الخميس 21 أكتوبر 2021
فن وثقافة

روح مؤسس أدب الأطفال أحمد عبد السلام البقالي في ضيافة "مدارات"

روح مؤسس أدب الأطفال أحمد عبد السلام البقالي في ضيافة "مدارات" من اليمين: أسامة الزكاري، عبد النبي دشين، الراحل أحمد عبد السلام البقالي والزميل عبد الإله التهاني

خصص برنامج "مدارات" حلقته الجديدة ليلة الاثنين 19 أبريل 2021، على أمواج الإذاعة الوطنية من الرباط، لإضاءة محطات من السيرة الأدبية الحافلة للكاتب والشاعر الراحل أحمد عبد السلام البقالي، من خلال استعراض صفحات من حياته ومساره الثقافي، والتعريف بإبداعاته في مجال كتابة القصة والرواية والشعر، وما تميز به من إسهامات غزيرة ومتفردة في الكتابة الأدبية الموجهة  للأطفال والفتيان.

 

استحضر معد ومقدم البرنامج الزميل عبد الإله التهاني لمحات من سيرة الراحل الذي راكم الكثير من المقالات التي كانت تصدر له بالعديد من الصحف والمجلات والمنابر الإعلامية حيث عرج على رحلته المبكرة إلى مصر طلبا للعلم قائلا: "رحلته المبكرة إلى مصر هي التي قوت موهبته الثقافية بعد أن تنسم هواء النهضة الفكرية في أزهى فترات الثقافة المصرية"، فضلا عن "دراسته بجامعة نيويورك التي  نال منها شهادة الماجيستر في العلوم الاجتماعية".

 

وذكر عبد الإله التهاني بحدث تعيين الراحل أحمد عبد السلام البقالي سنة 1962 ملحقا ثقافيا في العاصمة الأمريكية واشنطن، مشيرا إلى مساره الديبلوماسي منذ سنة 1967 كمستشار ثقافي إلى حين تكليفه بمهمة في الديوان الملكي بالرباط سنة 1971 إلى أن وافته المنية سنة 2010. وشدد مقدم برنامج حوار في الثقافة والمجتمع على أن الراحل "كان الرجل أديبا بمواهب متعددة حيث جمع بين صفات عدة منها الشاعر والكاتب الروائي والقاص والمسرحي، بالإضافة إلى اهتمامه الكبير بأدب الخيال العلمي والكتابة الأدبية الموجهة للأطفال والفتيان".

 

وفي شهادة للقاص والناقد عبد النبي دشين قال: "أحيي هذا الاهتمام المعهود فيك (يقصد الزميل التهاني) بقاماتنا الإبداعية والفكرية، وأحيي فيك هذا الاختيار لهذا المبدع المتعدد المواهب". على اعتبار أن الراحل "استطاع أن ينوع في مجالات إبداعاته وهذا التنويع راجع إلى تنوع مشارب ثقافته. ويعزى كذلك إلى مزاوجته بين عواصم للتكوين (المشرق/ أمريكا) وزاوج في تأملاته بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية".. وأشار في شهادته بأن "هذا الغنى والثراء الثقافي الحضاري لم يكن إلا أداة محفزة لبلورة مشروعه الثقافي. هذا التنوع انعكس على تنوع الاهتمامات (الشعر والقصة..) بحيث أنه نهل من التجربة المسرحية وكتب نصوصا مسرحية.."

 

واعتبر القاص عبد النبي دشين الراحل الأديب أحمد عبد السلام البقالي "مبدعا متمكنا برؤيته واستراتيجيته في الكتابة، ومتفردا في مجال يشكل استثناء في الخريطة العربية". بحكم أنه "استطاع بنباهته أن ينتبه إلى أدب الناشئة ليصنع الإنسان السوي والمتناسق سيكولوجيا وإبداعيا في المستقبل..". وأكد عبد النبي دشين بأن الراحل "يعود له الفضل في تأسيس النواة الأولى للاهتمام بأدب الأطفال والفتيان، وتجسير الطريق لهذه الفئة العمرية الحساسة والصعبة لأنها فعلا تمثل مرحلة دقيقة من مراحل الإنسان وعتبة نحو ولوج عالم الكبار".

 

وعن شخصية الرجل قال دشين "تميز الأديب بسعة الاطلاع وقدرته على التقاط كل ما يشغل الإنسان أينما كان، واستطاع أن يشتغل في وظائفه ومناهل (كأديب ومترجم وديبلوماسي) مكنته أن ينتبه لإنسانية الإنسان. بأناقته الفكرية كان صاحب سبق بامتياز بصمه بدمغته الراقية وأن ينتبه للمكون القيمي ويدرجه في نصوص متناسقة مع وجدان هذه الناشئة، نصوص تضج بنوع من الحمولات القيمية التي تعنى بتكوين الإنسان". مشيرا إلى أن الراحل "جعل كل أبطال نصوصه فاعلين وأوعية لتمرير هذه القيم". لأن الرجل "كان محملا بزاد سوسيولوجي وسيكولوجي وزاد معرفي أدبي مكنه أن يطوع هذا النوع من الأدب (أدب الأطفال والفتيان) لأنه قدم إلى هذا النوع من الأدب، من غير أن يستبلد ذكاء المتلقي بل استطاع أن يعصرن رؤاه".

 

 

وقال "لقد انتبه الراحل الأديب أحمد عبد السلام البقالي إلى أدب الخيال العلمي والذي اشتهر في الجغرافيات الأمريكية والأوروبية، ولم يجعله دخيلا علينا حيث عمل على تبيئته ليلائم البيئة المحلية". مضيفا: "جل نصوصه عمد إلى تضمينها أبياتا شعرية وآيات قرآنية، واستثمر بشكل جميل التراث الشعبي المحكي بأبعاد جمالية ورمزية تعصرن القديم وتمنحه الاستمرارية... أسلوب نصوصه يدفع إلى تنشيط متخيلها لإذكاء عنصر القلق المعرفي. تعمد إلى الحكي وتلتقط التفاصيل وتصوير المشاهد. إنه نوع من الكتابة بالعين. تقرأ برؤية فنية. تفتح شهية المتلقي. لم يكتف الراحل بالسرد وإنما زاوج بين الوصف والسرد، وزاوج بين شخوص آدمية وشخوص حيوانية لإذكاء عنصر الغرابة والانفتاح على الغرائبية والأسطورة".

 

وختم شهادته بقوله: "كاتب صاحب مشروع وفق منطلقات نظرية عميقة جدا، قامة فكرية استطاع بالفعل أن يخلد بصمته في مساره الثقافي. رجل امتلك قدرة كبيرة على التواصل والإنصات والهدوء العميق جدا كاتب مميز استطاع أن يؤكد حضوره الإبداعي".

 

من جهته اعتبر الباحث أسامة الزكاري أن تخصيص حلقة من حلقات برنامج مدارات للراحل أحمد عبد السلام البقالي "أسمى تعبير عن الوفاء لأديب كبير، لأننا نتحدث عن هرم ثقافي بامتياز، خلف رصيدا هائلا من الكتابات الشعرية والنثرية". مؤكدا على "أن العلامة سيدي عبد الله كنون نوه بشعرية أحمد عبد السلام البقالي لما قرأ له أشعارا في جريدة الأنوار. ونفس الشيء عبر عنه الكاتب محمد داوود".

 

وقال أسامة الزكاري في شهادته "الرجل لم يكن اسما غريبا في الكتابة الأدبية" لأنه قامة ثقافية خلف رصيدا ومنجزا في الحقل الأدبي، لذلك فهو "ابن شرعي للثقافة المغربية؛ بكتاباته في أدب الأطفال والفتيان وأدب الخيال العلمي وكتب في مجالات متعددة (القصة، الشعر، الرواية ، السمرح..) وكسر نمطية الإبداع... وترجم نصوصا كثيرة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية".

 

ولم يتردد أسامة الزكاري في شهادته أن يؤكد على أن: "الأديب أحمد عبد السلام البقالي شاعر قبل كل شيء، وكتاباته غزيرة ومتنوعة في الشعر. كان شاعرا بامتياز". واستحضر في هذا السياق قولة العلامة عبد الله كنون "أفضل أن أرى فيك الشاعر قبل أن تكتب القصة"...