الأربعاء 25 نوفمبر 2020
كتاب الرأي

الحسين بكار السباعي: لفهم أكثر لما يقع في الكركرات..آخر رقصات الديك المذبوح ونهاية الوهم

الحسين بكار السباعي: لفهم أكثر لما يقع في الكركرات..آخر رقصات الديك المذبوح ونهاية الوهم الحسين بكار السباعي
نرى أنه من الصعوبة بماكان الإنعراج على كل المحطات التي همت القضية الوطنية، لكن لابد من أن نورد ونتقاسم مع قرائنا الكرام بعض الأفكار وملامح الملاحم التي تعتبر مربط الفرس في موضوعنا.
ولابد من التذكير أن الاستشراف العلمي للمستقبل ، يقوم على فهم الماضي والحاضر أي فهم تأثير العوامل التي شكلت معالم ماضينا وحاضرنا معا، ومصداقية هذا الاستشراف هي راهنيته بحالة أدوات المعرفة العلمية الموظفة وبالتالي فإن تفاصيل وأبعاد المستقبل سوف تتأثر بتراكم معرفتنا للواقع .
هناك العديد من القيل والقال في قضية الصحراء المغربية ولكن نادرا ما يتم التطرق لحدثين تاريخيين عرفتهما المنطقة قبل فترة الحماية وحدث بعد الاستقلال .
ففي 13 مارس 1895ثم توقيع المعاهدة المغربية - البريطانية التي تنص على أنه لا يمكن لأية قوة أن تدعي حيازة الأقاليم الممتدة بين وادي درعة ورأس بوجدور، لأن هذه الأقاليم تنتمي إلى المغرب .
كما أنه في أكتوبر 1903 ثم التوقيع على اتفاقية مغربية - إسبانية تدرج إقليم الساقية الحمراء ضمن المنطقة الجنوبية للمغرب .
لنقف كذلك على حدث 10 يناير 1958 حيت أصدرت اسبانيا مرسوما ينص على أن إدارة الصحراء المغربية لم تعد كجزء من إفريقيا الغربية بل إقليم إسباني.
لعل ما يثير الانتباه هو اتفاقيات مع دول عظمى تعترف بمغربية الصحراء من جهة ومن جهة أخرى السلطات الإسبانية تدرك أن المغرب له امتداد تاريخي لا يمكن القفز عليه .
وهنا نتساءل ما محل المؤرخين والأنتربلوجيين والساسة والسياسيين من معالجة قضية عايشها آباؤنا ونعيشها الآن ونخشى توريثها لأبنائنا .
عموما إعراب قضيتنا الوطنية في الماضي يقوم على الأسس التالية:
المغرب كان الدولة الوحيدة التي تبسط سيادتها وسلطتها على الصحراء من خلال الوقوف على ظهائر تعيين وعزل الخلفاء والقواد في الأقاليم الصحراوية إضافة إلى مراسلات الملوك المغاربة مع شيوخ القبائل الصحراوية ورحلات سلاطين المغرب للقبائل الصحراوية وتلقي الملوك المغاربة للبيعات الشرعية من قبائل الصحراء ،(هذا ماتناولناه في مواضيعنا السابقة ومنها على الخصوص المكون القبلي والارتباط الوطني لقبائل الصحراء المغربية وموضوع بيعة قبائل الصحراء للملوك العلويين ).
لا يفوتنا كذل وفي مستهل تذكير الآخر باعتراف الدول الكبرى بمغربية الصحراء وبإبرامها على هذا الأساس اتفاقيات ومعاهدات دولية مع المغرب ومع غيره تقر فيها صراحة بمغربية الصحراء.
ولعل الحدث التارخي البارز إلى جانب احدات هامة ومحطات عرفها تاريخ الصحراء التحاق رئيس" الجامعة الصحراوية " (الهيئة الصحراوية الوحيدة المنتخبة إبان الاحتلال الإسباني ) خطري الجماني في نونبر1975 بالمغرب وتجديده للبيعة بين يدي المغفور له الملك الحسن الثاني رحمه الله ،وقد نظم حفل خاص بمدينة أكادير حينها.
وفي اليوم الموالي أعطى المغفور له الحسن الثاني يوم 5نونبر 1975 خطابا بإعطاء انطلاق المسيرة الخضراء ليسير المغاربة المتطوعين مرفوقين بمتطوعين من دول شقيقة وصديقة في صبيحة يومه 6نونبر 1975 لاسترجاع الصحراء المغربية حاملين كتاب الله وراية الوطن في مسيرة إنسانية سجلها التاريخ الحديث بمداد من دهب .
نحن هنا أمام تاريخ قضية عادلة ،وكما يقول كسينجر " أن التاريخ هو ذاكرة الأمم ،و معمل كبير لتجارب البشرية ،يحفل بمعادلات النجاح لمن يحسن صياغتها ".
وبالأخذ في الاعتبارات الحقائق التاريخية المذكورة ،وارتباطا بالقرارات الأممية فإن قرار هيئة الأمم المتحدة 1514 يحتاج منا قراءة دقيقة تمكننا من التواصل كون أي تعطيل للوحدة الوطنية أمر يتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة ،كما تشير إليه الفقرة 6 من القرار 1514 على أن: " أي محاولة تستهدف التقويض الجزئي أو الكلي للوحدة الوطنية والوحدة الترابية لبلد ما لا يتفق مع مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة " .
وهذا يسري بالتأكيد على حالة المغرب الذي كان مستعمرا من قبل قوتين استعماريتين رئيسيتين (فرنسا واسبانيا ) ، وكان عليه أن يكافح على مدى عقود لاسترجاع وحدته الوطنية والترابية ضد الغزاة الأوربيين.
الحاضر في قضية الصحراء المغربية يبتدئ في 6نونبر1991، حيث ثم تطبيق مقتضيات اتفاقية سنة 1990 والمتعلقة بوقف تبادل إطلاق النار مع نشر قوات" المينورسو" لحفظ السلام.
بعدها في ماي 1993تم إنشاء لجنة تحديد الهوية التابعة للبعثة ،وقد أنجزت هذه الأخيرة أعمالها التحضيرية في غشت 1994،وبدأت عملية تحديد هوية الناخبين وتسجيلهم فور حصول البعثة الأممية على ضمانات من بينها تعاون الطرفين.
وبعد انتهاء هذه العملية ،وفي غياب أي تقدم في المسار الأممي، أوصى الأمين العام في ماي 1996بتعليق عملية تحديد الهوية، مما أدى إلى انسحاب أفراد البعثة المدنيين ،بما فيهم عناصر شرطة الأمم المتحدة المسؤولة عن توفير الأمن ومساعدة لجنة تحديد الهوية.
في يوليوز 2003 وضعت خطة جديدة "خطة سلام " أو ما يعرف لدى المتخصصين في قضية الصحراء بمخطط "بيكر الثاني" بمقتضى قرار مجلس الأمن عدد 1459وهي خطة تنص على نظام حكم ذاتي لفترة خمس سنوات يليه استفتاء يتضمن الخيارات مابين الاستقلال أو الحكم الذاتي أو الاندماج الكامل داخل المغرب.
في الواقع جيمس بيكر حث مجلس الأمن من خلال خطته الثانية ،على وضع المغرب على وجه الخصوص أمام الأمر الواقع من خلال تطبيق أحكام الفصل السابع الذي ينص على تسوية النزاع في إطار سياسي توافقي ،لكن بالمقابل ولكي يتسنى لمجلس الأمن تطبيق الفصل السابع، يجب عليه أن يعين أولا وبوضوح الدولة المعتدية والدولة المعتدى عليها وأن يعترف بقيام حالة تشكل تهديدا حقيقيا للسلام أو عملا عدوانيا وهي أمور غير قائمة فيما يتعلق بالحالة في الصحراء المغربية .
إلى حدود سنة 2006 قضية الصحراء المغربية تتأرجح بين الأخذ والجذب إلى أن قدم المبعوث الأممي في الصحراء المغربية "بيتر فان والسون " إلى مجلس الأمن رؤيا لإنهاء النزاع مع دعوة جميع الأطراف الانخراط في المفاوضات وحتى المجتمع الدولي لإقناع الجزائر للانخراط الايجابي في وضح حل نهائي لصراع ضحيته الأولى الإنسان الصحراوي المحتجز في مخيمات تندوف فلا هم في وطنهم المغرب ينعمون فيه ولا هم لاجئون تعترف بهم الجزائر هذه الأخيرة التي أبانت عن نيتها المبيتة والمستمرة بوضع الحجر في حداء المغرب.
الأمر جعل المغرب يتقدم بمقترح مسؤول وبناء في 11ابريل 2007 إلى الأمم المتحدة وهو مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية وذلك من أجل الدفع بعملية حوار تفضي الى حل سياسي يقبله الطرفان، وقد حظي هذا الاقتراح بحماس من مجلس الأمن الذي نص صراحة على أنه جاد وموثوق به في قراره عدد 1754 بتاريخ 30 ابريل 2007 ودعا الإطراف المعنية إلى " الدخول في مفاوضات مباشرة وبحسن نية ودون شروط مسبقة ".
قوة الاقتراح المغربي تتجدد في 31 أكتور 2018 ،حيث اصدر مجلس الأمن قراره عدد 2440 بتجديد بعثة المينورسو، ويؤكد بترحيب الأمم المتحدة بالقرار الذي تقدم به المغرب كما يدعوا جبهة البوليساريو إلى التقيد التام بالالتزامات والوفاء بالعهود فيما يخص نقل الهياكل الإدارية للمنطقة المعزولة ، أكتر من ذلك فالقرار الأممي يثمن جهود المجلس الوطني لحقوق الإنسان ولجانه الجهوية بالعيون والداخلة .
كما لا ننسى خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 34 للمسيرة الخضراء في 6 نونبر 2018 الذي دعا فيه جلالته الجزائر إلى فتح حوار جاد وهادف وبناء من اجل حل المشكل وهو قرار جريئ ما فتئ المغرب يعبر عنه دوما في جميع المنظمات الدولية .
غير انه يتأكد دوما للمغرب وللمنتظم الدولي أن الجزائر لم تكن أبدا صادقة في نواياها وأنها هي أصل النزاع وراعيته أما البوليساريو وقاعدتهم في تندوف والتي ماهي إلا قاعدة خلفية للاستخبارات الجزائرية لعرقلة كل الجهود الرامية لحل النزاع والدفع بعملية التنمية بالمنطقة في أمل شعوب المغرب والاتحاد المغاربي وإفريقيا عموما في الرقي والتقدم، والكف عن تحريك دميتها البوليساريو التي لم تعد سوى ديك مذبوح يرقص آخر رقصاته بالكركرات، فبعد الانتصارات الدبلوماسية التي حققها المغرب بفتح مجموعة من الدول الإفريقية قنصليات بالعيون والداخلة والدفع بعملية التنمية بمختلف جهات الصحراء والعمل على جعلها قطبا اقتصادي هام من خلال مشروع ميناء الداخلة الأطلسي في منطقة مهيريز فضلا عل ظهور حركات داخل الجبهة نفسها مناهضة للقيادة الوهمية وتراجع المعونات الدولية بسبب جائحة كوفيد 19 بالإضافة إلى المشاكل التي أصبحت تعيشها الجزائر بسبب أزمة سوق النفط العالمي .
هذا كله جعل البوليساريو تبحث عن انتصار وهمي بالدفع إلى تكرار مسلسل الكركرات بل واستفزاز الجنود المغاربة المرابطين بالحزام الأمني وأمام قوات المينيرسو، لكن المغرب كان أكثر دكاء في تعامله بالاستمرار في عملية فتح التمثيليات الدبلوماسية للدول الإفريقية وكان اكتر حكمة من خلال الاستمرار في هذا الاستقطاب الذي يشكل انتصارا للدبلوماسية الرسمية بالموازاة مع ما تشهده جهات الصحراء المغربية من تنمية مستمرة.
وعمله الدؤوب على تقوية من عمل هيئاته المدنية والحقوقية فمؤخرا ثم ضخ دماء وكفاءات حقوقية صحراوية بالمجالس الجهوية لحقوق الإنسان بالعيون وواد الذهب ومن خلالها مباشرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان للوضع الحقوقي العام بالصحراء وهو الذي لا يمكن إنكاره من الآخر ولا حتى من قبل المنتظم الدولي الحقوقي .
نقطة أخرى من خلال التحرشات والاستفزازات التي دأبت عليها الجبهة المزعومة خاصة عند كل فترة اصدرا تقرير مجلس الأمن من إغلاق المعبر الحدودي الكركرات بل تخريب الطريق وإتلافها وحفرها وصولا على حجيج بعض عناصر المرتزقة بزي مدني ومدربة على وسائل التحريض والاستفزاز إلى بعض نقط مرابطة الجنوب المغاربة بالحزام الأمني والتي لم تقابل إلا بالحكمة و الشجاعة وضبط النفس.
هذه النقطة تجعلنا أمام طرح مبدأ الزعامة بالمنطقة والتي ازدادت حساسيتها لدى الجزائر بعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي ودوره المتميز والمستمر في تعامله الديبلوماسي والابتعاد عن سياسة الكرسي الفارغ ،فضلا على ما أبان عنه المغرب من تضامن أنساني قوي في ظل أزمة كوفيد 19 التي يعيشها العالم بأسره بإرسال أكثر من 24 طائرة محملة بمختلف المعدات الطبية لمواجهة الجائحة.
هنا نرى أن الاكثر تنظيما وتخطيطا هو من سيربح ويقود شمال افريقيا بل القارة بكاملها ،وبالتالي فإن الأستراتيجية المفترض نهجها هي إسترجاع ثقة الإنسان ففي مبادرة الوطن غفور رحيم التحق بالمغرب أزيد من 10 آلاف عائد يبحثون عن فرصة عمل بدل بطاقة الإنعاش الوطني .
المراهنة على خطابات ممثلي الأمين العام للأمم المتحدة لن تسرع بإيجاد حل للقضية ولا يجب على المغرب أن يراهن على الأمم المتحدة كطرف في الحل ،بل يجب أن يتعداه الى الإنسان على طول خارطة الوطن وفق نظرة دقيقة وتشخيص حقيقي للحاجيات الآنية والدوافع التي تدفع بالبعض لتبني الموقف الإنفصالي أو موقف الصراع مع مؤسسات الدولة .
التصالح الوطني قد يكون مشروعا كبيرا يجب العمل عليه وهذا يجعلنا أمام صحراوية المشكل والدفع بالوطنيين الصحراويين المغاربة، أطر وكفاءات ، على جبهات الصراع الأممية وعلى جميع الاصعدة ،وجعل الحكم الذاتي للصحراء في ظل السيادة المغربية ومن خلال ألجهوية المتقدمة ،الحل العقلاني الوحيد لأنهاء نزاع مفتعل تلوح نهايته في الافق بموت جمهورية الوهم التي ترقص أخر رقصات الديك المبوح بالمعبر الحدودي الكركرات .
وختاما واقولها للجزائر ماعادت الدجاجة تبيض دهبا، فازمة كورونا كشفت عوراتكم ،فما كان باطنه مخالف لظاهره فهو باطل .
ذ/الحسين بكار السباعي، ممثل المنظمة الدولية للفن الشعبي التابعة لليونسكو بالصحراء المغربية.
باحث في الإعلام والهجرة وحقوق الإنسان.