الأربعاء 12 مايو 2021
فن وثقافة

عياد أبلال في "مدارات": الأدب ركن أساسي ومحوري في تخصص الأنثروبولوجي

عياد أبلال في "مدارات": الأدب ركن أساسي ومحوري في تخصص الأنثروبولوجي الكاتب عياد أبلال (يمينا) والزميل عبد الإله التهاني

في حلقة جديدة من برنامج "مدارات"، الذي يعده ويقدمه الزميل عبد الإله التهاني، على أثير الإذاعة الوطنية، أطل الباحث عياد أبلال، الذي توزعت اهتماماته بين الدراسات البحثية والأدبية والسوسيولوجية، والتي صدر منها: "الهجرة السرية مقاربة سوسيولوجية"، "أنتروبولوجيا الأدب، والأفق الاجتماعي في الجنس والدين"، "الجهل المركب الدين والتدين"، "الجسد في المجتمعات العربية بين الواقع والنص"، "أنتروبولوجيا الألم"، "أنتروبولوجيا الجسد"، "رعاة الأطلس".

 

مسار علمي، تنوع معرفي وعصامية مكابرة

عن سؤال البدايات والتدرج الذي صنع وعي ضيف "مدارات" قال الباحث عياد أبلال: "العودة إلى مراحل البدايات عرفت التزاما مبكرا لكل ما هو علمي ومعرفي"، حيث نشأ هذا النمو من خلال "الميول للقراءات في فترة الإعدادي والثانوي المرتبطة بالسرد وكتابة القصة والقصيدة"، لكن بعد نيل شهادة الباكالوريا (علوم الزراعة).. ويكشف أبلال أنه وجد نفسه في صلب اهتمامات إلى دراسة الفكر الذي يشرح الأبعاد التي تقدمها الطبيعة والزراعة للإنسان (علم الاجتماع القروي). حيث اضطر إلى الالتحاق بالمعهد الوطني للزراعة والبيطرة، واجتياز مباراة التعليم التي فتحت له أفق الاشتغال بأكادير، لكنه سيقرر إعادة امتحان الباكالوريا مرة ثانية لكن في الأدب لكي يلتحق بالجامعة، لأنه "كان في حاجة ماسة وتعطش كبير للمعرفة".

الالتحاق بالجامعة فتح لعياد أبلال أفقا جديدا لنيل دبلوم الدراسات المعمقة ودكتوراه في سوسيولوجيا الأدب، لذلك يؤكد على أنه كان "يميل مبكرا للأدب وينتصر لأسئلة الخطاب السردي والقصصي وتجديد الجسور الثقافية والمنهجية". ورغم ذلك فانتقاله السلس في عالم المعرفة العليمة والمزاوجة بين حقول متداخلة، (الأدب، والسوسيولويجا والأنثروبولوجيا)، سيكتشف من خلالها أن "قراءاته الأدبية استمرت لثلاثة عقود"، على اعتبار أن "الأدب ركن أساسي ومحوري في تخصص الأنثروبولوجي، وحقل من حقول الأنتروبولوجيا"، لذلك فولوج ضيف مدارات للأدب كان من منظور أنثروبولوجي لأنه يمنحه مفاتيح الدراسة لكل الرموز والدلالات ( التقاليد والعادات واللباس والمعمار...). من هنا يؤكد على أنه "وجد نفسه أقرب للحديث عن الظواهر الاجتماعية، والانشغال بالهموم الاجتماعية"، على اعتبار أنه "من أسرة عادية ونشأ في حي شعبي".

 

الشعر بين الحلمية والواقعية

اقتصار الباحث عياد أبلال على إصدار ديوانين شعريين فقط، يعود حسب قوله إلى "أن المرحلة الشعرية ارتبطت بمرحلة الشباب، وارتبطت بموجة الرومانسية كمرحلة حالمة". ويستطرد قائلا: "بعد ذلك، تطغى على الإنسان في مرحلة أخرى الجدة والصرامة المنهجية، وبالتالي يفقد البعد الحالم، ويصبح أكثر واقعية والتزام بالمناهج" وأضاف موضحا "تصبح لغتنا أكثر انضباطا للمنهج، وأقل ثراء، وتنهج اللغة العليمة... وهذا ما يشرح ابتعادي عن القصيدة"، علما أن ضيف مدارات" يؤكد على "أحببت الشعر والشعراء والأدباء وكنت مغرما بإنتاجات أبناء بلدي"، لأن العديد من الكتاب "يوفرون انطلاقا من إصداراتهم مادة غنية عن الهوية المغربية".

 

سلم المعرفة والدراسات الجامعية العليا

وأكد ضيف الزميل عبد الإله التهاني على أنه صمم على السير قدما نحو إعداد أطروحتين جامعيتين لإضاءة عدة جوانب معرفية، ونيل الإجازة في علم الاجتماع، مع الالتزام بالجانب الوظيفي، حيث قام بمتابعة دراسته الجامعية في وحدة المرأة والتنمية بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس وأصبح أكثر اتجاها نحو الدراسات الميدانية (الحركة الاجتماعية) كمدخل أساسي للتعمق في الجانب السوسيولوجي ومقاربة قضايا اجتماعية من زاوية سوسيولوجية وأنثروبولوجية.

هذا التوجه الميداني المرتبط بالاشتغال على محاور أنتروبولوجيا الثقافة يعتبره أبلال قد "أضاء الغنى والتنوع الذي يزخر به الخطاب السردي المغربي.. ويمنح العالمية للأدب المغربي"؛ لأن الأدب "لا نقرأه من أجل لذة النص، وليس ترفا، بل هو مكون أساسي لثقافة الشعوب"، والنتيجة أن "هناك علاقة وطيدة بين الأدب والأنتروبولوجيا.. ولا يمكن أن تكون أنثروبولجيا وأنت لا تجيد الوصف وغير قادر على التخييل، لأنه يلتقط تفاصيل الحياة اليومية...وكيف يشتغل ويتحرك هذا الشعب".

وعن سؤال اشتغاله على الدكتوراه الثانية (الدين والتدين) أفاد عياد أبلال بأنه" كان يتلقى أسئلة من الطلبة وهو يدرس فلسفة الأدب والفن، من قبيل أسئلة الإلحاد والوجود وما جدوى الدين.. الشيء الذي دفعني أن أدرس هذه الظاهرة المتعلقة بتغيير المعتقد الديني"، حيث قام بدراسات ميدانية بالمغرب وتونس والجزائر ومصر وفرسنا وبلجيكا.. رغبة منه في البحث عن إجابات في إطار البحث "لمعرفة خريطة تغيير خارطة المعتقد الديني" (دكتوراه سنة 2016 حازت على جائزة الكتاب بالمغرب).

 

سؤال المسألة التعليمة بالمغرب

كون ضيف "حوار في الثقافة والمجتمع" مر من مختلف أسلاك التعليم، وخبر معنى تدريس الأقسام المشتركة والمدمجة (بالعالم القروي)، وانتقاله إلى التعليم الجامعي و التعليم العالي تبين له أنه "لا بمكن أن نصنع بلدا متقدما وقويا، إلا إذا كان تعليمه قوي وجيد، وقادر أن يغني بلده بالأطر الكفؤة والإمكانيات"، وبالنسبة له فإن "إصلاح المنظمة التربوية وربطها بالمعرفة، وربط التعليم بالبحث العلمي يعد شرطا أساسيا للتقدم"؛ وأكد على ضرورة "أن نمتلك مؤهلات تجعلنا نموذجا يحتدى به، وجعل التعليم مدخلا أساسيا للتنمية الشاملة"، وقال في هذا الصدد "إصراري على إصلاح منظومة التعليم يلتقي مع الرغبة الملكية، و الكثير من الباحثين والسياسيين..."

وشدد عياد أبلال على أن "إنتاج مجتمع المعرفة لا يستقيم وارتفاع نسبة الأمية والجهل والهذر المدرسي وغياب البحث العلمي"؛ حيث أشار إلى أن المغرب لا تعوزه الكفاءات والأطر "أكثر من 250 ألف كفاءة في مختلف التخصصات، تنتظر خلق شروط وظروف البحث العلمي للحد من هجرة الأدمغة".

 

الترجمة واستحضار الراحل إدريس محمدي

"هي مناسبة لكي نترحم على الكاتب المترجم إدريس محمدي"، يقول عياد أبلال، ليعود في سياق حديثه عن الترجمة إلى ذكريات مشوار جميل مع الرجل "كون الترجمة أحد أبواب الأساسية لمعرفة الآخر وثقافته وكيف يفكر في مختلف الحقول المعرفية".

إن ترجمة مؤلفات أكبر علماء الأنتروبولوجيا رفقة المرحوم إدريس محمدي بالنسبة لعياد أبلال تعد "مدخلا أساسيا للتسلح بكل مكونات التقدم والتطور، وإطلاع القارئ على ما تجود به الحقول المعرفية" (أنتروبولوجيا الجسد، وأنتروبولوجيا الألم...)، فضلا عن ترجمة "رعاة الأطلس" الذي كان يشكل أطروحة دكتوراه محمد المهدي الذي يعتبر من الأسماء الكبيرة في حقل علم الاجتماع القروي.

ويعتبر ضيف "مدارات" بأن الترجمة قد مكنته من "إضاءة عدد من المجالات، وقدم من خلالها زبدة الكتب التي تنتصر لمختلف أبعاد الوجود الإنساني"، على اعتبار أنها "أحد الآليات الأساسية للتربية على القيم والمبادئ وحوار الثقافات والمجتمعات"، بل أن أبلال يعتبر أن "الحوار مع باقي الثقافات لا يستقيم إلا بترجمات قوية"، وفي هذا السياق نوه الدكتور عياد أبلال بـ "بيت الحكمة على ما قدمه من أدوار في مجال الترجمة".

 

حديث في إشكالية الحداثة

بالنسبة لعياد أبلال فإن الحداثة ببساطة هي كل "تفكير وممارسة إنسانية تعتمد العقل والعقلانية والتنوير وتتأسس على البعد العقلاني"، وأوضح بأن "الإسلام حين جاء، كانت تمثل الشريعة أوج الحداثة في عصرها"، وأضاف بأنه "فترة العباسيين قد شكلت حداثة سابقة لأوانها من خلال النظم القانونية والتشريع والمعمار والموسيقى"، وأكد على أن "الثقافة العربية والإسلامية استطاعت أن تكون نظريات في علم الجمال". فضلا عن ما قدمه "ابن رشد الذي نقل التراث اليوناني"، واعتبر عصر النهضة والأنوار "كان مؤسسا لمرحلة التنوير، وهنا نشأت الحداثة باعتبارها تجاوزا للتقليد والقديم".

وسجل على أن "جل دول العالم العربي وقعت تحت نير الاستعمار وعمل المستعمر على أن يفقدها إمكانياتها الحضارية والاقتصادية والإنسانية"، وأوضح ضيف مدرات بأن الحداثة في الغرب "تروج فقط واجهة ثقافة استعمال السيارة والطائرة والعمارة.."، بحيث أن الغرب في ترويجه لمفهوم الحداثة لا يهمه سوى "استيراد ما يسميه مفكرو التنمية بمشاريع المفتاح في اليد (الحداثة الزجاجية)، لذلك فسق الحداثة هو "السقف الذي يجب أن تحدده الثقافة من خلال قدرة الشعوب على تحديد مسارها الخاص من داخل الحداثة...نبني حداثة من داخل نسقنا الحضاري والإنساني لبناء مجتمع المعرفة".

"على الحداثة أن تكون بنت عصرها، ومكوناتها هي العقل والعقلانية والعلم دون أن نسقط في التبعية على مستوى التقنية والتكنولوجيا"، يوضح أبلال الذي وقف على عدة روافد وغنى "يجعلنا نمتلك خصوصية وهوية حضارية قادرة على صناعة حداثة ثقافية وفكرية".

 

المجلة الفصلية "باحثون" في العلوم الإنسانية

جاءت فكرة مجلة باحثون "لتلبي طلبا متزايدا على مستوى البحث العلمي والتعليم العالي، فلا يمكن أن نؤمن بمجتمع المعرفة دون توفير منبر لهذا الغرض، خصوصا وأن عدد المجلات المهتمة والمتخصصة في مجال البحث العلي قليل جدا" يوضح ضيف "مدارات".. وأفاد في هذا السياق بأن المغرب يزخر بالأسماء و الكفاءات والطاقات العلمية في مختلف تخصصات العلوم الإنسانية والترجمة، وتحضا أقلامنا بتقدير واحترام كبيرين في العالم العربي، والتجربة المغربية أصبحت قبلة".

لذلك فمجلة باحثون هي "نافذة ومجال لعدد من الباحثين لنشر أعمالهم، وهي تعمل بجد على صناعة الخلف، و واجبنا يحتم علينا أن نحقق إضافات نوعية في مجال البحث العلمي ترعى البحث والدراسات".