الخميس 22 إبريل 2021
كتاب الرأي

كماز المحجوب: من يقف وراء إقصاء وتهميش الثقافة الحسانية من المنابر الإعلامية الرسمية ؟

كماز المحجوب: من يقف وراء إقصاء وتهميش الثقافة الحسانية من المنابر الإعلامية الرسمية ؟ كماز المحجوب
الثقافة الحسانية في حد ذاتها هي (كوكتيل)، ومزيج من المكونات الثقافية الأخرى بما فيها الثقافة واللغة العربية، ومزيج من الثقافات الأخرى التي تتداخل مع الثقافة الحسانية منها الثقافة الأمازيغية، ونجد فيها كلمات من الإسبانية وكلمات من اللغة الفرنسية، وكذلك كلمات أخرى من دول إفريقية بجنوب الصحراء.
الحسانية ثقافة وموروث وطني يرتبط بربوع الصحراء بجنوب المغرب، حيث أنها تتجاوز الحدود الإدارية أو السياسية الرسمية، فنجد على أنها تغطي جنوب المغرب، أي الصحراء الشاسعة التي تغطي ثلاث جهات (كلميم واد نون / الساقية الحمراء / وادي الذهب) وتمر وتعبر الحدود عبر معبر الكركرات لتصل إلى الأراضي الموريتانية إلى حدود جنوب الصحراء، وهذا المجال هو ما يطلق عليه محليا بـ “تراب البيضان”. 
الثقافة الحسانية بشكل عام ثقافة مركبة أو مزيج من مجموعة من الثقافات الأخرى، منها العربية والفرنسية والإسبانية والأمازيغية ولغات الدول الإفريقية المجاورة وكذلك عادات وتقاليد أيضا متداخلة. وعندما نقول الأمازيغ، فإننا لا نقتصر على الأمازيغ في سوس وإنما أيضا نرتبط بالطوارق في أرض جنوب الجزائر أو نواحي تندوف ومالي.
كباحث في علم الإجتماع ومتتبع ومهتم لاحظت أن في الحسانية كلمات أمازيغية قديمة جدا لم تعد تستوعبها أو تتداولها الأمازيغية الحالية، لذلك أدعو الأمازيغ إذا أرادوا أن يبحثوا عن بعض المصطلحات الأمازيغية القديمة، فسيجدونها ضمن الثقافة الحسانية وهذا استنتاج توصلت إليه مؤخرا وأضعه من هذا المنبر رهن إشارة المهتمين والباحثين.
الثقافة الحسانية نص عليها الدستور، ورد الاعتبار لها، والاهتمام بها وتثمينها أضحى مطلبا ملحا بالنظر للقيمة التاريخية والحضارية ضمن النسيج التراثي الوطني بشكل عام، وفي هذا الصدد فقد أشار الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء في 6 نونبر 2015 ما مضمونه: “واعتبارا لمكانة الثقافة الحسانية في وجدان أبناء الصحراء فإننا نعمل على تعزيز آليات الحفاظ على التراث الصحراوي والتعريف به ولاسيما من خلال بناء المسارح والمتاحف ودور الثقافة بمناطق الجنوب”.
وبالرجوع للفصل الخامس من دستور 2011، نستشف المكانة التي تحظى بها الثقافة الحسانية باعتبارها مكونا أساسيا ضمن مكونات ثقافة المجتمع المغربي الذي يطبعه التعدد في إطار التنوع والذي يشكل قاعدة صلبة لقوة المجتمع وتماسكه، فالتعدد اللغوي والتعبيرات المختلفة للثقافة الحسانية المغربية تتعايش مع الثقافات الأخرى خاصة الأمازيغية لتشكل اللبنة الأساسية لوحدة الهوية الوطنية المغربية في إطار التنوع.
تنزيلا لما ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين حيث ينص في مقدمته “يتأصل النظام التربوي في التراث الحضاري والثقافي للبلاد، بتنوع روافده الجهوية المتفاعلة والمتكاملة ويستهدف حفظ هذا التراث وتجديده ضمن الإشعاع المتواصل به لما يجمله من قيم خلقية وثقافية وحتى يتحقق هذا الأمر بشكل يضمن توزيع مجمل الدروس ووحدات التكوين والمجزوءات من التعليم الأولي إلى التعليم الثانوي” تم تخصيص جانب ضمن البرامج الدراسية ضمن قضايا الشأن المحلي في مرحلة معينة بالمناطق الجنوبية إلا أنه تم توقيف هذا المكسب.
 كباحثين ومهتمين وفعاليات المجتمع المدني بشكل عام، وعلى رأسها مجموعة البحث والدراسات حول ساحل الصحراء بالعيون، بادرنا إلى دعوة من أجل إدماج الثقافة الحسانية في المقررات الدراسية، فكان لها السبق في هذا الجانب وحاولت أن تضع هذا المشروع بين يدي الوزارة الوصية، وكان ذلك في مرحلة توجت بيوم دراسي مشترك ما بين المجلس الوطني لحقوق الإنسان ووزارة التربية الوطنية، ومجموعة البحث والدراسات حول ساحل الصحراء التي يترأسها الدكتور فهراس عبد العزيز. للأسف هذه التجربة ظلت حبيسة رفوف وزارة التعليم ولم تفعل إلى حدود الساعة.
بدوري أتساءل لماذا هذا الإقصاء والتهميش أو سوء المعاملة مع الثقافة الحسانية، مع العلم أن لها أسسا ومرجعيات رسمية من خلال خطاب الملك، أو ما نص عليه الدستور، وقد أرد هذا الإقصاء إلى أسباب قد تكون مقصودة، خاصة إذا كان هناك تقاعس في المطلب والإلحاح كي تجد الحسانية حيزا في المنابر الإعلامية الوطنية الرسمية، وهنا أحمل المسؤولية إلى المنتخبين وفعاليات المجتمع المدني.
 في القناة والإذاعة الجهوية بالعيون التي من المفروض أن تقدم برامجها عن الثقافة الحسانية، إلا أنها تقدمها بشكل محتشم وأحيانا تسيء إلى مكونات الثقافة الحسانية أكثر من أنها تعمل لأجلها. فضلا عن نشرات الأخبار التي تقدم باللغة العربية وليس باللهجة الحسانية. لذلك أدعو هذه المنابر الإعلامية الرسمية إلى إعادة النظر في الخطابات وطريقة تقديم الأخبار والبرامج والتركيز على المكونات الثقافية الحسانية من أجل المحافظة على هذا الموروث الثقافي والمحافظة على المعجم الحساني المرتبط بالمناطق الجنوبية.
إذا كانت قناة العيون الجهوية هي منبر من أجل الحفاظ على الثقافة الحسانية ومنبر للدفاع عن قضية الوحدة الترابية فيجب أن تكون بـ “كلام البيضان” والحسانية وليس باللغة العربية، لأن الكثير من الشيوخ والنساء سواء في المغرب أو خارجه أو في مخيمات جبهة البوليساريو لا يفهمون لغة تواصل التلفزيون، حيث من الأفضل التواصل باللهجة الحسانية ليكون هناك تفاعل وإقناع المغرر بهم.
كماز المحجوب أستاذ علم الاجتماع كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة ابن زهر أكادير