الجمعة 23 إبريل 2021
في الصميم

خمسة أوهام جزائرية ابتلعتها كثبان الصحراء المغربية

خمسة أوهام جزائرية ابتلعتها كثبان الصحراء المغربية عبد الرحيم أريري

لفهم إقدام الجزائر على تكليف أمينتو حيدر بتأسيس «الهيئة الصحراوية لمناهضة الاحتلال المغربي» يوم 20 شتنبر 2020 علينا العودة إلى 30 سنة للوراء، وتحديدا إلى يوم 6 شتنبر 1991. فهذا اليوم يعد «يوم نكسة» بالنسبة للعسكر الجزائري، إذ رغم الأموال الطائلة والأسلحة الفتاكة التي سخرتها الجزائر لتمويل وتأطير البوليساريو في الحرب ضد المغرب، فإنها لم تفلح في شراء بكارة عسكرية سبق أن فقدتها بعد هزيمة حرب الرمال عام 1963. ذلك أن الحرب العسكرية بين المغرب من جهة وبين الجزائر والبوليساريو من جهة ثانية، ستتوقف بمقتضى اتفاقية وقف إطلاق النار يوم 6 شتنبر 1991 برعاية أممية، وهو القرار الذي انصاعت له الجزائر بعد أن أكمل المغرب بناء جداره الأمني بطول 2400 كلم عام 1988، وأصبح صعبا بعدها على ضباط الجزائر تسخير البوليساريو للمس بالتراب الوطني.

 

لكن بالنسبة للجزائر فإن قرار 6 شتنبر 1991 لم يكن يعني لها نهاية الحرب، بل فقط وقف الحرب الكلاسيكية التي تتواجه فيها الجيوش، لكون حكام الجزائر سيحولون الحرب ضد المغرب إلى أشكال جديدة تصب كلها في خانة واحدة، ألا وهي حرب الإنهاك وحرب الاستنزاف، حتى لا تقوم للمغرب قائمة، وحتى لا ينصرف المغرب لتدارك الأعطاب والاختلالات التنموية.

 

فخلال 30 سنة الماضية يمكن تحقيب الشكل الجديد للحرب الجزائرية ضد المغرب وفق المحطات التالية:

 

أولا: ورقة الهوية

حرب تحديد الهوية وهي حرب دامت طوال العقد التاسع من القرن العشرين، حيث عبأت الجزائر الأتباع والأنصار لتحويل معركة تحديد هوية من سيشارك في الاستفتاء حول مصير الصحراء من أجل إعادة بناء «خيط ناظم للشعب الصحراوي»، لكن بعد إخفاقها في معركة تحديد الهوية «للشعب الصحراوي» في نهاية التسعينات من القرن العشرين، ستستغل الجزائر إمساك اللوبي النفطي الأمريكي بملف الصحراء المتمثل في تعيين جيمس بيكر مبعوثا خاصا للأمين العام الأممي عام 1997، لتحدث طفرة في الحرب ضد المغرب، وهو ما يقودنا إلى المحطة الثانية.

 

ثانيا: الورقة الحقوقية

انخراط جيمس بيكر في ترويج الطرح الجزائري، قاد إلى انحباس سياسي في ملف الصحراء، وهو ما قاد إلى إبداع فتوى جديدة، تتجلى في إشهار ورقة حقوق الإنسان، وهي الورقة التي أضحت آنذاك موضة عالمية. إذ بعد انهيار جدار برلين عام 1989 وتفكك الاتحاد السوفياتي، أصيبت الحركات الشيوعية والأحزاب الاشتراكية باليتم، بالمقابل برز نجم الخضر في كل دول المعمور. وتشكلت مفاهيم جديدة لتعبئة الرأي العام الدولي تتمحور حول «البيئة» و"التنمية المستدامة" و"احترام حقوق الإنسان". وبما أن المغرب عرف انتقالا سلسا للعرش في صيف 1999 بوفاة المرحوم الحسن الثاني وتولي الملك محمد السادس مقاليد الحكم، استغلت الجزائر وحلفائها، انخراط المغرب في مسلسل طي سنوات الرصاص، وبدأت الجزائر تراهن على نشطاء صحراويين داخل الأقاليم الجنوبية لاستقطابهم وتمويلهم، وخلقت لجنة مما يسمى بالمعتقلين السابقين الصحراويين، وهي اللجنة التي ستشكل النواة الأولى لما أصبح يعرف إعلاميا فيما بعد بـ "انفصاليي الداخل". وخلق فرع للمنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف عام 2002 في العيون، (كانت ضمنهم أمينتو حيدر و... والتامك وغيرهما).

 

إلا أن التطاحن القبلي للمعتقلين الصحراويين السابقين داخل فرع المنتدى من جهة، وتباين الأطروحات والرؤى بين هؤلاء من جهة ثانية، جمد فرع العيون وأصابه بالشلل، بشكل أفقد الجزائر ورقة للتشويش على المغرب.

 

ثالثا: من عشرية الإرهاب إلى عشرية تغذية الانفصال

موازاة مع احتراق ورقة المعتقلين الصحراويين بفرع المنتدى، بدأت الجزائر تتعافى تدريجيا من جروح الحرب الأهلية بسبب عشرية الإرهاب. بشكل جعلها تتفرغ كلية للمغرب، وساعدها في ذلك ارتفاع المداخيل النفطية وقتها، فأعطيت الأوامر من طرف حكام الجزائر لإشعال النار في الأقاليم الصحراوية. وهو ما ولد أحداث العيون عام 2005 التي ترتبت عنها اعتقالات في صفوف الصحراويين (ضمنهم أمينتو حيدر) وتخريب منشآت عمومية والاعتداء على ممتلكات عديدة للخواص.

 

في حمأة هذه الأوضاع خرجت للوجود تنظيمات تدور في فلك الجزائر وتأتمر بأوامر حكامها، وهي تنظيمات تدعي شكليا الدفاع عن حقوق الإنسان، والحال أنها تنظيمات لم يكن لها من هدف سوى تصيد هفوة صغيرة هنا أو هناك بالأقاليم الصحراوية لاستغلالها، بينما لم يسبق إطلاقا لهذه التنظيمات أن رفعت صوتها استنكارا للاختطاف والتعذيب والقمع بمخيمات تندوف أو بالجزائر، ونقصد بذلك: "تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان" (CODESA) التي كانت تترأسه أمينتو حيدر. و"الجمعية الصحراوية لضحايا حقوق الإنسان في الصحراء" (ASVDH) برعاية إبراهيم دحان ونائبته جيمي الغالية.

 

رابعا: شظايا اكديم إزيك

في سنة 2010، وعقب الخيبة التي تجرعت مرارتها الجزائر في العشرية الأولى من الألفية الحالية التي لم تكن نتائجها في مستوى ما أنفقه العسكر الجزائري على انفصاليي الداخل بالمغرب، ثم المرور إلى سياسة الأرض المحروقة التي أفرزت أحداث «إكديم إيريك» بالعيون عام 2010، وما تلاها من تجييش وتعبئة المتظاهرين بشكل أدى إلى إحراق الممتلكات العامة والخاصة وقتل أفراد القوة العمومية بل والتمثيل بجثثهم. أحداث «إكديم إيزيك» أفرزت للجزائر بروفيلا جديدا من انفصاليي الداخل يختلفون عن النشطاء الذين تعاملت معهم المخابرات الجزائرية في المرحلة السابقة. فجيل «إكديم إيزيك» متحرر من شرعية الاعتقال السياسي، وهو جيل تربى على تغذية الحرب كل يوم مثل «حطب جهنم». من هنا نفهم سر الزيارات المتتالية لانفصاليي الداخل إلى الجزائر للتدريب والتأطير.

 

خامسا: تسخير أمينتو لتنشيط البطولة

ورغم كل هذا الحقد والتمويل الجزائري الضخم، ظل المغرب ثابتا ومتشبثا بحقه المشروع، يزاوج بين إعمار الصحراء وحشد التأييد لمبادرة «الحكم الذاتي»، وهو ما أفلح فيه عقب سحب 35 دولة لاعترافها بالبوليساريو وعودة العلاقات الدبلوماسية مع العديد من الدول كانت تساند الجزائر. ليس هذا فحسب، بل تخلى المغرب عن سياسة المقعد الفارغ، وعاد بقوة إلى الاتحاد الإفريقي، واسترجع المغرب توهج علاقاته مع العديد من دول القارة السمراء بشكل أغاظ عسكر الجزائر الذين لم يجدوا من حيلة في سنة 2020 سوى «اختراع» ورقة جديدة أخرة للتشويش على المغرب، ألا وهي إعطاء الأوامر  «لأمينتو حيدر»، لفك الارتباط مع تنظيم «كوديسا» المشلول أصلا، وخلق هيئة جديدة تحت اسم "الهيئة الصحراوية لمناهضة الاحتلال المغربي" (ISACOM)، قصد «تنشيط البطولة العسكرية الجزائرية» في حربها المسعورة ضد المغرب والمغارية.

 

ولكن زرع «نواة» فاسدة من البداية لن تحصد معه عميلة قصر المرادية في النهاية إلا الأشواك الدامية للأقدام الجزائرية التي ستعود على أعقابها خاسرة منكسرة، وبطفح لا يندمل.