الأحد 29 نوفمبر 2020
منبر أنفاس

بوعزة كريم:معاشات البرلمانيين امتياز قديم أم ضرورة ديمقراطية

بوعزة كريم:معاشات البرلمانيين امتياز قديم أم ضرورة ديمقراطية بوعزة كريم

مما لا شك فيه، يرى العديد من المختصين والمتتبعين، أن النظام المالي للبرلمانيين بعد نهاية الانتداب Statut Matériel Post-Mandat du Parlementaire،هو امتياز سلطوي أو تجاوز للسلطة يتجاوز بشكل واضح الشروط المعاصرة للشفافية السياسية، فالجسم السياسي في نظرهم، لا يجب أن يكون أفضل حال ماديا من بقية المجتمع، لاسيما في فترات التقشف الميزانياتي وتراكم الديون العمومية (جائحة كورونا نموذجا)، كما أن القاضي الدستوري يجب أن يلمس أن المشرع لا يشرع قوانين فوق مصالح الصالح العام.

إلا أن غاية المشرع الدستوري من نظام التعويضات البرلمانية (الدستور الأمريكي يمنح البرلمان حق تحديد تعويضات البرلمانيين)، هو ضمان استقلالية البرلمانيين عبر تجنب التنازلات سواء قبل أو بعد أو أثناء الولاية، فالفوائد المالية بطبيعتها،ويمكن اعتبارها بمثابة مكتسب تأسس على تحقيق غاية معينة، فهو من جهة يسهل عملية عودة النائب البرلماني لعمله الذي تركه ليتفرغ للمهمة التشريعية، والإعداد للانتخابات التشريعية القادمة، وأحدث لهذا الغرض في فرنسا سنة 2012، صندوق الودائع والشحنة (AARE)، كإجراء وقائي بدل التدبير المالي الذي كان يعتمده البرلمان أو وزارة الاقتصاد، مكلف بمنح تعويضات لقدماء البرلمانيين غير الموظفين، لمساعدتهم على العودة إلى عملهم بعد نهاية ولايتهم الانتدابية.

فالتعويضوالامتيازات الممنوحة للبرلمانيين، لا تعني تعويض لإرضاء البرلمانيين طيلة فترة تواجده بالبرلمان، ومكافأتهم بألف لطف بعد نهاية الولاية، سواء أكان الأمر يتعلق بامتياز قدماء ورؤساء الغرفتين أو حتى للذين يتوفرون على بطاقات هوية خاصة (البرتغال). فمنح امتيازات مدى الحياة، ليس الهدف منه أحيانا هو منع الفساد والرشوة، بل يبدو موضوع تساؤل بعيدا عن حماية الديمقراطية، فالامتيازات أحيانا تكون أول من يشوه سمعة الديمقراطية.

وطبعا معاش التقاعد في إطار السخاء هو أيضا موضوع سؤال عامة المواطنات والمواطنين، لاسيما في ظل ضعف الأداء البرلماني ومستوى تكوين البرلمانيين في بعض الدول العربية ومن ضمنها المغرب بالرغم من مساهمات البرلمانيين في صناديق التقاعد، فالتعويض يقابله تتبع تطور مداخيل البرلمانيين وأنشطتهم، ويقابله أيضا الحد من تضارب المصالح والدفاع عن المصالح والأهداف الخاصة.ولهذا الغرض، أصدر مكتب الجمعية الوطنية الفرنسية سنة 2011، قرارا بإحداث مدونة السلوك البرلماني، تتضمن ستة مبادئ كبرى: السعي لتحقيق المصلحة العامة وليس المصلحة الخاصة، الحفاظ على الاستقلالية، الموضوعية أثناء تأدية المهام، مبدأ المسؤولية، شرط الاستقامة والمثالية، وتم إغناء هذه المدونة فيما بعد بمقتضى يحث النائب البرلماني، بالتصريح بجميع الرحلات التي يقوم بها لتلبية دعوات الأغيار والهدايا التي يتوصل بها خلال الولاية، لاسيما التي تفوق قيمتها 150 أورو. وتم اسناد مراقبة احترام هذه المبادئ لهيئة مستقلة.

وقد عرفت الأنظمة المالية للبرلمانيين في معظم دول العالم، عدة تعديلات، ومعظم التحليلات التي تناولت الموضوع، خلصت إلى أن موضوع تعويضات ومعاشات البرلمانيين، دائما ما تثير جدلا واسعا في صفوف الرأي العام، وتعتبر أنه من الصعب ايجاد تبريرات لذلك كما أنها لا تأتي من أجلتحسين أداء المشرع.

ويحظى موضوع معاشات البرلمانيين بأهمية بالغة،متمثلة في مطالبة شريحة واسعة من المجتمع المغربي بإلغائها وهو نفس الاتجاه الذي تسير فيه لجنة المالية في اجتماعها بتاريخ 13 أكتوبر 2020، حول تصفية صندوق معاشات النواب البرلمانيين، وأخرى ترى أنه لا يعقل أن يساهم البرلماني في صندوق تقاعد البرلمانيين ولا يستفيد من معاشه في نهاية الولاية الانتدابية (المادة 04 من القانون رقم 24.92 المتعلق بإحداث نظام المعاشات لفائدة أعضاء مجلس النواب الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.92.136 الصادر في 8 رجب 1414 الموافق ل 22 ديسمبر 1993)، إلا أن أنظمة مقارنة غير بعيدة عنا، استطاعت أن تجد حلولا لهذا الجدل القائم، وهو ما سنحاول بسطه بالتحليل والتفصيل.

ومن هنا تبرز الإشكالية التالية:

  • هل يستحق البرلمانيين معاشا بعض نهاية ولايتهم الانتدابية؟

لمعالجة هذا الموضوع سنحاول الانفتاح على تجارب دولية مقارنة ونخص بالذكر دول الاتحاد الأوربي (الفقرة الأولى) وفرنسا التي ننهل منها العديد من القوانين (الفقرة الثانية).

الفقرة الثانية: معاش التقاعد بدول الاتحاد الأوروبي

إن انتماء قدماء البرلمانيين لنظام عام للتقاعد يبدو أكثر اقتصادا من خلق معاش برلماني خاص، هذا التقاعد الذي يتم تمويل جزء منه من ميزانية البرلمان، يزيد من نفقات هذا الأخير، لهذا الغرض فخضوع هذا النظام لنظام عام سيكون أكثر فائدة من إخضاعه لنظام خاص.

وتعتمد مجموعة من الدول نظاما عاما، إذ تعرف غياب معاشات البرلمانيين، نجد من ضمن هذه دول شرق أوروبا كالمجر وبولونيا وسلوفاكيا كنماذج.

وفي مجموعة أخرى من دول الاتحاد الأوروبي، يستفيد قدماء البرلمانيين من تقاعد يشبه التقاعد الوظيفي مثل ليتوانيا واللوكسمبورغ. فيما تخلت دول أخرى عن المعاش الخاص بالبرلمانيين لاسيما مع الأزمة الاقتصادية لسنة 2011 والانتقادات التي توجه للامتيازات السياسية كما حدث في النمسا سنة 1997، كما أن هذا التخلي يجد تبريره في تخليق الحياة الاقتصادية كما حدث في استونيا سنة 2003 و البرتغال سنة 2005.

فالأزمات الاقتصادية، كانت سببا مباشرا في اختفاء معاشات البرلمانيين بالعديد من الدول وانتظامه في نظام عام في كل من اسبانيا سنة 2011 و اليونان سنة 2012.

إلا أنه في مقابل ذلك، تعتمد دول أخرى نظاما خاصا، يقر بوجود نظام معاشات البرلمانيين، معتمدا في ذلك على المدة الدنيا للمساهمة بغية الاستفادة من المعاش، هذه المدة تختلف من دولة لأخرى، فنجد على سبيل المثال محددة في سنة بألمانيا والدنمارك، ومبلغ المعاش يمكن تحديد سقفه لاسيما بعد جمعه مع معاشات مهنية أخرى. هذا السقف محدد في 67.5% من التعويض البرلماني بألمانيا و 75% ببلجيكا. فيما يمنح حق الاستفادة من هذا المعاش عند بلوغ المستفيد سن التقاعد ويصل إلى 67 سنة في ألمانيا و 65 في فلندا وإيطاليا.

ويعطي هذا النظام أيضا امتيازات استثنائية متعددة، تخول للنائب البرلماني الاستفادة من معاشه في سن 63 (ألمانيا) شريطة تخفيضه بعد ذلك، فيما تسمح مدة الولايات التي قضاها النائب البرلماني داخل البرلمان، الاستفادة من المعاش في سن 60 سنة بإيطاليا، ويمكن للنواب البرلمانيين الذين تم انتخابهم قبل سنة 2007 ووصلوا سن 60 سنة بالدنمارك، الاستفادة من معاشهم.

وفي المملكة المتحدة، نجد نظام التقاعد البرلماني عبر التمويل (Système des retraites parlementaires par capitalisation) الذي جاء ليغير نظام الدفع عند الاستخدام (Système par répartition)، كنظام للمخاطر المالية، يتضمن رقابة مستقلة لإدارة الأصول (المخزون والممتلكات).

الفقرة الثانية: الامتيازات والمعاشات البرلمانية بفرنسا

  • امتيازات قدماء البرلمانيين

يحظى النائب البرلماني الذي قضى أزيد من 20 سنة بالجمعية الوطنية أو مجلس الشيوخ الفرنسي، بالعضوية الشرفية في البرلمان، هذه العضوية التي لا يمارس من خلالها أي نشاطا مهنيا، تخول له الحصول على بطاقة هوية تسمح له بولوج مرافق البرلمان بغرفتيه، واستمرار انتمائه إلى نظام خاص للتغطية الاجتماعية، بعبارة أخرى، يوجد البرلماني المستفيد من العضوية الشرفية في خانة بين البرلماني الممارس لنشاطه والبرلماني المتقاعد.

يعود ظهور هذا الانتماء إلى القرن العشرين، عندما اتخذ البرلمان بغرفتيه قرارا داخليا يقضي بإحداث صندوق خاص يضمن معاشات قدماء البرلمانيين، فهو ليس "بنظام خاص للتقاعد" الذي يحتاج إلى قانون، بل لخصوصية غير مرتبطة بالنظام البرلماني كما عرف ذلك مجلس الدولة: نظام معاشات قدماء البرلمانيين هو جزء من النظام البرلماني الذي تنتج قواعده الخاصة طبيعة وظائفه. كما أن هذا النظام يرتبط بممارسة السيادة الوطنية من طرف ممثلو الأمة، أي فيما يتعلق بطبيعة هذا النشاط، فهو لا يخضع لرقابة القاضي الاداري فيما يتعلق بمنازعات معاشات البرلمانيين، وهو نفس النحو الذي سار عليه Aurélien BAUDU معتبرا أن "معاشات قدماء البرلمانيين غير مرتبط بمهام دستورية للبرلمان والنظام البرلماني" وهو نفس الأمر الذي يطبق على باقي الجوانب المادية والمالية الخاصة بالبرلمانيين (سواء المحالين على التقاعد أو الذين لا زالوا يمارسون نشاطهم)، مثل "الضمان الاجتماعي" و"صندوق الإعانة" بعد تقليد ديمقراطي فرنسي طويل بموجبه يتم اعتبار أن " التعويض له طابع مكافأة كاملة قدر الإمكان على التضحيات التي قدمها ممثلو الأمة للصالح العام"، علما أن الانتداب البرلماني يسبب انقطاعا قويا عن الحياة المهنية لدرجة أن البعض لا يستطيع تحمل التضحيات والمخاطر، وفي نفس الوقت فالامتيازات المادية المرتبطة بالنظام البرلماني تسهل بشكل متكافئ لأي مواطن تحمل هذه المهمة، وبالتأكيد، تتغير مع الزمن وتتكيف مع تطور المجتمع.

في فرنسا، أصبح من الصعب في ثقافة البلد زرع ثقافة جديدة تناهض البرلمان، الذي عرف في بعض الفترات نوبات قوية، في حين أن الامتيازات المادية أصبحت بشكل ضمني غير ضرورية. وبالتالي، فبالرجوع الى تعويضات العودة إلى العمل (تعويض البطالة الخاص بالبرلمانيين) الذي ظهر في سنوات 2000، فهي تضمن للبرلماني الذي خسر الانتخابات، الاستفادة من موارد مضمونة (garantie de ressources) محددة طيلة ستة أشهر من تعويضه البرلماني الأساسي، شريطة انتمائه للقطاع الخاص وبلوغه على الأقل سن 62 سنة ( وأكثر من هذا السن يستفيد من معاش التقاعد)، ويبدأ تعويضه في التراجع شيئا فشيئا في كل دورة الى غاية المدة القصوى المحددة في ثلاثة سنوات.

من جهة أخرى، فإن الموارد المضمونة، يتم تخفيضها حسب المداخيل التي يتحصل عليها المستفيد، ويتم تمويل المبالغ الممنوحة من المساهمات الاجبارية للبرلمانيين حتى بالنسبة للذين يشتغلون في القطاع العام، وطبعا ما هو الا نظام تضامني دقيق ومقتصد وأحيانا يشبه المظلة الذهبية "parachute doré"، لأنه يخص الجسم البرلماني وحده، لكنه امتياز مقلق بالنسبة للرأي العام، حيث قررت الأغلبية بالجمعية الوطنية، في 1 يناير 2018، تعديله على غرار النظام العام المعمول به.

وبخصوص الاعانات الممنوحة للبرلمانيين الذين خسروا في آخر انتخابات تشريعية، والتي يساهم فيها المجلس من ميزانيته، تم تحديد سقفها في سنتين أو ثلاثة سنوات حسن سن المستفيد، ب 57% من التعويض الأساسي (indemnité de base)، مع إمكانية جمعها مع نشاطات محددة. فالمقتضى الجديد يبقى جد مكلف (+30%)، وأقل دقة، لكن الهدف من ذلك هو الوصول إلى الهدف التالي: البرلماني يستفيد مثل أجير عادي في القطاع الخاص، هذا الأمر دفع مجلس الشيوخ (Sénat) إلى تحيين نظامه الداخلي للإبقاء على المقتضيات التي تلزم المقاولات الخاصة بإعادة الأجير الذي انتخب برلمانيا منذ بداية الولاية.

 

  • المعاشات البرلمانية

عرفت المعاشات البرلمانية والنظام العام للتقاعد في السنوات الأخيرة، تعديلات ملحوظة، إذ أصبح سن التصفية محدد في 55 سنة (في 2003) وفي 60 سنة ( في 2007) وأخيرا في 62 سنة (في 2010)، وتم منع الجمع بين التقاعد المهني والبرلماني بالنسبة لموظفي القطاع العام منذ سنة 2012، وقد شمل هذا الأمر البرلمانيين الذين نجحوا في انتخابات 2017 كما أنهم يفقدون كل حقوقهم في الترقية طيلة فترة انتدابهم. ونفهم من خلال هذه التعديلات، أن نظام حساب المعاشات أصبح خاضع لنظام خاص، فمساهمة البرلماني عن كل سنة يتم حسابها بالضعف، وأصبح سعر المساهمة يساوي نفس السعر الذي يخضع له أجراء القطاع الخاص مع الرفع من مدة المساهمة.

فمنذ بداية سنة 2012، اختفى النظام الالزامي للمساهمة ليحل محله النظام التكميلي الاختياري، الذي تم حدفه بدوره سنة 2018، هذه التعديلات الغاية منها، تخفيض معاش التقاعد البرلماني، فبعد 5 سنوات من الولاية، انتقل المبلغ الشهري من 1500 أورو إلى 678 أورو بانخفاض بلغ 55%. أما مجلس الشيوخ الذي يمول المعاشات عن طريق التمويل (capitalisation)، فقد احتفظ بنظام خاص به رفع من المعاشات.

ولوصف أداء نظام التقاعد الخاص بالنواب، يتم حساب عائدهم الداخلي TRR، وهو مقياس بين استحقاقات التقاعد وإجمالي الاشتراكات.

وبعيدا عن المعاشات، لم يعد يستفيد قدماء البرلمانيين من أي امتيازات خاصة منذ 1 أكتوبر 2018، خاصة امتيازات التنقل عبر القطار، باستثناء البرلمانيين الذين يحضوا بالعضوية الشرفية داخل البرلمان (يمثلون الربع) وقدماء.

أما بالنسبة لقدماء رؤساء كل مجلس، يستفيدون من امتيازات مدى الحياة، تتمثل في سيارة والسائق ومساعدين اثنين ومكتب بالجمعية الوطنية بالإضافة الى السكن الوظيفي بمجلس الشيوخ، إلا أنه في سنة 2010، حددت الجمعية الوطنية مدة هذه الامتيازات في 10 سنوات.

هذه التعديلات التي همت امتيازات الشخصية الثالثة والرابعة في الدولة، لم تستثني قدماء رؤساء الدولة والوزراء الأولين السابقين (الشخصية الأولى والثانية)، فقدماء رؤساء الدولة يستفيدون منذ 1985 من امتيازات مدى الحياة، تتمثل في السكن الوظيفي مجهز واثنين من الخدم، وسيارة الخدمة وسائقين بالإضافة إلى سبعة مساعدين ومجانية القطارات والطيران.

في السابق، كانت تعويضات قدماء الرؤساء المحددة بقانون 1955، جد محتشمة، تتجاوز 65000 أورو صافية سنويا. ويعزى ضعف هذا المبلغ إلى استفادة الرئيس السابق من عضوية الحضور الدائم للمجلس الدستوري، يتقاضى لهذا الغرض تعويض يصل إلى 172000 أورو في السنة، بالإضافة الى استفادتهم من الحماية الأمنية.

وبالرجوع للأساس القانوني للاستفادة من هذه الامتيازات، نجدها جد هشة، تتمثل في رسالة شخصية يوجهها رئيس الحكومة للرئيس السابق، ولترسيم هذه الامتيازات أصدر رئيس الدولة سنة 2016 مرسوما لتخفيضها إلى النصف في غضون 5 سنوات، وبمبلغ سنوي يصل الى 1.5 مليون أورو للشخصية.

بالإضافة إلى ذلك يستفيد قدماء البرلمانيين من منحة العزاء، التي تعطى لأسرهم وحددت في 2350 أورو بالنسبة لأعضاء الجمعية الوطنية و 5000 أورو بالنسبة لأعضاء مجلس الشيوخ.

 

بوعزة كريم/ باحث بسلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء