الخميس 4 مارس 2021
كتاب الرأي

جمال الدين ريان: أي ترافع حول الصحراء نريد؟

جمال الدين ريان: أي ترافع حول الصحراء نريد؟ جمال الدين ريان

كثر اللغط مؤخرا حول الترافع عن القضية الوطنية، حيث انتهى الأمر إلى التوقيع على اتفاقية شراكة بين مجلس الجالية وكلية الحقوق أكدال الرباط.

 

ولرب سائل يسأل ما المقصود بالترافع.. وللجواب عن هذا التساؤل يتحتم علينا تعريف معنى الترافع أو المرافعة وما هي الشروط والتحصيل العلمي التي يجب على المترافع أن تتوفر فيه وكذا الإطار المنظم لها.

 

من بين الاخطاء التي يتم ارتكابها أثناء الترافع عن أي قضية بما في ذلك القضية الوطنية، ولن أركز على مسألة النضال لأن هذا الموضوع يحتم علينا وقفة حقيقية وشاملة لأجل مناقشة أدق تفاصيله وكل  أحداثه: التمثيلية الحقة وجاهزية الحضور، التركيز على هدف المرافعة بعيدا عن المصلحة الشخصية، تحليل الشفرات، فن الرد والخطابة، تشخيص مسبق وفوري للأحداث قبل الوقوع في زلة أو ارتكاب أخطاء قد ما لا تحمد عقباها.

 

مما يعني أنه لابد أن نفكر في استراتيجية هادفة حقيقة ذات أبعاد متفاوتة ومتكاملة، كي نضع حدا لهذا الوهم الذي أصبح أمرا حتميا. ولتعزيز موقفنا من هذه المسألة فقد عبرت من خلال تدويناتي وأشرت إلى هذه الثغرة، خصوصا أمام هذا الكم الهائل من المنشورات والفيديوهات التي يعبر من خلالها كل من مركزه وحسب موقفه، بحيث فرخت الساحة الإعلامية مجموعة من الخلايا المتطفلة، والتي اتضح أنها تريد استغلال الوضعية الراهنة "أصحاب الهمزة" التي شاهدت ركودا كبيرا بسبب الجائحة، لأجل توقيع اتفاقية وشراكات، كما سبق وذكرت في البداية، والتي تهدف -حسب بلاغ المجلس- إلى الرفع وتعزيز القدرات الترافعية لمغاربة العالم في الدفاع عن مغربية الصحراء، لكن من خلال اختيار بعض الأسماء المعروفة داخل منظومة مغاربة العالم، حيث لا تتوفر فيها شروط المترافع الذي نريد.

 

الترافع هو الاحتكام إلى الشيء وتقديم الحجج والتبريرات اللازمة للتراث الحقائق. والترافع في الأصل هو اللجوء إلى ممثلين لأجل عرض القضية التي يكون فيها الطرفين متنازعين، ويتم من خلالها سرد الأحداث من أجل توضيحها وإيجاد حل أنسب للخلاف القائم بين الطرفين. والمرافعة هي إعادة تمثيل الأحداث ونقاشها أو تقديم حجج في قضية معينة لأجل الدفاع أو تفسير أو إيضاح نقاط الاختلاف بين الطرفين..

 

فيما يخص قضية المغرب في صحرائه، فالترافع هنا أولا وقبل كل شيء، التزام بالفهم التام بالقضية الوطنية ومحتواها من موضوعات موازية قد تمكننا من إيجاد حلول أفضل... فالترافع هنا سيكون لأجل الرد المطلق وتقديم الحجج المقنعة للخصم وإقناع المعادين للوحدة الترابية. كل هذا لن يكون إن لم يكن هناك إلمام بالتاريخ وقواعد القانون الدولي وإقناع الآخر بمراجعة ما تم شحنه له خلال الأربعين سنة وأكثر بمعلومات وحقائق مزورة وستكون المهمة صعبة.

 

الترافع هنا ليست الحماسة والغناء والكلام الرنان وتكرار أسطوانة الصحراء مغربية والمغرب في صحرائه، لأن هذه الأسطوانة تظهر أن الذي يرددها ما زال يشك في عدالة قضيته ومغربية الصحراء.

 

ربما حان الوقت لمراجعة الاستراتيجية المتبعة التي أظهرت فشلها وإعادة النظر فيها وتصحيح بعض المصطلحات التي مما لا شك فيه أصبحت تضعنا في مواقف حرجة وتجعلنا دائما نتحرك كرد فعل دفاعي، وليس هجومي، وخلق شبكات دعم ولوبيات في الجامعات والأحزاب السياسية والمجتمع المدني خارج المغرب.

 

الشراكات كان يجب أن تكون مع الجامعات والتوأمات مع المدن ونخلق كراسي جامعية متخصصة في تاريخ المغرب وتشجيع الطلبة للقيام بالأبحاث الجامعية في مواضيع مرتبطة بالصحراء المغربية.

 

إن دور الجامعات حاسم ومؤثر وهناك بعض المعارك لا يمكن ربحها إلا بفعالية الإطار الكفؤ الذي سيترافع ضد تزوير وتزييف واقع الصحراء ويترافع من أجل النهوض بأوضاع حقوق الإنسان ومناهضة كل أشكال التعذيب والترهيب.

 

مهارات المترافع هو الإعداد الجيد والتحضير المكثف للمرافعة وقد يستغرق إعداد مرافعة مدتها 15 دقيقة من التجهيز وإعداد وجمع الأدلة وتفنيد أقوال الطرف الآخر ورد حججهم، فهي من أشق المهن وأكثر إرهاقا للعقل والجسم والمرافعة القوية يسبقها عمل مضني شاق.. فالمرافعة ليست كلاما رنانا يقال في ساحات الاحتجاج، وإنما حجج وبراهين وأدلة ونصوص والفرق بين المرافعة الجيدة والمرافعة السيئة قدر الإعداد والإلمام بالموضوع والجاهزية النفسية للمترافع.

 

الثقافة الواسعة هي بمثابة مدخل كبير لغرس الثقة والاحترام في نفوس الذين ينصتون، ويكون الارتجال في بعض الأحيان الذي يتطلب موهبة عظيمة مع الإلمام بالموضوع وواسع ثقافته العامة وعميق إلمامه بدقائق القضية.

 

مقولة للأستاذ بيير كالاماندري: "المرافعة تشبه أصول فن البناء كلاهما ينبغي أن يقوم على أسس عقلية، خطوط مستقيمة، اتصالات مباشرة، أسس صلبة بغير تضييع الجهود للتجميل والتزويق، فالخطيب والمعماري خليقان بأن يركزا مجهوداتهما على أسس ما يريدان بناؤه، فإذا حققا هدفهما الأسمى من تقوية البناء والتدعيم استطاعا مع ذلك أن يضيفا صبغة جمالية على البناء الذي يشيدانه".