الجمعة 23 إبريل 2021
اقتصاد

حميد النهري: قانون مالية 2021 فرصة مناسبة لتطبيق الضريبة على الثروة

حميد النهري: قانون مالية 2021 فرصة مناسبة لتطبيق الضريبة على الثروة حميد النهري

عرفت مناقشة مشروع قانون المالية 2021 في مرحلته التشريعية الثانية المتمثلة في مجلس المستشارين نوعا من الحدة بين أعضاء مجلس المستشارين ووزير المالية. حول أهم المقتضيات الجبائية التي جاء بها هذا المشروع، وهي المساهمة التضامنية والمقتضيات الجديدة المتعلقة بتفعيل محاربة الغش الضريبي. حول  هذه الإجراءات أجرت "أنفاس بريس" حوارا مع حميد النهري، أستاذ المالية العامة ورئيس شعبة القانون العام بكلية الحقوق بطنجة.

 

+ صرح وزير المالية خلال المناقشة امام لجنة المالية لمجلس المستشارين أن المساهمة التضامنية التي جاء بها مشروع قانون المالية 2021 حسب الصيغة الجديدة المقدمة أمام الغرفة الثانية لن تهم سوى 24 _1% من الأجراء؛ ما هو تعليقك؟

- بداية من الطبيعي أن يعود النقاش بحدة في مجلس المستشارين حول المساهمة التضامنية؛ فتركيبة هذا المجلس تضم تمثيلية نقابات الأجراء وتمثيلية أرباب العمل والتعديل الذي عرفته المساهمة التضامنية خلال مرحلة مجلس النواب جاء ضمن تعديلات فرق الأغلبية، وتم تبنيه في النص المصادق عليه، وهو الأمر الذي كرره الوزير من جديد في تصريحاته أمام لجنة المالية بمجلس المستشارين.. ومرة أخرى كما هي العادة أبدع في الدفاع عن الإجراء على أساس أنه مكتسب حقيقي بإمكانه طمأنة الطبقات الاجتماعية المتوسطة؛ وتجاوز الانتقادات التي وجهت لهذه الضريبة الجديدة عند الإعلان عن مشروع قانون المالية 2021.

وهنا في الحقيقة لا بد من التوقف أولا عند نقطة مهمة أصبحت تفرض نفسها على كل مناقشة للسياسة الضريبية ببلادنا.

في اعتقادي آن الأوان أن نتعامل مع التصريحات الصادرة عن وزير المالية عند دفاعه عن إجراء ما باعتبارها ظاهرة يجب تحليلها من جميع الجوانب. فالسيد الوزير يعتمد في تصريحاته على مرجعية اقتصادية أرثودوكسية بينت التجارب أنها أصبحت متجاوزة؛ بل إن هذه المرجعية تجعل تصريحاته تتضمن نفس الأفكار وتُغَيِبُ منطق الجرأة والإبداع الذي نحتاجه خصوصا في هذه الظرفية الصعبة؛ كما أنه من خلال هذه المرجعية أصبح يعطي تفسيرات لمفاهيم بطريقة مجانبة للصواب (العدالة الضريبية مبدأ التضامن التوازن الاقتصادي...). ويقرأ الأرقام والمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بطريقة غير منطقية.

كل هذا يتم تمريره بالاستفادة من وضعيته الاستثنائية كوزير super star داخل الحكومة الحالية.

وبالعودة إلى موضوع العتبة بالنسبة للأشخاص الذاتيين أي 2 مليون سنتيم شهريا، والتي تحدث عنها وزير المالية على أنها لن تهم سوى جزءا قليلا من الاجراء على اساس التضامن. فلا أظن أن أصحاب هذه الدخول يُعتبرون من الأغنياء أو مكتَفِين من جميع النواحي حتى يُطْلَبُ منهم التضامن لأن مبدأ التضامن الحقيقي كما تنص عليه جميع المرجعيات الدستورية يقتضي اليوم ضرورة مساهمة أصحاب الثروات الكبرى. كما أن مسألة هذه الضريبة الجديدة يجب أن نناقشها كإجراء تكرس به الدولة سياستها غير العادلة على صعيد النظام الضريبي.

دعني أشرح العملية بوضوح أكثر، فصاحب دخل  شهري صافي يصل إلى 2 مليون سنتيم يعني أنه أدى ضريبة على الدخل بنسبة 38 في المائة بالإضافة إلى العديد من الاقتطاعات الأخرى. زد عل ذلك حجم النفقات الإضافية التي أصبحت ضرورية، خصوصا بموجب الوضع الصحي الاستثنائي الحالي.

كل ذلك يجعله منطقيا غير مؤهل للمساهمة التضامنية، وغير قادر على تحمل عبء ضريبي إضافي. ولكي  نبسط أكثر نعطي بعض التوضيحات :

- إذا توجه صاحب الدخل المحدود مثلا إلى مصحة خاصة للتداوي سيؤدي بطريقة (النوار) أي بدون إثبات بدون فاتورة وجميعنا نعرف تفشي هذه الظاهرة في مجتمعنا، وبذلك سيحرم من الاستفادة من إرجاع مصاريف العلاجات التي أداها؛ خصوصا في المجال الصحي.

 -نقطة أخرى أيضا لا بد من توضيحها تخيل معي أن صاحب هذا الدخل يشتغل في القطاع الخاص، مثلا مهندس فلاحي نجده يتحمل العبء الضريبي إلى جانب باقي الاجراء في الضيعة الفلاحية في حين نجد صاحب الضيعة لا يؤدي الضريبة.

إذن يتبين من هذه الأمثلة أنه عوض تبني عدالة وضريبة منصفة في شموليتها يجد أصحاب الدخل المحدود أنفسهم مرة أخرى أمام عبء ضريبي جديد من خلال هذه المساهمة التضامنية، وفي ذلك تكريس للاعدالة، ليبقى نظاما يعاقب أكثر الأجور والمرتبات، ولتصدق المقولة الشهيرة أن تقنية الحجز من المنبع هي التقنية الضريبية التي تشتغل بشكل أفضل في نظامنا الضريبي.

 

+ فيما يخص مسألة التلاعب بالحسابات وآثار فاتورات صورية تضمن مشروع قانون المالية الحالي إجراء جديدا، ترى الحكومة أنه يدخل ضمن استراتيجية محاربة الغش الضريبي والممارسات الهادفة إلى التملص من الضريبة، حتى أن هذا الإجراء الجديد عرف نقاشا حادا بين وزير المالية والفاعلين الاقتصاديين؛ ما هو رأيك في هذا الإجراء؟؟

- نعم هذا الإجراء يهم موضوعا يؤرق سياستنا الضريبية ودائما يتم الحديث عنه في جميع المناسبات دون تبني سياسة حقيقية وصارمة قادرة على إيجاد حل للمشكل. بل أكثر من ذلك نتردد في معالجة ذلك ويتم إقبار أي مبادرة تسعى إلى محاربة هذه الظاهرة حتى أن بعض الفاعلين أصبحوا يعتبرون ذلك يدخل ضمن المكتسبات.

فالحقيقة التي أمامنا هي أنه لم يعد يخفى على أحد انتشار وتفشي ظاهرة مخالفة الواجب الضريبي بمختلف صوره، سواء من خلال الغش أو التهرب أو التملص... فعندما نجد أكثر من 65 في المائة من الشركات تصرح بالعجز وعندما نجد أن 80 في المائة من عائدات الضريبة على الشركات في نظامنا الضريبي تأتي من أقل من 2 في المائة من المقاولات.

فهنا المشكل، وعوض إيجاد الحلول الحقيقية نلجأ لأسلوب تغطية الشمس بالغربال من خلال إلقاء المسؤولية على انتشار الاقتصاد غير المهيكل. مع أن الواقع يُظْهِر أننا أمام أرقام تعني مقاولات شركات تشتغل داخل الاقتصاد المهيكل وتستعمل عدة أساليب لمخالفة الواجب الضريبي: اعتماد فاتورات صورية أو تقييدات محاسبية أو صورية البيع بدون فاتورة...

وللأسف هناك بعض الممارسات أصبحت تنتشر بكثرة ويساهم فيها المحاسبون (لا أقول كلهم)، مثلا إصدار فواتير صورية اعتماد تحملات تدليسية في خصوم الشركات إلى غيرها من الممارسات التدليسية حتى وصل الأمر إلى انتشار مكاتب خاصة بإصدار الفاتورات الصورية.

وقد ساهم في انتشار كل هذه الممارسات تدني مستوى الوعي الجبائي لدى أغلبية الشركات واعتمادها مرجعية الليبرالية المغربية الفريدة من نوعها والقائمة على الريع الاعتماد على الدولة وعدم تأدية  الضريبة جعل الوضع يزداد سوءا. كما أن محدودية منظومة الرقابة الجبائية ببلادنا تزيد في انتشار ظاهرة الغش والتهرب الضريبيين حتى أن انعكاساتها السلبية المالية الاقتصادية الاجتماعية أصبحت تفرض نفسها كعامل معرقل لأي مبادرة للإصلاح.

وبالنسبة للمقتضيات الجديدة التي جاء بها مشروع قانون المالية 2021 والتي تنص على معاقبة كل شخص ثبت في حقه مخالفة الواجب الضريبي؛ فأعتقد أن هذا الاجراء يتطلب جرأة أكثر وإرادة سياسية حقيقية لضمان فعاليتها.

للأسف عودتنا التجارب السابقة في مثل هذه المواضيع أنه سرعان ما يتم التراجع عن مثل هذه الإجراءات أو ربطها بشروط تفرغها من محتواها.

فالواجب الضريبي ينص عليه دستور 2011 في فصله 39 لذلك يجب احترامه وتفعيله انطلاقا من شموليته الإرادة السياسية الوعي الجبائي تكريس العدالة الجبائية؛ لأن سياستنا الضريبية في حاجة إلى إصلاح شمولي نتجاوز من خلاله المنطق المعتاد وهو التردد في تبني اصلاحات حقيقية.

أعتقد أن الفرصة مناسبة لتطبيق ضريبة على الثروة وتفعيل مبدأ البحث عن الأموال حيث توجد. ونشر ثقافة الوعي الجبائي وتكريس المبدأ الدستوري المساهمة الضريبية للجميع كل حسب استطاعته.