الأربعاء 28 يوليو 2021
سياسة

أمام تخلي مؤسسة العلماء عن دورها التحكيمي، وزير الأوقاف يحمل الأئمة على الاحتجاج!

أمام تخلي مؤسسة العلماء عن دورها التحكيمي، وزير الأوقاف يحمل الأئمة على الاحتجاج! الوافي وزير الداخلية يتوسط يسف الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى (يسارا) والتوفيق وزير الأوقاف

لاستباق محطة احتجاج الأئمة، يوم الاثنين 17 ماي 2021، أمام البرلمان بالرباط، أصدرت وزارة الأوقاف بيانا في 11 ماي 2021، حذرت فيه من التشويش على الأئمة من بعض المواقع الإلكترونية، بخصوص مسطرة تأهيل القيمين الدينيين. كما توعدت الأئمة بتبعات مسلك الاحتجاج، مثلما توعدت في 21 يناير 2020 الأئمة المجازين وهم ينفذون احتجاجهم آنذاك. وهو الاحتجاج الذي ترتب عنه كرد فعل، إيقاف مسطرة التزكية في 30 يناير 2020، واستبدالها في 26 مارس 2021 بمسطرة التأهيل. ويعلم الله نوع التغذية الراجعة لاحتجاج هذا الشهر، إذا ما قدر له أن يتم، باعتبار أن كل الاحتمالات واردة.

 

كما أن بيان وزارة الأوقاف، وهو يتوعد الإعلام والأئمة، يروم أيضا الضغط على السلطات لمنع احتجاج هذه السنة، لتجاوز تأخر بيان السنة الماضية، عن وقت الحاجة.

 

لذلك، سندلي بدورنا ببلاغ للناس في خضم معركة البيانات/ البلاغات هذه، بالإشارة إلى جانبين:

 

أولا: ضرورة استعراض بياني الوزارة، للوقوف على نمطية رؤيتها للواقع، رغم متغيراته، من خلال المنحنيات التالية:

أ- بالأمس قالت: "تأكد أن بعض المحرضين على هذه الاحتجاجات هم ممن لم يتم التعاقد معهم بسبب حصولهم على نقطة موجبة للسقوط في حفظ القرآن الكريم، وهو الشرط الأول والأساسي من الشروط المطلوبة". واليوم تقول بشأن هؤلاء المحرضين: أن "بعضهم من الذين رسبوا في مباراة الدخول لمعهد الأئمة بسبب نقص حفظهم للقرآن الكريم، وبعضهم ممن رسبوا في امتحان التعاقد المنصوص عليه في المادة 40 من الباب السادس".

ب- بالأمس قالت: "إن بعض من لم ينجحوا في الاختبار قد حاولوا القيام باحتجاج في الشارع، في مخالفة للمادة 7 من الظهير الشريف والتي تنص على السلوك العام للأئمة وعلى أن لجنة المجلس العلمي الأعلى هي المختصة بالنظر في كل تظلمات الأئمة في علاقتهم مع الوزارة".

واليوم تقول أولا: إن مقتضيات القانون تحدد الطبيعة الخاصة لمهمة الإمامة وما يترتب عنها كما هو مبين في الظهير الشريف المتعلق ب"تنظيم مهام القيمين الدينيين وتحديد وضعياتهم"، ولاسيما ديباجة هذا الظهير، والباب الأول، المادة الأولى، والباب الثالث المتعلق "بالتزامات القيمين الدينيين وحقوقهم" والباب الخامس المتعلق ب"شكايات وتظلمات القيمين الدينيين". وتقول ثانيا: "إن أي تصرف مخالف لمقتضيات المراجع المذكورة ستترتب عنه تبعات".

ج- وبالأمس حذر وزير الأوقاف في تصريح لأحد المواقع الالكترونية من "خطورة احتجاج الأئمة، معتبرا أن ذلك يخالف المقتضيات القانونية". واليوم يقول بيان الوزارة: " إن الوزارة الوصية على القيمين الدينيين لن تسمح بأي تشويش مهما كان على هؤلاء، وذلك باتخاذ الإجراءات اللازمة المنصوص عليها قانونا".

د- وإذا كان الوزير قد أشار بالأمس إلى: "أن هناك لجنة في المجلس العلمي الأعلى تختص بالنظر في تظلمات الأئمة"، فإن البيان اليوم يقول: "إن الباعث على نشر هذا البيان هو تنبيه من يحتاج إلى تنبيه إلى ضرورة الاطلاع على مقتضيات القانون ولاسيما ما سطرته في حق الشكاية".

 

ويبقى الجميل في هذا التناص، تغييب بيان اليوم لدواعي احتجاج هذه السنة. ويبقى المشترك الأبرز بينها هو تعلة عدم حفظ القرآن الكريم. وهو أمر في حاجة إلى تمحيص، لأنه يهم أئمة ممارسين لمهامهم، بتزكية المجالس العلمية.

 

ثانيا: أما فيما يخص شكايات وتظلمات القيمين الدينيين، فإنه بالعودة إلى ظهير 2014، "في شأن تنظيم مهام القيمين الدينيين وتحديد وضعياتهم"، نقف على" اختصاصات وتنظيم اللجنة الوطنية للبت في شكايات وتظلمات القيمين الدينيين". حيث تنص المادة 29 على: "تناط باللجنة مهمة النظر في الشكايات والتظلمات المرفوعة من طرف القيمين الدينيين في موضوع حيف أو ضرر لحقهم في علاقتهم مع إدارة الأوقاف والشؤون الإسلامية". في حين نصت المادة 30، على أن هذه اللجنة التي يرأسها الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، تتألف من عضو بالمجلس العلمي الأعلى، ورئيس مجلس علمي محلي، ورئيس الهيئة العلمية للإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى، وقيمين دينيين.

 

وبهذا أصبح المجلس العلمي الأعلى -من خلال وضع مسطرة تأهيل الأئمة، بإبطال التزكيات المحصلة في حال الانتقال، وإخضاع حتى الحاصلين على شهادات التأهيل، لمسطرتها مجددا في كل عملية تغيير للمسجد أو حين فسخ الشرط- أصبح طرفا لا يمكن الاحتكام إليه. فأمام تغييب الوظيفة التحكيمية للعلماء، بتحكم مسطرة التأهيل التي عصفت باستقرار وضعية القيمين الدينيين، أصبح من حق هؤلاء اللجوء إلى الشارع للفت انتباه العقلاء لتظلماتهم.

 

إذن محطة 17 ماي، تمثل امتحانا على أكثر من مستوى. تمثل امتحانا لبلاغة المحتجين، في الحفاظ على خصوصيتهم كجند لأمير المؤمنين. وامتحانا لقوات حفظ الأمن في ضمان حق احتجاج لا تشوبه مبدئيا أية شائبة، بصرف النظر عن حمالة الحطب المفترضين فيه، علما أن تعاملها كان جيدا مع احتجاج 21 يناير 2020. وامتحانا لوعيد وزارة الأوقاف وهي متورطة في مخطط عزل أمير المؤمنين، عن جند سلطانه على القلوب. وامتحانا للمجلس العلمي الأعلى، في منزلقات الهوس الأصولي الأعمى لممارسة السلطة الإدارية.

 

بقي أن نشير إلى أن بيان وزارة الأوقاف كان من الأولى أن يصدره المجلس العلمي الأعلى، لأنه صاحب اختصاص مسطرة التأهيل، حتى وإن ادعت الوزارة أنها الجهة الوصية على القيمين الدينيين. لأن سياق هذه المسطرة من منطلق الرهان الأصولي لمشيخة العلماء، إنما يكرس خيارا آخر، لا تملك فيه وزارة الأوقاف إلا واجب صرف المكافآت، كصرف وزارة المالية لأجور موظفي الوظيفة العمومية.

 

أما بعد، فهناك تخبط كبير يشهده تدبير المجال المحفوظ لصاحب الأمر. وكل يوم هو في شأن بخصوص مخطط عزل أمير المؤمنين المتواصل. فهناك محاولات عزله، عن اختيار توجيهاته، وعن صلاحياته الدستورية، وعن ثوابت البلاد، وعن مرجعيته الدينية، وعن جند سلطانه على القلوب، وعن القوى الحية في البلاد. حيث هناك مخطط لإضعاف مناعة المغرب الروحية لإبقاء المجال المحفوظ لأمير المؤمنين عند مستوي معين من الضعف، للابتزار حتى بالفوضى "الخلاقة"، في انتظار الآتي. وهذا يطرح مسؤوليات كبرى على حواس الدولة لتمحيص المتشابه، في محكم التمكين الأصولي، وما أكثره. وعلى تعبيرات الإسلام المغربي من المشربين الصوفي والديموقراطي، لتصدر طليعة التنوير. وأكيد أن النقاش العام، كلما كان متجردا عن الأهواء، منتصرا للأطر الجامعة للأمة في المغرب، كلما كان في ذلك حصانة للبلاد، من خائنة أعين مؤامرة الصمت.

 

و"هذا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ "!