، وفي التعاطي مع الوضع الاجتماعي المأروم. وبالحاجة الوطنية لخلق مناخ سياسي ثابت، وعبر إطلاق سراح كل معتقلي الحراك الشعبي بالريف(وليس الحراكات الشعبية الملتبسة) وكل المعتقلين السياسيين والصحافيين والمدونين وطي صفحة الانتهاكات لحقوق الإنسان.

إن الصراع (وليس التوتر) داخل قطاع النعليم تحديداً، وفي الميدان يدور بين اختيارين :

اختيار التعميم واختيار الخوصصة.

إن إلغاء الحوار مع النقابة الأكثر تمثيلية والتنكر للإلتزامات السابقة وإدارة الظهر للمطالب العادلة والمحقة للشغيلة التعليمية والاستفراد بالقرار و بتدبير القطاع في ظرفية دقيقة يعني بوضوح حصول ما تم التنبيه إليه منذ فترة، والتعلق بضرورة الإنحياز إلى الحراك الشع بي،لأن انتصاره-آنذاك- المباشر سيعني الانتصار في الملف الاجتماعي؛ للأسف لم تحصل هذه القناعة، وها نحن قد وصلنا إلى محاولات إلغاء صوت النقابة الوطنية للتعليم.

إن المسألة ليست مسألة انقلاب على "الشرعية الديمقراطية الوهمية" أو تراجع عن "التشاركية" ،بل، هي إرادة التشطيب على نقابة اليسار، لحرمان الأخير من الإطار الاجتماعي في نضاله من أجل وطن متجدد. فالقضية قضية مرجعية كفاحية وليست قضية "لفظة فخمة ومطاطة من قبيل" الهوية".

 

كرس اليساريون المغاربة، ومنذ مدة غير قصيرة، فصلاً وتمييزاً واضحاً بين مفهومي: الهوية والمرجعية، فالأولى للوطن والثانية للأحزاب؛ فالمطالبة باسترجاع وتحرير سبتة ومليلية والجزر، فالمطلب بالتأكيد مطلب وطني، غير خاص لحزب، أو لفئة أو لمنطقة، فالطبيعة الوطنية لتحرير سبتة ومليلية والجزر، يعني استمرار النضال من أجل استكمال وحدة الوطن السياسي، وأنه لم ينته مع استرجاع منطقة الصحراء المغربية.

لكن، حين التحدث عن مستلزمات التحرير والإسترجاع، من رفع التهميش والتنمية والتقييم الترابي، فلكل حزب أو نقابة المرجعية التي يستند إليها/عليها.

إذن لابد من تدقيق يتعلق بثلاث مفاهيم:

إن التشبث بمفهوم وزارة الداخلية لتقسيمها الترابي باستعمالها مفهوم "المجالية"، ورفض مفهوم المناطقية، ورفض جبر الضرر التاريخي الذي أنتجه الإفصاء، والتشبث بمفهوم مغوم(التنمية)، ورفض المصالحة التاريخية الحقيقية مع الريف ومع كل الجهات المهمشة.

ذلك يعني، وبوضوح ثقل العتاد الذهني الذي كرسته الحركة الوطنية(جناح علال الفاسي) وسليلاتها، ونحن نعرف ارتباطات الحركة النقابية المغربية.

هناك جهات داعية إلى الحوار الوطني الشامل حول مستلزمات مغرب الغد، وفي قلب ذلك الحوار تجديد مقولة "الوطن والوطنية" ، الخطوة تمثل تململاً في البنية اللاواعية للنخب...

إن المثال الواضح والصارخ على اختيار إغلاق الحقلين السياسي والاجتماعي من جهة، وترجمته العملية من جهة ثانية،""ما أقدمت عليه وزارة التعليم للتحكم في خريطة التمثيلية النقابية وذلك بعدم إصدار قرار لوزير التربية الوطنية ،كما ينص على ذلك المرسوم 2.59.0200 الصادر بتاريخ 5 ماي 1959، المنظم للجن الإدارية المتساوية الأعضاء والاكتفاء بالعمل بمقرر وزاري يتضمن تقطيعا جهوياً وفئويا على المقاس ،تقطيع غير ديمقراطي لا يستند لمعايير مضبوطة يحكمه هاجس تقزيم تمثيلية النقابات المناضلة"" (من بيان المجلس الوطني لنوت).

فالدرس من هذه الدورة المهمة، هو أن النقابة الوطنية للتعليم، هي، فعلاً موئل قيم النضال، وستبقى كذلك، وإرادة رجال ونساء المدرسة العمومية المغربية..

محمد صلحيوي،عضو المكتب الوطني لنوت كدش