الأحد 9 مايو 2021
كتاب الرأي

محمد سالم عبد الفتاح: الشغور في زعامة البوليساريو.. الفراغ السياسي وضعف المشروعية 

محمد سالم عبد الفتاح: الشغور في زعامة البوليساريو.. الفراغ السياسي وضعف المشروعية  محمد سالم عبد الفتاح
بغض النظر عن مآل التطورات المرتبطة بإمكانية استدعاء القضاء الاسباني لزعيم البوليساريو ابراهيم غالي لأجل التحقيق القضائي إزاء الاشتباه في تورطه في عديد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان في مخيمات تيندوف، إلا أن مجرد تسريب خبر تواجده بإسبانيا لأجل العلاج، وتداول الأنباء المتعلقة بصدور مذكرة الاستدعاء والتحقيق  في حقه، سيشكل هزيمة سياسية ومعنوية للبوليساريو يصعب تجاوزها في الوقت الراهن.
لكن ارتكاب البوليساريو لأخطاء استراتيجية، من قبيل اختيار قيادة الجبهة ومن ورائها الجزائر لاسبانيا كوجهة لعلاج براهيم غالي، يحيلنا على خطوة لم تكن موفقة، تنضاف لعديد الخطوات غير المدروسة العواقب التي سبق للجبهة أن أقدمت عليها، والتي لم ينجم عنها سوى الانتكاسات والهزائم السياسية والاستراتيجية الفادحة. 
في مقدمة هذه الخطوات قرار الجبهة المتعلق بغلق معبر الكركرات في أكتوبر 2020، ثم إعلانها الحرب في 13 من نوفمبر نفس السنة، وهما القراران اللذان استحالا إلى سيطرة وتأمين مغربي لموقع استراتيجي بأهمية المعبر الحدودي الذي يربطها بموريتانيا وانتصارات سياسية ودبلوماسية هائلة يحققها المغرب. 
تطورات كرست مظاهر الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، في مقدمتها مسلسل افتتاح القنصليات الأجنبية والشراكات الأمنية والاستراتيجية، كما فتحت المجال للحديث عن افتتاح معابر حدودية جديدة، وإعمار مناطق خارج الجدار على رأسها منطقة الكويرة، في مقابل الهزائم السياسية والميدانية التي تكبدتها البوليساريو نتيجة الضربات الجوية المركزة التي شنّها الجيش المغربي، وتمديده لجداراته الدفاعية وقضمه للمزيد من المواقع الاستراتيجية الهامة في المناطق العازلة والتي كان آخرها عملية التويزكي. 
أخطاء استراتيجية فادحة ارتكبتها البوليساريو إذن، تحيلنا على مجموعة من العوامل، تصب جميعها في ضعف القرار المركزي للبوليساريو وترهل تنظيمها السياسي، إلى جانب ضعف مشروعيتها السياسية.
لقد كان زعيم الجبهة الأسبق محمد عبد العزيز المتوفي سنة 2014، شخصية كاريزماتية بامتياز نجح في اللعب على المتناقضات التي تزخر بها البوليساريو، رغم الفراغ الكبير الذي خلفه مصرع المؤسس الولي مصطفى السيد منتصف سبعينيات القرن الماضي، فقد تمكن عبد العزيز من تجاوز عديد تجاوز عديد الأزمات السياسية الخطيرة التي مرت منها الجبهة، خاصة بعد هيمنته على قرار البوليساريو عقب أحداث 1988 التي كادت أن تعصف به، فكان أن أزاح معظم منافسيه وألغى ما كان يعرف باللجنة التنفيذية، ووسع من صلاحياته ومركزها في شخصه. 
لقد وظف الراحل محمد عبد العزيز لأجل إحكام هيمنته على قرار البوليساريو خلفيته القبلية التي أضفت عليه نواعا من المشروعية التقليدية، كونه ينتمي لمكون ركيبات الشرق، المكون الأكثر انتشارا في مخيمات تيندوف، كما عمل على توزيع المواقع القيادية على مختلف المكونات القبلية الأخرى، خاصة تلك التي المكونات التي تمردت على البوليساريو في أحداث 1988، دون أن يسمح ببروز الشخصيات القيادية الكاريزماتية التي من الممكن أن تنافسه على زعامة الجبهة. 
ومع وفاة محمد عبد العزيز وقع الاختيار على ابراهيم غالي لخلافته، لكن على العكس من زعيم الجبهة الراحل، لم يتمتع غالي بأي من مقومات الزعامة السياسية، فالأخير لم يتوفر على نفس الغطاء القبلي الذي تمتع به الراحل محمد عبد العزيز (رقيبات الشرق)، فيما تلاحقه شبهات أخلاقية عديدة، أهمها الاتهامات التي تلاحقه كونه من المتورطين في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان المرتكبة من طرف البوليساريو، أما العامل الحاسم فقد كان موضوع شكايات عديدة لدى القضاء الاسباني لضحايا تلك الانتهاكات، ما حدّ من قدرته على التحرك في الخارج، وحرمه من المشاركة في التظاهرات الدولية الداعمة للجبهة في اسبانيا وأوروبا من طرف المتضامنين مع البوليساريو. 
ظرفية تزامنت مع مرور ملف النزاع الصحراوي من فترة ركود وجمود سياسيين طبعا تعاطي الهيئات الدولية، خاصة في ظل شغور موقع المبعوث الشخصي للأمين العام الأممي المكلف بالنزاع منذ استقالة الألماني "هورست كولر"، وتوقف مسار المفاوضات بين أطراف النزاع، قبل أن تعمّق جائحة كرونا مظاهر الهشاشة الاجتماعية التي يقاسيها اللاجئون الصحراويون في تيندوف، نتيجة الاجراءات الأمنية التي عكفت عليها الجزائر في إطار انخراطها في خطط قوى دولية لتأمين مناطقها الحدودية. 
عوامل حدّت من هامش تحرك براهيم غالي ودفعته للتغطية على ضعف مشروعيته السياسية، من خلال رفع منسوب التطرف في خطاب الجبهة، واللجوء للخطاب الشعبوي قبل الدخول في مغامرات عسكرية غير محسوبة العواقب، لم تفض سوى لمزيد من الهزائم والانكسارات في صفوف البوليساريو.