الاثنين 14 يونيو 2021
كتاب الرأي

صبري: 10 مبررات قانونية تؤيد حتمية اعتقال زعيم البوليساريو

صبري: 10 مبررات قانونية تؤيد حتمية اعتقال زعيم البوليساريو المحامي صبري الحو
دخل زعيم البوليساريو إلى إسبانيا خلسة وتواطؤا وباستعمال وثائق سفر جزائرية مزورة من أجل الإفلات من ملاحقات القضاء الإسباني لأنه موضوع شكايات عديدة. وبعد أن كشفت مجلة "جون أفريك" السر، واعتراف إسبانيا بصحة الخبر، وادعت أن دوافعها لاستقبال ابراهيم غالي إنسانية محضة. فإنها ومع ذلك وضعت نفسها موضع التساؤلات والاتهام الأخلاقي والسياسي وفسره المغرب ضدا على علاقات الشراكة وحسن الجوار.
  
 أولا: لا شك أن الجميع يتساءل مثلما يترقب مآلات الوضعية الصحية والقضائية لزعيم البوليساريو، وكيف ستتصرف الحكومة الإسبانية بعد انفجار هذه الفضيحة؟ وكيف سيتحرك القضاء الإسباني ؟ وإلى أي مدى؟
ارتأينا تقريب الرأي العام من السيناريوهات القضائية المحتملة والمرتبطة بمصير وضعية غالي مستعينين في ذلك بما توفره قوانين إسبانيا، وخاصة قانون الإجراءات الجنائية والقانون الجنائي وقانون السلطة القضائية، وعلى ضوء ما وفرته وسربته الصحافة من أخبار، تم تأييدها بإقرار إسباني من طرف وزيرة خارجية مدريد.
 
ثانيا: إن التنظيم القضائي الإسباني، واعتمادا على قانون المسطرة والإجراءات الجنائية السارية النفاذ حاليا، يعطي لقضاة التحقيق في مختلف محاكمها وحدهم أهلية حق احتكار الاختصاص للتحقيق في القضايا الجنائية.
و اعتبارا لكون تواجد ابراهيم غالي فوق التراب الاسباني لم يعد سرا، ولا يحوم شك حوله، بل هو في حكم اليقين الجازم. فإنه يخضع للقانون الجنائي الإسباني تبعا لحلوله فوق هذا الإقليم، طبقا لقاعدة اقليمية القانون الجنائي.
وتعتبر  إسبانيا من الدول التي تأخذ بالاختصاص العالمي رغم ارتكاب الأفعال خارج اقليمها وبغض النظر عن جنسية الفاعل، وفي جرائم معينة وعلى درجة كبيرة من الخطورة، على غرار الأفعال المشتكى بها ضد ابراهيم غالي. 
 
ثالثا: تفيد المعلومات المتوفرة والمتناسقة ومن مصادر مختلفة أن المطلوب ابراهيم غالي كان مطلوبا للتحقيق من ذي قبل، ومنذ سنوات من طرف قاضي التحقيق المركزي رقم 5 بنفس المحكمة الوطنية الأوروبية، التي مقرها بمدريد على إثر شكايات مقدمة من طرف الجمعية الصحراوية لحقوق الانسان، ومن طرف إسبان يقطنون جزر الكناري، ومن قبل خديجتو ولد محمود، من أجل الإبادة الجماعية والقتل والضرب والجرح العمديين والإرهاب، والاختطاف والاحتجاز التعسفي والتعذيب، والاغتصاب.. وهي الجرائم التي تصل عقوبتها للمؤبد.
 
رابعا: سبق لقاضي التحقيق المركزي رقم 5 بالمحكمة الوطنية الاسبانية أن وجه استدعاء للمطلوب ابراهيم غالي من أجل الحضور والمثول أمامه بتاريخ 19 نونبر 2016 لتقديم أقواله وتصريحاته على إثر الشكايات، دون أن يحضر، فهل تم استدعاؤه بشكل صحيح؟ وهل توصل بالاستدعاء؟ وكيف سيؤثر تخلفه عن الحضور على القاضي أثناء تقديره ضمانات حضور إجراءات التحقيق؟
يبدو أنه تم تكليف القاضي "سانتياكو بيدراز" قاضي التحقيق المركزي رقم 5 بالمحكمة الوطنية الأوروبية بمهام اجراء التحقيق في قضية ابراهيم غالي. 
وللإشارة فنفس القاضي سبق له أن أصدر مؤخرا، وبالضبط في شهر فبراير 2021 قرارا بإنهاء البحث في ملف تورط فيه موظفون إسبان وجزائريين في قضايا الرشوة مرتبطة بصفقات تحلية المياه في تلمسان ومشروع ترامواي في مدينة واقة.
وأثار قراره الكثير من الدهشة والاستغراب بين الوسط السياسي والحقوقي والقضائي، خاصة وأن سلفه بنفس غرفة التحقيق رقم 5 "خوسي لاماتا" كيف نفس تلك الأفعال، باعتباره مكلفا بإجراء التحقيق فيها على أنها جرائم الرشوة.
 
خامسا: أسند الاختصاص إلى قاضي المحكمة الوطنية، لكونها الجهاز القضائي المختص للنظر في قضايا جنائية على درجة بليغة من الخطورة، إضافة إلى اختصاص إداري واجتماعي طبقا للمواد من 62 إلى 69 من قانون السلطة القضائية.
يتمتع قضاة التحقيق المركزيين بالمحكمة الوطنية الإسبانية بصلاحيات واسعة وبنفوذ يمتد إلى كل الأقاليم الإسبانية في جميع الجهات المستقلة بإسبانيا، كما تختص الغرفة الجنائية لديها بالمحاكمة من جهة، وباختصاص استئناف أوامر وقرارات قضاة التحقيق المركزيين الثمانية (ستة مركزيين واثنين آخرين) المادة 65، وتتولى المحكمة العليا اختصاص مراجعة قرارات المحكمة الوطنية.
وتبعا لوجود المطلوب ابراهيم غالي الآن فوق الإقليم الإسباني، ومعرفة الجميع من صحافة ورأي عام إسباني ومؤسسات، بما فيه القضائية والأمنية بمكان تواجده، فإن كل المتتبعين لهذا الملف يترقبون إلى تحرك القضاء الإسباني لوضع حد للشكوك وإثبات استقلاليته التي هي تحت المجهر .

 
سادسا: نظم المشرع الإسباني في المادة 502 وما يليها من قانون الإجراءات الجنائية كيفية تدبير القضاء لحالة ونازلة ابراهيم غالي ومن في شاكلته، ونظمت تلك المواد الحالات التي يمكن اللجوء فيها إلى الاعتقال المؤقت. فهل سيتم اعتقال ابراهيم غالي؟
للإجابة عل هذا السؤال تجدر الإشارة بنا إلى المادة 503 من قانون الإجراءات الجنائية الإسباني الذي يقنن شروط إصدار قضاة التحقيق للأمر بالاعتقال المؤقت، وهي:
 
أ: أن يكون الفعل معاقبا عليه بعقوبة حبس تفوق سنتين، وهو شرط أول متوفر بالنظر إلى العقوبات المقررة للجرائم موضوع الشكايات التي تصل إلى المؤبد.
 
ب: وجود أسباب وحجج وقرائن تكوٌِن الاعتقاد أن الفاعل موضوع التحقيق هو المسؤول جنائيا عن الجرائم موضوع شكاية التحقيق.
 
ج: أن يكون اللجوء إلى الاعتقال المؤقت ضروري لضمان حضور المشتبه فيه أمام القضاة وأمام المحكمة، أو لتفادي إتلاف الأدلة، أو تجنب احداث المطلوب لضرر بالحقوق القانونية للضحايا. وهو شرط متوفر بدوره.
 
وإن ثبت استدعاء ابراهيم غالي سابقا وبشكل صحيح من أجل المثول والحضور أمام قاضي التحقيق ولم يحضر، فإن هذا يعتبر سببا كافيا لقاضي التحقيق المركزي المكلف من لدن المحكمة الوطنية لإصدار قرار بإلقاء القبض عليه وإيداعه في السجن على سبيل الاعتقال المؤقت.
 
سابعا: إن دخول ابراهيم غالي إلى اسبانيا بهوية مزيفة محمد بنبطوش وبجواز سفر جزائري مزور دليلان على نيته الفرار وقصد الافلات من العدالة الإسبانية، وهو على بينة تامة وبما فعله وينتظره من الحساب والقصاص.
يضاف إلى ذلك إقامة ابراهيم غالي خارج الإقليم الاسباني، وبالضبط بالرابوني بالجزائر، وهذه الإقامة ببلد اجنبي هو سبب إضافي للأمر بالاعتقال الاحتياطي، رغم عدم تقنين قانون الاجراءات الجنائية الاسباني للاعتقال الاحتياطي على خلاف تنظيم القانون الإسباني في المادة 592 لهذا التدبير( الاعتقال الاحتياطي، واكتفى بتنظيم الاعتقال المؤقت)
 
بيد أن الاجتهاد القضائي للمحكمة الدستورية أجازت وسمحت بشكل ضمني لقضاة التحقيق الأمر بالاعتقال الاحتياطي بسبب خطر الفرار، ولأسباب تكميلية تتمثل في غياب رابط اجتماعي أو عائلي أو مؤسساتي للمعني بالأمر بإسبانيا، وعدم وجود اتصالات مع بلدان الغير.
 
ثامنا: تتعقد الأمور وتشتد أكثر على ابراهيم غالي مع ظرف وجود سبب صحي يمنع من خضوعه للاعتقال المؤقت او الاحتياطي، و من المحتمل أن تتذرع به إسبانيا أو يتذرع به هو ودفاعه بالنظر الى تبرير الأولى قبوله لديها للاستشفاء بدواعي انسانية على حد قولها.
إلا أن ذلك لا يمنع قاضي التحقيق بالمحكمة الوطنية الاسبانية لاستعمال مقتضيات النص القانوني 508، وخاصة الفقرة الأولى منه التي تجيز وتسمح بإجراء الاعتقال المؤقت بمقر إقامة المعني بالأمر وتعزيزه بتدابير الأمن الضرورية، وهو شيء يؤخذ به في اسبانيا في حالة وجود دليل طبي شرعي يؤكد أن إيداع المطلوب بالسجن يشكل خطرا على صحته.
غير أن المطلوب ابراهيم غالي لا يتوفر على سكن قار باسبانيا، دون أن يمنع ذلك القاضي المركزي من إخضاعه للاعتقال الاحتياطي بالمستشفى الذي يتلقى فيه العلاج .
وتوجد في القانون الإسباني تدابير أخرى أقل خطورة مشار إليها في المادة 503 من قانون الاجراءات الجنائية، منها المثول الدوري للمطلوب أمام المحكمة الوطنية وإمكانية تفويض تلك المراقبة لمصالح الشرطة، أو سحب جواز سفر المعني بالأمر وإغلاق الحدود في وجهه لتفادي خروجه من اسبانيا. لكن بأي جواز؟ هل المزور باسم محمد بنبطوش!؟.
 
تاسعا: يملك المغرب حق الحضور كطرف مدني في القضايا التي تثار أمام المحكمة الوطنية الإسبانية ضد ابراهيم غالي طبقا للمادة 100 من قانون الإجراءات الجنائية الاسباني شرط إثبات تضرره من الجرائم المرتكبة. 
وتضمن المادة 101 حق الادعاء العام المباشر، بيد أن المشرع الإسباني منحه حصرا للمواطنين الإسبان، ولا يفهم منه سبب إقصاء الأجانب من هذا الحق مع أن حق التقاضي حق من حقوق الانسان، ومكفول للجميع في القانون الدولي وفي الدستور الإسباني أيضا.
ولا شك أن قضية ابراهيم غالي أثارت الكثير، وهي في بدايتها، وستستمر على هذا الحال، والمساطر القضائية عديدة ومعقدة وتستغرق وقتا طويلا، وحتما ستخنقه من جديد في حالة نجاته من الموت ومن اختناق أمراضه وعلله التي لا نتشفى منه.  
 
عاشرا: وضعت قضايا وشكايات إبراهيم غالي وطريقة دخوله، أن اسبانيا في وضع جد محرج سياسيا ووضعتها في مركز الاتهام والعداء للمغرب. ويترقب الجميع إلى الطريقة التي سيتصرف وسيتعامل بها القضاء الإسباني مع واقع هذه النازلة لنزع بعض من الحرج، ولإثبات استقلاليته عن السلطة التنفيذية  .
وللإشارة فإن القضاء الإسباني يشتكي من تدخلات السلطة التنفيذية والتشريعية، وتوجد مطالبات بتعديل قانون السلطة القضائية لتحرير وتخفيض ثقل تدخلات السلطتين، ووصلت هذه الشكوى إلى المفوضية الأوروبية. 
*صبري الحو محامي بمكناس
خبير في القانون الدولي، الهجرة ونزاع الصحراء