الثلاثاء 21 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

بوبكري: في بطلان المذكرة الدولية لقضاء جنرالات الجزائر القاضية بتوقيف "هشام عبود" و"محمد العربي زيتوت" و" أمير د ز"

بوبكري: في بطلان المذكرة الدولية لقضاء جنرالات الجزائر القاضية بتوقيف "هشام عبود" و"محمد العربي زيتوت" و" أمير د ز" محمد بوبكري
أصدر قضاء جنرالات الجزائر مذكرة توقيف دولية في حق المعارضين الجزائريين الصحفي "هشام عبود" والدبلوماسي السابق " العربي زيتوت" والناشط الإعلامي "أمير د ز"، موجهة لهم تهمة الإرهاب. لكن المتتبعين للشأن الجزائري يرون أن هؤلاء هم ضحايا لسياسة الغاب التي يمارسها جنرالات الجزائر، وأن هذه التهمة باطلة، وأن الأمر يتعلق بمعارضين مقيمين في الخارج ينشطون إعلاميا ضد نظام العسكر، فرض عليهم واجبهم الوطني مساندة الحراك الشعبي عبر كشف النظام وعنفه، الأمر الذي يخلف أثرا داخليا ودوليا. وقد وجه الجنرالات هذه المذكرة إلى "الشرطة الدولية" (الإنتربول) بهدف إرجاعهم إلى الجزائر. وهذا ما يؤكد بلادة الجنرالات، لأنهم برهنوا على أنهم لا يعرفون أي شيء عن الشرطة الدولية، حيث يعتقدون أن نظام هذا الجهاز يشبه نظامهم السياسي الفاشي؛ فالشرطة الدولية لا تشبه منظومتها منظومة العسكري الجزائري في شيء، وهي ليست في ملكية دولة معينة، لأنها منظمة دولية، كما أنها لا تسلم بما تقول لها أنظمة الدول، حيث إن لها دائرة قضائية تنظر في الملفات المعروضة عليها وتحقق في التهم الموجهة إلى المطلوب توقيفهم. أضف إلى ذلك أن هذه المنظمة الدولية لا يمكن أن تسلم لجنرالات الجزائر أي شخص، لأن الأمم المتحدة تمنع تسليم الأشخاص إلى بلد يمارس التعذيب، وهي تمتلك ملفات حول تعذيب نظام الجنرالات لمعارضيه.
لذلك، يرى بعض الخبراء في الشأن الجزائري أن الجنرالات يعرفون أنهم لن يتسلموا هؤلاء المعارضين، وأنهم استصدروا هذه المذكرة فقط للاستهلاك المحلي بغية تخويف مناضلي الحراك، الأمر الذي تأكد أنه لا يفيد الجنرالات في شيء، حيث إن طلاب الجزائر رفعوا في مظاهرتهم الأخيرة شعارات "هشام عبود صحفي حر"، "زيتوت سياسي حر"، كما رفعوا شعارات تضامنا مع "أمير دز"، ما يعني أن ممارسة الجنرالات هذه قد نجمت عنها ردود فعل معاكسة لما توقعوه منها.
لقد استندت المخابرات على تصريحات قام بها عميل لها يدعى "أحمد منصوري"، كلفته الأجهزة الأمنية بادعاء أن هؤلاء المعارضين أعضاء في جماعته الإرهابية، ما يؤكد أن الأمر يتعلق بتهمة باطلة من صنع الجنرالين "خالد نزار" و"توفيق محمد مدين" اللذين سبق لهما أن قاما بمثل هذه المناورات والمؤامرات بهدف اغتيال معارضين جزائريين خلال "العشرية السوداء". ويؤكد بعض الخبراء أن هذه المؤامرة من نسج "شفيق مصباح" الذي هو العقل المفكر للجنرال توفيق، لأن هذا الأخير عاجز عن التفكير.
وللتدليل على بطلان هذه التهمة الموجهة إلى هؤلاء المعارضين الجزائريين، فإن هشام عبود صحفي معروف كانت له صحافته الخاصة التي منعها العسكر وأغلقها، كما قامت المخابرات الجزائرية بقرصنة قناته. كما صدر له كتاب بعنوان "مافيا الجنرالات"، وستصدر له قريبا مؤلفات أخرى، وله فيديوهات تتميز بجرأة كبيرة ورؤية ثاقبة للوضع الحالي في الجزائر. وقد سبق للعسكر أن أصدروا في حقه مذكرتين لتوقيفه، لكنهم لم يستطيعوا توقيفه. ويكفي أن يشاهد المرء فيديوهات "العربي زيتوت" و" أمير دز"، ليخرج بخلاصة مفادها أن الأول يقوم بتحليلات جريئة وعميقة للوضع في الجزائر، تجعل منه معارضا قويا يعري نظام العسكر، وأن لـ " أمير دز" أسلوبا ساخرا في نقد نظام الجنرالات بشكل لاذع. وهذا ما يؤكد أن هؤلاء المناضلين لهم تأثير كبير في تأجيج الحراك، ما يفسر حقد الجنرالات عليهم. وبدراسة المرء للغتهم وأسلوبهم وخطاباتهم، يتبين له بطلان تهمة الإرهاب الموجهة إليهم، وأنهم معارضون أقوياء يكشفون عورة نظام العسكر، ويدعون إلى التظاهر سلميا. لذلك، يبدو لي أن الجنرالات قد استصدروا مذكرة بدون حجة، لا يعون مضمونها، ولا منظومة الشرطة الدولية.
تبعا لذلك، يؤكد خبراء جزائريون أن العسكر سيفشلون في مسعاهم هذا، إذ ليست لديهم حجة ملموسة على ما يدعون، ما يؤكد أنهم حاقدون على هؤلاء المعارضين لنظامهم. بالتالي، فقيامهم بتوجيه تهمة الإرهاب الباطلة إليهم ستفضح كذبهم وافتراءاتهم وحقدهم عليهم، ما سيضر بصورة الجنرالات في مختلف الأوساط الدولية، إن كانت لهم سمعة أصلا. وهذا ما يجعلهم يفقدون ثقة المنتظم الدولي في ادعاءاتهم. ويمكن أن يقدموا مستقبلا مذكرة لتوقيف إرهابي حقيقي، لكن لن يجدوا من ينصت إليهم، لأن العالم يكون قد فقد الثقة فيهم، وصار كل ما يقولونه باطلا، وبذلك يكونون قد تسببوا في إغلاق الأبواب في وجههم. هكذا، فهم فقدوا مصداقيتهم دوليا، لأن المنتظم الأممي أصبح يدرك أن نظامهم يمارس العنف والتعذيب، بل صار الجميع على علم بهلع نظامهم من تصاعد الحراك الشعبي، ما يسفه افتراءات الجنرالات على المعارضين.
لقد صدر مؤخرا بالجريدة الرسمية الفرنسية نص الاتفاقية الجزائرية الفرنسية التي تقضي بتسليم المجرمين بين فرنسا والسلطة الجزائرية، ما جعل البعض يعتقد أن فرنسا ستقوم بموجب الاتفاقية بتسليم كل من الصحفي "هشام عبود"، والإعلامي " أمير دز" إلى جنرالات الجزائر. وتجدر الإشارة إلى أن المناضل "محمد العربي زيتوت" مقيم في بريطانيا، لا في فرنسا. 
قد يقول قائل إنه من المحتمل أن يستلم الجنرالات معارضيهم في إطار صفقة كبيرة مع دولة معينة. وهذا أمر غير ممكن، لأن الشرطة الدولية تابعة للأمم المتحدة، حيث لا يمكن لأي دولة أن تستغل هذه الشرطة لصالح دولة تجمعها معها اتفاقية معينة. فهؤلاء المعارضون مثقفون مبدعون وليسوا إرهابيين، كما أن "خالد نزار" و" توفيق" هما اللذان قاما بنسج هذه المؤامرة؛ فهما إرهابيان، حيث سبق للقضاء الجزائري أن أصدر حكما على الأول بعشرين سنة سجنا، وحكم على الثاني بخمسة عشر سنة سجنا، حيث وجهت لهما تهم تتعلق بنهب الأموال وتهريبها إلى الخارج، والتقتيل الجماعي للشعب الجزائري، ما أصبح معلوما دوليا، حيث تتابعهما العدالة الدولية بسب نفس الملفات. والغريب أن "شنقريحة" قد ألغى الأحكام الصادرة في حقهما، ما يدل على أن نظام العسكر يحتضن الإرهابيين ويحميهم. زد على ذلك أن هذا النظام يحمي مختلف الجماعات الإرهابية في جنوب الجزائر وشمال مالي والنيجير. ومن الأكيد أن مختلف الاستخبارات الغربية تتابع ذلك عن كثب، وهي على علم بمجرياته وتطوراته. وسيأتي يوم سيفضح فيه تورط جنرالات الجزائر في الإرهاب، كما أنهم يتاجرون في الأسلحة والمخدرات وتهجير البشر في دول الساحل.
علاوة على ذلك، لقد وظفت المخابرات الجزائرية أجهزتها الإعلامية وذبابها الإلكتروني للإساءة إلى الحراك ورموزه. وإمعانا في تشويه صورته، قامت هذه المخابرات بزرع عملائها في صفوف المتظاهرين، فلجات إلى إلقاء القبض عليهم وهم يحملون أسلحة بيضاء، ما يفيد أن هذه المخابرات تريد ترهيب المتظاهرين بأن صفوف حراكهم مخترقة من قبل عناصر مسلحة قد تعتدي عليهم بالأسلحة البيضاء، كما ترمي من وراء ذلك إلى توجيه رسالة إلى الرأي العام الدولي مفادها أن الحراك مخترق من قبل إرهابيين يحملون أسلحة بيضاء، الأمر الذي أدركه المتظاهرون، واحتجوا ضده، ما أبطل مفعول دعاية المخابرات الجزائرية. وهذا ما أثر سلبا على سمعة الجيش والمخابرات الجزائريين، التي وصلت إلى الحضيض، لأن أعمال العنف والفساد التي يرتكبها الجيش والمخابرات تستحق الإدانة محليا ودوليا.
أنا مقتنع بأن دولة فرنسا لن تقوم بتسليم الصحفي المرموق "هشام عبود" والإعلامي المبدع " أمير دز" إلى جنرالات الجزائر؛ ففرنسا دولة قانون ومؤسسات، وهي مهد فكر الأنوار، واحترام حقوق الإنسان، كما يوجد بها ملايين الأجانب، الذين يشكل اللاجؤون جزءا مهما منهم. وتوجد في فرنسا منظمات دولية، كما توجد فيها تنظيمات لحماية حقوق الإنسان، كما أن فيها أحزابا ديمقراطية ومجتمعا مدنيا قويا. لذلك أرى أنها لن تلبي طلب نظام دموي يمارس النهب والعنف والتقتيل الجماعي، حيث إنها لن تقبل توريط نفسها في مستنقع المشاكل المتعلقة بخرق المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، كما أنها تحترم المجتمع المدني الفرنسي، الذي قد ينتفض ضدها في حالة تسليم هذين المعارضين إلى جنرالات الجزائر الدمويين.
وما يثير الإعجاب هو أن معارضي النظام الجزائري لا يريدون أي دعم من الدول الديمقراطية، لأنهم يرفضون تدخلها في الشؤون الداخلية لبلدهم، لكنهم يطالبون هذه الدول بإيقاف دعمها لنظام الإرهاب في الجزائر. فوق ذلك، فالمعاهدات الدولية تمنع تسليم الأشخاص لاعتبارات سياسية، أو عسكرية. وإذا كانت مواقف هشام عبود معروفة في فرنسا بكونها معارضة للنظام الجزائري، فإنه لا يمكن قبول التهمة الموجهة إليه، لأن الرأي يعي أنها مجرد شيطنة بالكذب التي ينهض على الحقد. أما "أمير دز"، فإنه طلب اللجوء السياسي، حيث لا يمكن تسليم لاجئ سياسي، أو طالب لجوء سياسي، لأن الاتفاقيات الدولية والأوروبية تمنع ذلك. لذلك، فإن دولة ديمقراطية لا يمكن ان تقبل بتسليم معارضين سياسيين إلى جنرالات الجزائر الطغاة، الذين قد يلحقوا بهما الأذى.
وتجدر الإشارة إلى أن المعاهدات الدولية تسمو على الاتفاقات الثنائية. نتيجة ذلك، فإن أمر جنرالات الجزائر قد افتضح، حيث سيتم رفض طلباتهم المتعارضة مع حقوق الإنسان، كما هو متواضع عليها كونيا، ما يعني أن مذكرتهم قد سقطت في الماء.