الثلاثاء 22 يونيو 2021
كتاب الرأي

إدريس المغلشي: الاستثناء المغربي "باك صاحبي"

إدريس المغلشي: الاستثناء المغربي "باك صاحبي" إدريس المغلشي

جملة سحرية تستمد قوتها من كونها جواز سفر بلا تأشيرة ولا حواجز أمنية ولا حدود. تتسلل في وقت الشدة والحاجة لتكسر أضلاع القوانين وتلقي بها على رفوف مهجورة أو سلة مهملات من عديمي الضمير والمسؤولية. كلمة تؤسس لوجه من الأوجه الكثيرة والمتعددة للزبونية في مجال تعاملاتنا اليومية. فكثير من السلوكات الطائشة وغير المحسوبة تسقط شرعية النص القانوني ومبدأ نحن سواسية أمامه. إنها مفتاح للأبواب الخلفية اختصارا للوقت وتنفيذا سريعا للأغراض أمام طوابير طويلة مرهقة تنتظر تطبيق القانون وقد تؤجل التسوية إلى حين حسب مزاج المسؤول، بل منهم من يرغمك لكي تسقط فريسة سهلة في يديه ليساومك على حقوقك وشرعية تواجدك. بل هناك من يدخل الإدارة  وكأنها ضيعة ورثها عن أبيه ويعتبر المرتفقين زوارا غير مرغوب فيهم. فدردشة مع زميل في العمل أو تسلية ببرامج على الحاسوب أفضل بكثير من دخول مفاجئ بعد طرق خفيف على الباب سيحيلك على تسويف قاتل جراء تشويشك على سيادته وازعاجه. هكذا اداراتنا الموقرة تتعامل مع المواطنين.

 

أما المحظوظون فتنوع فصيلتهم تجعلك تحار في تصنيفهم فهناك من يبقى جالسا في سيارته مرابطا أمام المؤسسة وباتصال هاتفي تأتيه أغراضه طائعة مع اعتذار ولباقة ومجاملة. وآخر آثر أن تأتيه الخدمة لإدارته أو لبيته فتختلف هذه الخدمات حسب الموقع والوجاهة والوساطة.

 

"باك صاحبي" صياغة مغربية صرفة تختصر كل الحالات وكل التعابير، فهي تبدو جملة رغم قلة عدد كلماتها وحروفها فهي معبرة. فالأمر ينطبق على مفارقة عجيبة في المغرب هناك من يعتقد، بل ويصرح أننا أفضل من بلدان عديدة في التشريعات والقوانين. صحيح أننا نتوفر على ترسانة قانونية مهمة لكن لا تنسجم مع وقاعنا المعيش. التدبير الاداري وعلاقة المرتفق باي ادارة تضبطه امور اخرى ويطبق القانون بنقطه وفواصله اذا كانت مصلحة إدارة هي المعنية. باختصار شديد هذه خلاصة لا يمكن التنكر لها. السؤال لماذا يعجز النص القانوني على ضبط سلوكاتنا الإدارية في التدبير؟ هناك قاعدة مشاعة وبديهية أن "أول من يخرق القانون واضعوه بالأساس".. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا ننتظر من بقية الشعب عكس ذلك؟

 

أمثلة كثيرة تدل على أننا لا نستسيغ تطبيق القانون، وأن لازمة "باك صاحبي" متواجدة في كل مكان. أثارتني الأسبوع المنصرم ثلاث حالات تجسد بوضوح ما ذهبنا لطرحه من هذا الخلل.

- الحالة الأولى: زرت رفقة صديق لي مصحة معروفة بعد مدة طويلة، فأول ملاحظة أثارت انتباهي أن مساحتها امتدت فكبرت لدرجة التهمت معها مساحة حديقة كانت أمامها لتحوله مركنا للسيارات. انتظرت بالباب الرئيسي وطابور من المرتفقين يتدورون ألما وانتظارا. البعض متكئ على الحائط وآخر ممدد على سرير وغيرها من الحالات التي توقظ المواجع. توقفت بالقرب مني ممرضة خرجت للتو من الباب الرئيسي وهي تصاحب رجلا وامرأة وهي تقول لهم "في الخدمة وبدون انتظار وسلامي لفلان وعلان... وتلك  الأسطوانة المعروفة ."

- الحالة الثانية: بإدارة أخرى ونحن ننتظر ظهور الرقم على الشاشة بعدما سحبنا ورقة من الآلة. أمام مكتب واحد يتيم والمكاتب الأخرى المتبقية مغلقة رغم أنها تحمل نفس عنوان الخدمة. يخرج من بين الصف شاب وسيم ويمد موظفة عبر الحائط الزجاجي بملفه لتنتقل عند الموظف الوحيد الذي ننتظره هكذا بسرية تامة دون ضجيج وفي ظرف وجيز يختفي المعني.

- الحالة الثالثة: ما اصطلح عليه بواقعة ببنت الكوميسير، وهي في الحقيقة لا تعدو أن تكون صورة مصغرة لواقع مرير يعيشه المواطن. حين تعجز الحواجز عن تطبيق القانون فتم معضلة لا يمكن السكوت عنها. وإلا فكيف نقبل تطبيق القانون على البعض واستثناء الآخر تحت مسميات عديدة تعطي للاستثناء فرصة ليصبح القاعدة؟

 

أصعب شيء يشجع على الفوضى والتمرد على القانون حين يعيش المواطن هذا التمايز وتفيئ بين أفراد المجتمع إلى فئتين. صحيح أن تفشي مثل هذه الحالات رغم محدوديتها بالمقارنة مع الغالب من المعاملات لكنها تساهم بشكل كبير في زعزعة ثقة المواطن في القانون، بل تدفعه هو الآخر لخرقه مهما كلف الأمر مع وجود قاعدة مغربية معروفة، والكل يعلمها ولا يمكن التنكر لها "لي حصل يخلص ولا يودي... بحال بحال"...