الأحد 29 نوفمبر 2020
منبر أنفاس

حمزة يسين: المجتمع المدني ودوره في الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة

حمزة يسين: المجتمع المدني ودوره في الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة حمزة يسين

يعتبر المجتمع المدني الرأسمال الاجتماعي للمجتمع، كما يعد شريكا أساسيا في المساهمة في مجال السياسات التنموية، حيث لم يعد الدور يقتصر على الدولة والجماعات الترابية، بل ثم التركيز في السنوات الأخيرة وفي حالة دول العالم التي نجحت في قيادة التنمية بكل أبعادها على نقل العديد من الأدوار للقطاع التطوعي (المجتمع المدني)، والذي أصبح شريكا فعالا في تقديم العديد من الخدمات، من هنا ستصبح للمجتمع المدني أهمية في تدبير الشأن المحلي والمساهمة في التنمية .

 

قبل الخوض في هذه النقطة المتعلقة بمكانة وأهمية المجتمع المدني على المستوى المحلي، ارتأينا التطرق ولو بتركيز شديد لمفهوم المجتمع المدني، باعتباره من المفاهيم الصعبة التحديد لكونه مفهوم متحرك مستقل، وبالتالي فلا يتصور خضوعه لتعريف دقيق وثابت قابل للاستخدام في كل زمان ومكان بالإضافة إلى كونه غربي النشأة، الأمر الذي يطرح صعوبات في تنزيله على واقع المناطق الأخرى في العالم، حيث تطرح هنا إشكالية الخصوصية الكونية؛ ففي المنظومة الغربية كأرضية النشأة فقد أعطيت له من قبل الباحثين مجموعة من التعاريف بغية التمكن من استيفاء العناصر المطلوبة في تعريفه .

 

فحسب الفيلسوف الألماني "هيغل"، فإن المجتمع المدني في نظره يتموقع في الطرف الموجود بين الأسرة والدولة، وأن تكونه يأتي في مرحلة لاحقة عن الدولة التي تسبقه كواقع مستقل حتى يتمكن من البقاء. في حين يعرفه الآخرون بأنه واقع اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي تتضافر في تكوينه عدة عوامل أو بتعبير آخر المجتمع الحديث الذي يتخذ شكله من التحول الديمقراطي. كما نجد بعض المفكرين العرب كالدكتور "إبراهيم أبراش" يعرفه باعتباره كل المؤسسات والأنشطة المنظمة التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة دون تدخل مباشر من الحكومة. أما من الناحية الإجرائية فيعرف المجتمع المدني بأنه جملة من المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال رئيسي عن الدولة بهدف تحقيق أغراض سياسية كالمشاركة في صنع القرار على المستويين المحلي والوطني.

 

وعلى ذكر المشاركة، فإن هذه الأخيرة كمقاربة تعرض نفسها على العمل الجماعي بفعل التحولات الاقتصادية والتقنية وتكاثر الحاجيات المحلية وتعقيدها بالإضافة إلى تنامي مطلب المشاركة في تدبير الشأن العام.

 

فإذا كانت المشاركة تعني أن يكون المرء طرف في عمل ما فإنها تعتبر وسيلة للاشتراك الفعلي لجميع الفاعلين في تدبير الشأن العام المحلي، وخصوصا لما أصبحت التنمية المحلية في مفهومها الحديث تهدف إلى إحداث تحولات هيكلية واقتصادية، وهذا ما دفع بضرورة دعم آليات المشاركة وترسيخ ثقافتها في المجتمع، بحيث تكون الأولوية الكبرى لمدى فعالية مشاركة المواطن المحلي، عن طريق تمكينه من الفرص الكافية والعادية لإدراج قضاياه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإعراب عن خياراته التي يجب إدراجها في إطار السياسية العامة للدولة.

 

وعلى هذا الأساس يأتي الدور على وظيفة المجتمع المدني في لعب دور الوسيطة اغير الحكومية التي يمارس فيها المواطن نوعا من الإرادة الذاتية، والتي تسمح بالانتقال من الديمقراطية التمثيلية إلى درجة الديمقراطية الإسهامية.

 

وفي المغرب لم يتم الحديث عن المجتمع المدني إلا بداية عقد السبعينات، حيث تداخلت جملة من الأسباب والعوامل التي تؤثر على بداية إيمان الدولة في قدرة مؤسساته على المساهمة في تدبير الشأن المحلي، بالإضافة إلى دينامية قوى المجتمع المدني في المغرب وتغطيتها في وقت قصير لمجموع القطاعات السياسية والاجتماعية ما جعلها تعلب دورا فعالا في الدفع بمسلسل عصرنة الدولة من جهة، والمساهمة في بلورة السياسات العمومية وتنفيذها من جهة ثانية.

 

إن هذا التطور الحاصل في أدوار المجتمع المدني لم تأتي من فراغ أو كان وليد الصدفة، وإنما هو محطة تجارب عديدة تمت مراكمتها عبر عقود تدخلت وامتزجت فيها مظاهر التعاون والتنافر مع أجهزة الدولة.. منذ ذلك الحين إلى اليوم عرفت علاقة المجتمع المدني بالسلطات العمومية عملية المد والجزر في مواقفها وعدم ثباتها، ويعزو ذلك إلى أسباب تتمثل في ما يلي: أن السمات التي تطيع السلطات العمومية؛ أنها تضع نفسها فوق المجتمع المدني الذي هو منبعها؛ اعتماد منطق المواجهة: وقد امتدت هذه المرحلة من بداية السبعينات إلى أواسط الثمانيات من القرن العشرين، وتميزت بالاصطدام المباشر مع ما كان يشكل نواة مجتمع مدني فتي وناشئ، والذي كان غالبه على صلة مع الأحزاب السياسية المعارضة وخاصة اليسارية ولهذا وصلت حدة المواجهة في كثير من الأحيان إلى درجة الاعتقال والمنع والمصادرة وخاصة في حق العمل النقابي؛ نهج أسلوب المنافسة والانفتاح: وذلك بالاهتمام المتزايد لمؤسسات المجتمع المدني الشيء الذي نتج عنه خلق العديد من الجمعيات ترفع نفس أهداف وشعارات باقي مؤسسات المجتمع المدني الحرة وأمدتها بجميع الإمكانيات المادية وجعلت على رأسها أعيان السلطة والمال حتى تقوي نفوذها في المجتمع (مثل جمعية أبي رقراق، جمعية إيليغ)، هذه الجمعيات أصبحت أنشطتها تغطي الكثير من الأنشطة السياسية الرسمية .

 

من هنا يتضح أن الدولة في أمس الحاجة إلى المجتمع المدني، بحيث لم تعد السيد الوحيد المهيمن على تدبير الشأن العام وبالأخص التضييق الفجوة بين احتياجات الأفراد وتوقعاتهم من ناحية وقدرات الجماعات الترابية ورغبتها في الاستجابة من ناحية أخرى وما يؤكد صدقية هذا الطرح، تقدير الدولة لدور الجمعيات ورغبتها في تطويرها ودعمها من خلال إشراكها في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية التي تهم كل جماعة من الجماعات؛ وهذا ما يعبر عن التزايد الملحوظ في عدد الجمعيات التي تهتم بالتأثير والمشاركة في برامج التنمية المحلية.

 

- حمزة يسين، طالب باحث في القانون العام