الخميس 15 إبريل 2021
كتاب الرأي

كريم مولاي: عن لجوء سعداني إلى المغرب وقضايا جزائرية أخرى

كريم مولاي: عن لجوء سعداني إلى المغرب وقضايا جزائرية أخرى كريم مولاي
أثار نبأ طلب الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم نظريا في الجزائر، والرئيس الأسبق للبرلمان في الجزائر عمار سعيداني اللجوء في المغرب، جدلا سياسيا وإعلاميا كبيرا، ليس بالنظر إلى الطلب في حد ذاته، فالجزائر بلد طارد لأبنائه منذ عدة عقود، لأنها مختطفة من طرف عصابة عسكرية أبت أن تقر للشعب بحق تقرير المصير، وإنما لأنه يتصل بعلاقات بلدين جارين، تربط بينهما فضلا عن عقيدة التوحيد التاريخ والجغرافيا والمصير..
قرأت الخبر في عدد من وسائل الإعلام الجزائرية والمغربية، التي تعيش هذه الأيام على وقع صراع محموم لا أحد يعرف سببه الحقيقي إلا الخبراء بعمق العلاقات بين البلدين، وأيضا المتابعون لأنباء حراك شعبي مبشر بغد ديمقراطي أفضل في الجزائر.. 
مع أنني لم أستغرب خبر طلب اللجوء في حد ذاته، فالمغرب طالما كانت ملجأ لعدد من السياسيين الجزائريين، لعل من أبرزهم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وقبله الراحل محمد بوضياف وأحمد بن بلة والعربي بالخير وآخرين، إلا أنني ومن منطلق خبرتي بعصابة الحكم في الجزائر، فقد توقفت متأملا، لماذا تلجأ صحيفة جزائرية قريبة من أجهزة المخابرات على إشاعة خبر طلب سعداني اللجوء في المغرب؟
طبعا، الجواب عندي واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، فعصابة الحكم التي أصبحت شعارات التغيير التي يرفعها الحراكيون أمست تحاصرها من كل مكان، فضلا عن جائحة كورونا التي كشفت المستور من عورات بنية صحية مهترئة لا تصلح لمواجهة الكوارث الكبيرة ولا الصغيرة حتى.. لجأت مرة أخرى للبحث عن عدو خارجي لتعليق فشلها عليه.. وليس هناك أكثر إقناعا للحزائريين من تعليق التهمة للمغرب، لتحميلها مسؤولية كل مصائب الجزائر، التي يعرف الجميع أن أسبابها داخلية بامتياز.
لا يعرف حقيقة اللجوء إلا من اكتوى بناره، مع أنني لا أقارن نفسي بعمار سعداني، لا من حيث المسؤوليات السياسية والبرلمانية التي تولاها، ولا لجهة التهم العالقة به والتي تلاحقه في منفاه الاختياري في فرنسا ثم في البرتغال، إلا أنني أريد الإشارة إلى أن الإنسان يختار أحيانا المنفى عن وطنه الذي نشأ وترعرع فيه لا لشيء إلا لأنه لم يعد يأمن على حياته في هذه البلاد.. 
وتزداد الحالة قتامة إذا فهمنا أن السبب في المنفى غياب العدل وانعدام القوانين الحافظة للكرامة الإنسانية.. فلو أن سعداني كان مقتنعا بأن في الجزائر من القزانين ما يمنحه حقه في جماية نفسه ما أقدم على اختيار المنفى، والمغامرة بمصيره ومصير أبنائه.. 
حب الأوطان فطرة يولد الإنسان عليها، واقتلاع الإنسان من بيئته هو أقسى الأحكام التي يلقاها أي إنسان، حتى أن حب الديار في القرآن اقترن مع محبة النفس، وأن كلا منهما أمر متأصل في النفوس عزيز عليها يقول الله سبحانه وتعالى: "وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ".
وبغض النظر عن صحة خبر طلب سعداني اللجوء في المغرب من عدمه، فإن الخبر قد أثار في شجونا كثيرة، أولها أن الإنسان دوما يبحث عن كرامته وأمنه واستقراره، وأن هذه المعاني إذا ما غابت فإن الأوطان تنتفي معها.. ويصبح الإنسان باحثا عن وطن يؤمن له هذه المعاني.. 
عندما اخترت المملكة المتحدة وطنا ثانيا لي بعد أن فقدت كل أمل في الكرامة والعدالة في بلادي الجزائر، التي يشهد الله أنني أحن إليها مع كل طلوع شمس، أعلنت بوضوح أنني ما خرجت باحثا عن مغنم مادي ولا سياسي، وأنني طويت صفحات مؤلمة من حياتي، تم توظيفي فيها لأغراض غير وطنية.. وأكدت أنني بصدد شهادتي للأجيال المقبلة لأخذ العبرة والدرس..
لا شيء أكثر مرارة من أن يجد الإنسان نفسه في آخر أيام حياته هائما على وجهه يبحث عن وطن، قد يجده في صحيفة عابرة أو في كتاب يضم تجربته للأجيال المقبلة، ولا يعلم أحد من أهله أين انتهت جثته.. 
صورة بائسة وحزينة، هي تلك التي يسطرها عسكر الجزائر هذه الأيام، لكنني مع ذلك متفائل بأن المقبل من الأيام هو الأجمل، طالما أن وراء الحق طالب، وأي حق أكثر قداسة من تأمين حياة ابن آدم، التي هي أكثر حرمة عند رب العباد من مكة المكرمة!
 
كريم مولاي/ خبير أمني جزائري"لندن"