الخميس 21 يناير 2021
سياسة

حرب أمغالا بالصحراء.. "خلخال" العار الذي يطوق نعال جنيرالات الجزائر

حرب أمغالا بالصحراء.. "خلخال" العار الذي يطوق نعال جنيرالات الجزائر كما حافظ الحسن الثاني على "أمانة" والده السلطان محمد الخامس، ها هو الملك محمد السادس يتقلد "الأمانة" في عنقه

تبقى معركة أمغالا بالصحراء المغربية عام 1976، شاهدة على بسالة الجيش المغربي الذي دحر العدو الجزائري، وهي المعركة التي تأتي لتراكم خيبات الجيش الجزائري بعد هزيمته في حرب الرمال عام 1963. اليوم تعيش قضية الوحدة الترابية منعطفا جديدا لم تشهده منذ عقود، بعد طرد عصابة البوليساريو من معبر الكَركَرات وتضييق الخناق على الجزائر التي وجدت نفسها في عزلة دولية بعد تسونامي افتتاح قنصليات بالعيون والداخلة.

فما أشبه الأمس باليوم.. النصر العسكري والدبلوماسي الذي تحقق بمعبر الكركرات في زمن الملك محمد السادس هو حلقة ضمن حلقات الوفاء بقسم المسيرة الخضراء، وميثاق مقدس يتوارثه الملوك العلويون، مبني على الدفاع على الوحدة الترابية. فكما حافظ الحسن الثاني على "أمانة" والده السلطان محمد الخامس، ها هو الملك محمد السادس يتقلد "الأمانة" في عنقه، بعدم تفريط في أي حبة رمل واحدة.

"أنفاس بريس"، نبشت في الأرشيف العسكري وأعدت الورقة التالية عن معركة أمغالا والدروس التي استفاد منها المغرب بسبب غدر الحكام الجزائريين:

 

إذا كانت الحرب تقود ميكانيكيا إلى الدمار والقتل، فإن من مميزات حرب الرمال التي خاضتها القوات المسلحة الملكية ضد الجيش الوطني الجزائري عام 1963، وحرب أمغالا التي وقعت عام 1976، أنهما سمحتا للمغرب بصورة خاصة بتقويم أداء مؤسسته العسكرية بما يتلاءم ودورها في أن يبقى المغرب متربعا على عرش القوى الإقليمية بالمنطقة، خاصة وأن هاتين المعركتين (حرب الرمال وحرب أمغالا) هما المناسبتان اللتان تواجها فيهما الجيش المغربي مع خصمه الجزائري مباشرة، وتعرضت فيها الجزائر إلى نكسة، صعب على الجيش الجزائري نسيانها -حسب المراقبين- بسبب خسارته الميدانية في الحرب الأولى وفي الحرب الثانية. هذه الخسارة التي لم يشفع فيها لا الدعم القوي الممنوح للجزائر من طرف الحلف الاشتراكي ومصر الناصرية عام 1963، ولا الأموال المتدفقة من تسويق الغاز والنفط عام 1976.

 

ففي حرب الرمال، ورغم أن المغرب كان حديث العهد بالاستقلال شأنه شأن الجزائر، فإن تلك الحرب جعلت المغرب يستفيد من الدروس بتركيزه على تقوية خمسة مرتكزات عسكرية.

 

المرتكز الأول، يرتبط بوجوب تأمين سرعة التدخل لكل وحدة عسكرية مغربية، بالنظر إلى قوة هذا العامل في إنقاذ الوحدات التي تتعرض لهجوم.

 

المرتكز الثاني، انصب على تعزيز قدرات الجيش في ميدان الاتصالات، علما بأن المغرب آنذاك لم تكن فيه شبكة الاتصال قوية لإبراق كل معلومة وفي الحال لمختلف الوحدات.

 

المرتكز الثالث، تمحور حول تكوين فريق المظليين، لأن إمكانات المغرب الفتي آنذاك لم تسمح له بتكوين جيش محترف مائة في المائة (لا ننسى أن المغرب لم ينشئ البحرية الملكية إلا عام 1960). وبالتالي كانت الضرورة تدعو إلى وجوب خلق فرقة المظليين لما لهذه الفرق من دور عسكري حاسم في المعارك.

 

إلا أن هذا الأمر يتطلب استحضار مرتكز رابع، ألا وهو إنشاء تشكيلات مصفحة تتميز -حسب قول المرحوم الحسن الثاني- بشخصية خاصة في المناورة والعراك معا.

 

المرتكز الخامس، استلهمه المغرب من حرب الرمال، هو إحداث مجموعات من القوة المختلطة مزودة بالوسائل القوية السريعة قادرة وحدها على العمل منفردة عن المجموعات الأخرى.

 

إلا أن هذه المرتكزات تبقى بدون روح ما لم تكن هي الأخرى مسنودة بسقف اجتماعي، حيث أفرزت حرب الرمال معطوبين وجرحى وأرامل، مما قاد الملك الحسن الثاني آنذاك إلى إنشاء النواة الأولى للمصلحة الاجتماعية التي كلفها بمساعدة أسر العسكريين المصابين وتصفية المشكلات الاجتماعية للأرامل واليتامى.

 

وإذا كانت حرب الرمال قد أظهرت الدروس الواجب استخلاصها من عثرات النشأة، فإن حرب أمغالا قادت المغرب إلى استخلاص الدروس من عثرات الثقة المبالغ فيها نحو الجزائر، خاصة وأن أمغالا تبعد عن الحدود الجزائرية بحوالي 380 كيلومترا (A vol d'oiseau). فمعظم الضباط الكبار بالقوات المسلحة الملكية حاربوا في الفيتنام والهند الصينية وحاربوا في أوروبا وفي الأراضي الغابوية وفي السهول، ولم يتصارعوا في الصحراء الشاسعة المنبسطة، مما جعل الجيش المغربي أمام تكتيك جديد لم يسبق أن تمرن عليه من قبل، فضلا عن سياسة الألغام التي باشرتها الجزائر والبوليساريو المدعومتين آنذاك من طرف ليبيا، الأمر الذي أيقظ الشرارة الأولى لإيجاد تكتيك مضاد لتأمين الحدود المغربية من جهة الجزائر، ومن جهة موريتانيا في ما بعد، فكان أن أثمر هذا المخاض عن التفكير الجنيني لبناء الجدار الأمني لتأمين التجمعات الحضرية والمنشآت الاقتصادية. هذا المخاض قاد المرحوم الحسن الثاني في إحدى المناسبات عام 1980 إلى القول إن المغرب أصبح سيد الميدان عسكريا بالصحراء، وهي السنة التي كانت المنطلق الرئيسي لتعزيز المكاسب التي أدت إلى تحكم عسكري مغربي بالمطلق في الصحراء، توج بأن أعلنت ليبيا عام 1984 عن تخليها عن دعم البوليساريو والجزائر في حرب الصحراء بعدما بدأ يتبين لها أن كل الأموال التي كانت تغدقها لإنهاك المغرب عسكريا لم تؤت بأي نتيجة، وقاد الجزائر في ما بعد إلى المطالبة بوقف إطلاق النار عام 1991 بعدما أغلقت القوات المسلحة الملكية بإحكام كل المنافذ التي يمكن أن تتسرب منها الوحدات المعادية للمغرب، أكانت جزائرية أو تابعة للبوليساريو. كما كان من حسنات حرب أمغالا تفطّن المغرب لوجوب تحسين أدائه الجوي لمراقبة شساعة الصحراء عبر اقتناء طائرات عسكرية جديدة، ليس لسحق الجزائر في حالة ما إذا هجمت مرة ثانية على المغرب، بل لاقتناء طائرات الاستطلاع والنقل لتأمين تنقل الجنود بسرعة والقيام بالمسح الجوي لتأمين مرور القوات البرية أو مطاردة جنود الجزائر والبوليساريو.

 

موازاة مع ذلك، تم إحداث مطارات عسكرية في العيون وإنزكان (ثم بالداخلة بعد استرجاعها عام 1979)، إذ كان لهذه المطارات أدوار هامة على المستوى اللوجستيكي والحربي، خاصة بعدما اتخذ قرار بجعل أكادير مقرا للقيادة الجنوبية لإدارة العمليات العسكرية بالصحراء، علما بأن الطيران العسكري هو الذي ساعد الكولونيل بنعثمان قائد وحدة السمارة على سحق الجزائريين في أمغالا.

 

ومن حسنات هذه الحرب أيضا أن فرق الهندسة العسكرية المغربية اكتسبت خبرة عالية في الأحزمة، وما يتطلبه الأمر من رادارات وأجهزة إلكترونية وأجهزة خاصة بالدفاع والقدرة على إدارة عشرات الآلاف من الجنود في تنسيق متناغم.

 

اليوم كلما هبت عاصفة في الصحراء من الجهة الشرقية للجزائر.. كلما تحرك دبيب نملة من ناحية تندوف، يستحضر المغاربة ملحمتي حرب الرمال وحرب أمغالا، فهما "خلخال" العار الذي يطوق أقدام جنيرالات الجزائر كلما غاصت في كثبان الصحراء المغربية.