الأحد 20 يونيو 2021
سياسة

بعد توفيق الغلبزوري.. عبد الرحمن بودرع في لعبة تصريف خطاب التطرف في تضاعيف الشكوى!

بعد توفيق الغلبزوري.. عبد الرحمن بودرع في لعبة تصريف خطاب التطرف في تضاعيف الشكوى! من اليسار: محمد يسف، العبادي، الغلبزوري وعبد الرحمن بودرع

بعد أن وقفنا في "حديث النسناس في وعظ توفيق الغلبزوي للناس"، على شكوى رئيس المجاس العلمي بالمضيق من الزمان، وبمسحة التعريض بخصومه الإيديولوجيين والسياسيين، نقف اليوم على التدوينة التالية، للأستاذ عبد الرحمن بودرع: "الصمتُ في زَمَن الغُثاء أبلَغُ للمَرْءِ وأسلمُ لدينه وعاقبةِ أمرِه، والأفواه التي تُرسلُ إليك قَذائفَ النار وتبسطُ إليْك ألسنةَ السوءِ وتَنشرُ فيك كلُّ مَعيبةٍ وكلَّ مَذمَّةٍ، لا تَنتهي ولا تَفتُرُ ولا تكلُّ، والصَّمْتُ أقْوى صخرةٍ تتحطَّمُ عليْها سهامُ الرُّماةِ، تَمضي على اللَّئيمِ يَسبُّكَ وتمرُّ بالعَقيمِ يُهينُك وتُلْفي السَّقيمَ يَتَطاولُ على عِرْضِك، فتؤثرُ الصَّمتَ لأن الزمانَ -اليومَ- زَمانُهُم واللسانَ لسانُهم، أما أنتَ فزمانُك زَمانُ الغُربةِ والمحنَةِ والبليَّة، فقَد مَضَى أو أوْشَكَ على المُضيِّ".

 

والعجيب أن الغلبزوري، تفاعل مع هذه التدوينة، وبمعجم النسناس، على هذا النحو: "ذهب الناس وبقي النسناس شيخ العربية، فالصبر الصبر، فإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، وليس ذلك إلا لهم فحسب".

 

وسيتبع بودرع هذه الشكوى، بأخرى: "تواطُؤ الأضداد في زمن الغُثاء، هل سمعْتَ بِراعٍ رَدَّ في الضَّرْعِ ما قَرَى في العِلابِ؟"

 

وحتى في قعر نفاضة جراب تدويناته كثير من هذا الأسلوب في الشكوى والتعريض بالآخر. لكن سنكتفي في القراءة، بهذا القدر من الراهن منها:

 

1- إن الأستاذ بودرع ولله الحمد، آمن في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه. فهو بالمقياس النبوي، حيزت له الدنيا بحذافيرها. فلم الشكوى إذن من "زمن الغثاء"؟

فمن آلاء الله عليه، أنه أستاذ للسانيات بكلية الآداب بتطوان، وعضو بمعية بنته بمركز أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية، الذي يرأسه الأستاذ محمد الحافظ الروسي، والتابع للرابطة المحمدية للعلماء. وعمليا، هو وكريمته من يتحكم في مركز أبي الربيع السبتي. أيضا يشغل مهمة رئيس تحرير مجلة "فقه اللسان"، التي يصدرها هذا المركز. ومعه ابنته في هيأة التحرير كذلك. وواعظ تابع للمجلس العلمي بتطوان. وفاعل أصولي محسوب على الحزب الحاكم. وإن كان في مرحلة خلت، ولج باب حزب الأحرار، على عهد الأستاذ أحمد عصمان. وله علاقة نافذة بالنواة الصلبة للأصولية بوزارة الأوقاف، سواء في عهد الوزير المدغري أو التوفيق.

أعتقد أن خطاب الشكوى والمظلومية هذا، وما ينطوي عليه من ابتزاز مضمر أو تسول معلن، وقد فاء الله عليه بنعمائه، سيجعله في موقع كفر النعم، ونسي: "أفلا أكون عبدا شكورا".

 

2- إنه بالنظر إلى مساهمته في "دفاتر تفكيك خطاب التطرف" ضمن رؤية "الإسلام والسياق المعاصر"، للرابطة المحمدية للعلماء، بدفتر "التطرف وخطاب الفهم والتحليل"، فإن تدويناته أعلاه تجسد ما ذهب إليه في هذا الدفتر بقوله: "لا شك أن أزمة الفهم والتصور ينتج عنهما خطاب لغوي متطرف، في تسمية الأشياء، وفي المحاورات والمناظرات، وفي استيعاب الآخر وتقبله أو رفضه، وفي منهج الاستدلال بالنصوص الشرعية لتسويغ الأفعال". ولم تفته المناسبة ليحيطنا في هذا الدفتر بإبراز تعريف "مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية الذي مقرة بمكة المكرمة" للإرهاب بالمعنى الوهابي. وهذا الإبراز لهذا المجمع الذي يشغل فيه موقع نائب الرئيس، يخفي ما يخفي من لعبة اللعب على الحبال. كما أن رؤيته في هذا الدفتر للدارجة تبقى أصولية. وحتى للغرب، وهي لا تنفصل عن تدوينته التالية: «... ألْقى الغربُ على مَدائنِنا الكبْرى مَفاتنَه، وغَمَرَت أوْحالُ نَزواتِه كلَّ شارعٍ وبيْتٍ، فَضاعَت بَصْمتُنا ضاعَت منّا المَلامحُ والطّريقُ، فَلا الشَّرقُ شرقٌ ولا الجَنوبُ جَنوبٌ، وكلّ النّاسِ إفرنجٌ وغَرْبٌ» شذورٌ من كتاب: "إسعاف الخاطر في تهذيب إتحاف الناظر". فهذا الموقف النمطي من الغرب، بدون تمييز، والمقتبس من كتاب سيرته، يتنافى، وهو يندرج في مسمى الشحن الإيديولوجي ضد الآخر، مع ما هو معلن في رسميات الجوار المغربي.

 

3- إن عملية تصريف بودرع لاستعارة القتل الأصولي تسائل بجدية رهان الأستاذ أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، على منتسبي الوهابية والإخوان في تأثيث أغلب مفاصل سياسة الرابطة المحمدية للعلماء. فهناك مسافة بين القول والممارسة تطبع مشهد الأداء، فلا وزارة الأوقاف سدت الفجوة، ولا الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى، ولا الرابطة المحمدية للعلماء. وهذا إشكال يتجاوز مسؤولي هذه القطاعات، إلى اختيارات لم تحسم بعد، في الفجوة الحاصلة بين متطلبات الدولة بالتزامها العضوي بمرجعية إمارة المؤمنين، وبين براغماتية الطرح المخزني في تحالفه مع الأصولية، فتم إقبار المشروع المجتمعي الحداثي الديموقراطي للملك/ أمير المؤمنين.

 

أما بعد، فمع مراقي مستويات التعبير الأصولي، عبر الفايسبوك، من موقع الانتساب لمؤسسات الحقل الديني، وقفنا في السابق على تعارض حديث النسناس مع استحقاق "الدروس الحديثية"، وقفنا اليوم على تعارض حديث "زمن الغثاء"، مع استحقاق "تفكيك خطاب التطرف".. وبهذا يكون خطاب التدليس، قد انكشفت لعبته. أما خطاب المظلومية، فيعبر عن النهم الأصولي، الذي لا حدود له، حتى إقامة دولة الخلافة.. "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"!